الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

تفسير قوله تعالى يا أيها النبي لم تحرم ما أحل الله لك

جزء التالي صفحة
السابق

تفسير سورة التحريم

وهي مدنية

بسم الله الرحمن الرحيم

يا أيها النبي لم تحرم ما أحل الله لك تبتغي مرضات أزواجك والله غفور رحيم قد فرض الله لكم تحلة أيمانكم والله مولاكم وهو العليم الحكيم وإذ أسر النبي إلى بعض أزواجه حديثا فلما نبأت به وأظهره الله عليه عرف بعضه وأعرض عن بعض فلما نبأها به قالت من أنبأك هذا قال نبأني العليم الخبير إن تتوبا إلى الله فقد صغت قلوبكما وإن تظاهرا عليه فإن الله هو مولاه وجبريل وصالح المؤمنين والملائكة بعد ذلك ظهير عسى ربه إن طلقكن أن يبدله أزواجا خيرا منكن مسلمات مؤمنات قانتات تائبات عابدات سائحات ثيبات وأبكارا

هذا عتاب من الله لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم، حين حرم على نفسه سريته "مارية" أو شرب العسل، مراعاة لخاطر بعض زوجاته، في قصة معروفة، فأنزل الله تعالى هذه الآيات يا أيها النبي أي: يا أيها الذي أنعم الله عليه بالنبوة والرسالة والوحي لم تحرم ما أحل الله لك من الطيبات، التي أنعم الله بها عليك وعلى أمتك.

تبتغي بذلك التحريم مرضات أزواجك والله غفور رحيم هذا [ ص: 1851 ] تصريح بأن الله قد غفر لرسوله، ورفع عنه اللوم، ورحمه، وصار ذلك التحريم الصادر منه، سببا لشرع حكم عام لجميع الأمة، فقال تعالى:

قد فرض الله لكم تحلة أيمانكم وهذا عام في جميع أيمان المؤمنين أي: قد شرع لكم، وقدر ما به تنحل أيمانكم قبل الحنث، وما به تتكفر بعد الحنث، وذلك كما في قوله تعالى: يا أيها الذين آمنوا لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم ولا تعتدوا إلى أن قال: فكفارته إطعام عشرة مساكين من أوسط ما تطعمون أهليكم أو كسوتهم أو تحرير رقبة فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام ذلك كفارة أيمانكم إذا حلفتم .

فكل من حرم حلالا عليه، من طعام أو شراب أو سرية، أو حلف يمينا بالله، على فعل أو ترك، ثم حنث أو أراد الحنث، فعليه هذه الكفارة المذكورة، وقوله: والله مولاكم أي: متولي أموركم، ومربيكم أحسن تربية، في أمور دينكم ودنياكم، وما به يندفع عنكم الشر، فلذلك فرض لكم تحلة أيمانكم، لتبرأ ذممكم، وهو العليم الحكيم الذي أحاط علمه بظواهركم وبواطنكم، وهو الحكيم في جميع ما خلقه وحكم به، فلذلك شرع لكم من الأحكام، ما يعلم أنه موافق لمصالحكم، ومناسب لأحوالكم.

وقوله: وإذ أسر النبي إلى بعض أزواجه حديثا قال كثير من المفسرين: هي حفصة أم المؤمنين رضي الله عنها، أسر لها النبي صلى الله عليه وسلم حديثا، وأمر أن لا تخبر به أحدا، فحدثت به عائشة رضي الله عنهما، وأخبره الله بذلك الخبر الذي أذاعته، فعرفها صلى الله عليه وسلم، ببعض ما قالت، وأعرض عن بعضه، كرما منه صلى الله عليه وسلم وحلما، فـ قالت له: من أنبأك هذا الخبر الذي لم يخرج منا؟ قال نبأني العليم الخبير الذي لا تخفى عليه خافية، يعلم السر وأخفى.

وقوله: إن تتوبا إلى الله فقد صغت قلوبكما الخطاب للزوجتين الكريمتين من أزواجه صلى الله عليه وسلم حفصة وعائشة رضي الله عنهما، كانتا سببا لتحريم النبي صلى الله عليه وسلم على نفسه ما يحبه، فعرض الله عليهما التوبة، وعاتبهما على ذلك، وأخبرهما أن قلوبهما قد صغت أي: مالت وانحرفت عما ينبغي لهن، من الورع والأدب مع الرسول صلى الله عليه وسلم واحترامه، وأن لا يشققن عليه، وإن تظاهرا عليه أي: تعاونا على [ ص: 1852 ] ما يشق عليه، ويستمر هذا الأمر منكن، فإن الله هو مولاه وجبريل وصالح المؤمنين والملائكة بعد ذلك ظهير أي: الجميع أعوان للرسول، مظاهرون، ومن كان هؤلاء أنصاره فهو المنصور، وغيره إن يناوئه فهو مخذول ، وفي هذا أكبر فضيلة وشرف لسيد المرسلين، حيث جعل الباري نفسه الكريمة ، وخواص خلقه، أعوانا لهذا الرسول الكريم. وفيه من التحذير للزوجتين الكريمتين ما لا يخفى، ثم خوفهما أيضا، بحالة تشق على النساء غاية المشقة، وهو الطلاق، الذي هو أكبر شيء عليهن، فقال: عسى ربه إن طلقكن أن يبدله أزواجا خيرا منكن أي: فلا ترفعن عليه، فإنه لو طلقكن، لم يضق عليه الأمر، ولم يكن مضطرا إليكن، فإنه سيجد ويبدله الله أزواجا خيرا منكن، دينا وجمالا وهذا من باب التعليق الذي لم يوجد، ولا يلزم وجوده، فإنه ما طلقهن، ولو طلقهن، لكان ما ذكره الله من هذه الأزواج الفاضلات، الجامعات بين الإسلام، وهو القيام بالشرائع الظاهرة، والإيمان، وهو: القيام بالشرائع الباطنة، من العقائد وأعمال القلوب.

القنوت هو دوام الطاعة واستمرارها تائبات عما يكرهه الله، فوصفهن بالقيام بما يحبه الله، والتوبة عما يكرهه الله، ثيبات وأبكارا أي: بعضهن ثيب، وبعضهن أبكار، ليتنوع صلى الله عليه وسلم، فيما يحب، فلما سمعن -رضي الله عنهن- هذا التخويف والتأديب، بادرن إلى رضا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فكان هذا الوصف منطبقا عليهن، فصرن أفضل نساء المؤمنين، وفي هذا دليل على أن الله لا يختار لرسوله إلا أكمل الأحوال وأعلى الأمور، فلما اختار الله لرسوله بقاء نسائه المذكورات معه دل على أنهن خير النساء وأكملهن.

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث