الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

مقدمة تفسير سورة الأنعام

جزء التالي صفحة
السابق

وحين يقوم هذا المجتمع فعلا ، تكون له حياة واقعية ، تحتاج إلى تنظيم وإلى تشريع . . وعندئذ فقط يبدأ هذا الدين في تقرير النظم وفي سن الشرائع . . لقوم مستسلمين أصلا للنظم والشرائع ، رافضين ابتداء لغيرها من النظم والشرائع . .

ولا بد أن يكون للمؤمنين بهذه العقيدة من السلطان على أنفسهم وعلى مجتمعهم ما يكفل تنفيذ النظام والشرائع في هذا المجتمع ; حتى تكون للنظام هيبته ويكون للشريعة جديتها . . فوق ما يكون لحياة هذا المجتمع من الواقعية ما يقتضي الأنظمة والشرائع من فورها . .

والمسلمون في مكة لم يