الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

تفسير قوله تعالى إن الله اصطفى آدم ونوحا وآل إبراهيم وآل عمران على العالمين

جزء التالي صفحة
السابق

والآن نأخذ في استعراض النصوص تفصيلا.

يبدأ هذا القصص ببيان من اصطفاهم الله من عباده واختارهم لحمل الرسالة الواحدة بالدين الواحد منذ بدء الخليقة، ليكونوا طلائع الموكب الإيماني في شتى مراحله المتصلة على مدار الأجيال والقرون. فيقرر أنهم ذرية بعضها من بعض. وليس من الضروري أن تكون ذرية النسب - وإن كان نسب الجميع يلتقي في آدم ونوح - فهي أولا رابطة الاصطفاء والاختيار الإلهي; ونسب هذه العقيدة الموصول في ذلك الموكب الإيماني الكريم:

إن الله اصطفى آدم ونوحا، وآل إبراهيم وآل عمران. على العالمين ذرية بعضها من بعض، والله سميع عليم ..

ولقد ذكر السياق آدم ونوحا فردين; وذكر آل إبراهيم وآل عمران أسرتين. إشارة إلى أن آدم بشخصه ونوحا بشخصه هما اللذان وقع عليهما الاصطفاء. فأما إبراهيم وعمران فقد كان الاصطفاء لهما ولذريتهما كذلك - على القاعدة التي تقررت في سورة البقرة عن آل إبراهيم : قاعدة أن وراثة النبوة والبركة في بيته ليست وراثة الدم، إنما هي وراثة العقيدة: وإذ ابتلى إبراهيم ربه بكلمات فأتمهن قال: إني جاعلك للناس إماما. قال: ومن ذريتي؟ قال: لا ينال عهدي الظالمين ..

وبعض الروايات تذكر أن عمران من آل إبراهيم . فذكر آل عمران إذن تخصيص لهذا الفرع لمناسبة خاصة، هي عرض قصة مريم وقصة عيسى عليه السلام.. كذلك نلاحظ أن السياق لم يذكر من آل إبراهيم لا موسى ولا يعقوب "وهو إسرائيل " كما ذكر آل عمران .. ذلك أن السياق هنا يستطرد إلى الجدل حول عيسى بن مريم وحول إبراهيم - كما سيأتي في الدرس التالي - فلم تكن هناك مناسبة لذكر موسى في هذا المقام أو ذكر يعقوب .. [ ص: 392 ] ومن هذا الإعلان التمهيدي ينتقل السياق مباشرة إلى آل عمران ومولد مريم :

إذ قالت امرأت عمران: رب إني نذرت لك ما في بطني محررا فتقبل مني إنك أنت السميع العليم فلما وضعتها قالت: رب: إني وضعتها أنثى - والله أعلم بما وضعت - وليس الذكر كالأنثى، وإني سميتها مريم وإني أعيذها بك وذريتها من الشيطان الرجيم فتقبلها ربها بقبول حسن، وأنبتها نباتا حسنا، وكفلها زكريا. كلما دخل عليها زكريا المحراب وجد عندها رزقا. قال: يا مريم أنى لك هذا؟ قالت: هو من عند الله، إن الله يرزق من يشاء بغير حساب ..

وقصة النذر تكشف لنا عن قلب امرأت عمران - أم مريم - وما يعمره من إيمان، ومن توجه إلى ربها بأعز ما تملك. وهو الجنين الذي تحمله في بطنها. خالصا لربها، محررا من كل قيد ومن كل شرك ومن كل حق لأحد غير الله سبحانه. والتعبير عن الخلوص المطلق بأنه تحرر تعبير موح. فما يتحرر حقا إلا من يخلص لله كله، ويفر إلى الله بجملته وينجو من العبودية لكل أحد ولكل شيء ولكل قيمة، فلا تكون عبوديته إلا لله وحده.. فهذا هو التحرر إذن.. وما عداه عبودية وإن تراءت في صورة الحرية!.

ومن هنا يبدو التوحيد هو الصورة المثلى للتحرر . فما يتحرر إنسان وهو يدين لأحد غير الله بشيء ما في ذات نفسه، أو في مجريات حياته، أو في الأوضاع والقيم والقوانين والشرائع التي تصرف هذه الحياة..

لا تحرر وفي قلب الإنسان تعلق أو تطلع أو عبودية لغير الله. وفي حياته شريعة أو قيم أو موازين مستمدة من غير الله. وحين جاء الإسلام بالتوحيد جاء بالصورة الوحيدة للتحرر في عالم الإنسان..

وهذا الدعاء الخاشع من امرأة عمران ، بأن يتقبل ربها منها نذرها - وهو فلذة كبدها - ينم عن ذلك الإسلام الخالص لله، والتوجه إليه كلية، والتحرر من كل قيد، والتجرد إلا من ابتغاء قبوله ورضاه:

رب إني نذرت لك ما في بطني محررا فتقبل مني. إنك أنت السميع العليم ..

ولكنها وضعتها أنثى; ولم تضعها ذكرا! فلما وضعتها قالت: رب إني وضعتها أنثى - والله أعلم بما وضعت - وليس الذكر كالأنثى. وإني سميتها مريم وإني أعيذها بك وذريتها من الشيطان الرجيم ..

لقد كانت تنتظر ولدا ذكرا; فالنذر للمعابد لم يكن معروفا إلا للصبيان، ليخدموا الهيكل، وينقطعوا للعبادة والتبتل. ولكن ها هي ذي تجدها أنثى. فتتوجه إلى ربها في نغمة أسيفة:

رب. إني وضعتها أنثى ..

والله أعلم بما وضعت ..

ولكنها هي تتجه إلى ربها بما وجدت، وكأنها تعتذر إن لم يكن لها ولد ذكر ينهض بالمهمة.

وليس الذكر كالأنثى ..

ولا تنهض الأنثى بما ينهض به الذكر في هذا المجال: وإني سميتها مريم ..

وهذا الحديث على هذا النحو فيه شكل المناجاة القريبة. مناجاة من يشعر أنه منفرد بربه. يحدثه بما في نفسه، وبما بين يديه، ويقدم له ما يملك تقديما مباشرا لطيفا. وهي الحال التي يكون فيها هؤلاء العباد المختارون مع ربهم. حال الود والقرب والمباشرة، والمناجاة البسيطة العبارة، التي لا تكلف فيها ولا تعقيد. مناجاة من [ ص: 393 ] يحس أنه يحدث قريبا ودودا سميعا مجيبا.

وإني أعيذها بك. وذريتها من الشيطان الرجيم ..

وهي الكلمة الأخيرة حيث تودع الأم هديتها بين يدي ربها، وتدعها لحمايته ورعايته، وتعيذها به هي وذريتها من الشيطان الرجيم..

وهذه كذلك كلمة القلب الخالص، ورغبة القلب الخالص. فما تود لوليدتها أمرا خيرا من أن تكون في حياطة الله من الشيطان الرجيم! .

فتقبلها ربها بقبول حسن، وأنبتها نباتا حسنا ..

جزاء هذا الإخلاص الذي يعمر قلب الأم، وهذا التجرد الكامل في النذر .. وإعدادا لها أن تستقبل نفخة الروح، وكلمة الله، وأن تلد عيسى - عليه السلام - على غير مثال من ولادة البشر.

وكفلها زكريا ..

أي: جعل كفالتها له، وجعله أمينا عليها.. وكان زكريا رئيس الهيكل اليهودي. من ذرية هارون الذين صارت إليهم سدانة الهيكل.

ونشأت مباركة مجدودة. يهيئ لها الله من رزقه فيضا من فيوضاته:

كلما دخل عليها زكريا المحراب وجد عندها رزقا. قال: يا مريم أنى لك هذا؟ قالت: هو من عند الله. إن الله يرزق من يشاء بغير حساب ..

ولا نخوض نحن في صفة هذا الرزق كما خاضت الروايات الكثيرة. فيكفي أن نعرف أنها كانت مباركة يفيض من حولها الخير ويفيض الرزق من كل ما يسمى رزقا. حتى ليعجب كافلها - وهو نبي - من فيض الرزق. فيسألها: كيف ومن أين هذا كله؟ فلا تزيد على أن تقول في خشوع المؤمن وتواضعه واعترافه بنعمة الله وفضله، وتفويض الأمر إليه كله:

هو من عند الله. إن الله يرزق من يشاء بغير حساب ..

وهي كلمة تصور حال المؤمن مع ربه ، واحتفاظه بالسر الذي بينه وبينه. والتواضع في الحديث عن هذا السر، لا التنفج به والمباهاة! كما أن ذكر هذه الظاهرة غير المألوفة التي تثير عجب نبي الله زكريا . هي التمهيد للعجائب التي تليها في ميلاد يحيى وميلاد عيسى ..

عندئذ تحركت في نفس زكريا ، الشيخ الذي لم يوهب ذرية، تحركت تلك الرغبة الفطرية القوية في النفس البشرية. الرغبة في الذرية. في الامتداد. في الخلف.. الرغبة التي لا تموت في نفوس العباد الزهاد، الذين وهبوا أنفسهم للعبادة ونذروها للهيكل. إنها الفطرة التي فطر الله الناس عليها، لحكمة عليا في امتداد الحياة وارتقائها:

هنالك دعا زكريا ربه. قال: رب هب لي من لدنك ذرية طيبة. إنك سميع الدعاء فنادته الملائكة - وهو قائم يصلي في المحراب - أن الله يبشرك بيحيى، مصدقا بكلمة من الله، وسيدا وحصورا، ونبيا من الصالحين قال: رب أنى يكون لي غلام، وقد بلغني الكبر وامرأتي عاقر. قال: كذلك الله يفعل ما يشاء قال: رب اجعل لي آية. قال: آيتك ألا تكلم الناس ثلاثة أيام إلا رمزا واذكر ربك كثيرا، وسبح بالعشي والإبكار .. [ ص: 394 ] وكذلك.. نجدنا أمام حادث غير عادي. يحمل مظهرا من مظاهر طلاقة المشيئة الإلهية، وعدم تقيدها بالمألوف للبشر ، الذي يحسبه البشر قانونا لا سبيل إلى إخلافه; ومن ثم يشكون في كل حادث لا يجيء في حدود هذا القانون! فإذا لم يستطيعوا تكذيبه، لأنه واقع، صاغوا حوله الخرافات والأساطير!.

فها هو ذا زكريا الشيخ الكبير وزوجه العاقر التي لم تلد في صباها.. ها هو ذا تجيش في قلبه الرغبة الفطرية العميقة في الخلف - وهو يرى بين يديه مريم البنية الصالحة المرزوقة - فيتوجه إلى ربه يناجيه، ويطلب منه أن يهب له من لدنه ذرية طيبة:

هنالك دعا زكريا ربه. قال: رب هب لي من لدنك ذرية طيبة. إنك سميع الدعاء ..

فما الذي كان من هذا الدعاء الخاشع الحار المنيب؟

كانت الاستجابة التي لا تتقيد بسن، ولا تتقيد بمألوف الناس; لأنها تنطلق من المشيئة المطلقة التي تفعل ما تريد:

فنادته الملائكة - وهو قائم يصلي في المحراب - أن الله يبشرك بيحيى، مصدقا بكلمة من الله. وسيدا وحصورا ونبيا من الصالحين ..

لقد استجيبت الدعوة المنطلقة من القلب الطاهر ، الذي علق رجاؤه بمن يسمع الدعاء ويملك الإجابة حين يشاء. وبشرت الملائكة زكريا بمولود ذكر، اسمه معروف قبل مولده; يحيى ; وصفته معروفة كذلك: سيدا كريما، وحصورا يحصر نفسه عن الشهوات، ويملك زمام نزعاته من الانفلات. ومؤمنا مصدقا بكلمة تأتيه من الله . ونبيا صالحا في موكب الصالحين.

لقد استجيبت الدعوة، ولم يحل دونها مألوف البشر الذي يحسبونه قانونا. ثم يحسبون أن مشيئة الله - سبحانه - مقيدة بهذا القانون! وكل ما يراه الإنسان ويحسبه قانونا لا يخرج عن أن يكون أمرا نسبيا - لا مطلقا ولا نهائيا - فما يملك الإنسان وهو محدود العمر والمعرفة، وما يملك العقل وهو محكوم بطبيعة الإنسان هذه، أن يصل إلى قانون نهائي ولا أن يدرك حقيقة مطلقة.. فما أجدر الإنسان أن يتأدب في جناب الله.

وما أجدره أن يلتزم حدود طبيعته وحدود مجاله، فلا يخبط في التيه بلا دليل، وهو يتحدث عن الممكن والمستحيل، وهو يضع لمشيئة الله المطلقة إطارا من تجاربه هو ومن مقرراته هو ومن علمه القليل!.

ولقد كانت الاستجابة مفاجأة لزكريا نفسه - وهل زكريا إلا إنسان على كل حال - واشتاق أن يعرف من ربه كيف تقع هذه الخارقة بالقياس إلى مألوف البشر؟

قال: رب أنى يكون لي غلام وقد بلغني الكبر وامرأتي عاقر؟ ..

وجاءه الجواب.. جاءه في بساطة ويسر. يرد الأمر إلى نصابه. ويرده إلى حقيقته التي لا عسر في فهمها، ولا غرابة في كونها:

قال: كذلك الله يفعل ما يشاء ..

كذلك! فالأمر مألوف مكرور معاد حين يرد إلى مشيئة الله وفعله الذي يتم دائما على هذا النحو; ولكن الناس لا يتفكرون في الطريقة، ولا يتدبرون الصنعة، ولا يستحضرون الحقيقة! [ ص: 395 ] كذلك. بهذا اليسر. وبهذه الطلاقة. يفعل الله ما يشاء.. فماذا في أن يهب لزكريا غلاما وقد بلغه الكبر وامرأته عاقر؟ إنما هذه مألوفات البشر التي يقررون قواعدهم عليها، ويتخذون منها قانونا! فإما بالقياس إلى الله، فلا مألوف ولا غريب.. كل شيء مرده إلى توجه المشيئة، والمشيئة مطلقة من كل القيود!.

ولكن زكريا لشدة لهفته على تحقق البشرى، ولدهشة المفاجأة في نفسه، راح يطلب إلى ربه أن يجعل له علامة يسكن إليها:

قال: رب اجعل لي آية ... ..

هنا يوجهه الله سبحانه إلى طريق الاطمئنان الحقيقي; فيخرجه من مألوفه في ذات نفسه.. إن آيته أن يحتبس لسانه ثلاثة أيام إذا هو اتجه إلى الناس; وأن ينطلق إذا توجه إلى ربه وحده يذكره ويسبحه:

قال: آيتك ألا تكلم الناس ثلاثة أيام إلا رمزا. واذكر ربك كثيرا. وسبح بالعشي والإبكار ..

ويسكت السياق هنا. ونعرف أن هذا قد كان فعلا. فإذا زكريا يجد في ذات نفسه غير المألوف في حياته وحياة غيره.. لسانه هذا هو لسانه.. ولكنه يحتبس عن كلام الناس وينطلق لمناجاة ربه.. أي قانون يحكم هذه الظاهرة؟ إنه قانون الطلاقة الكاملة للمشيئة العلوية.. فبدونه لا يمكن تفسير هذه الغريبة.. كذلك رزقه بيحيى وقد بلغه الكبر وامرأته عاقر!!!.

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث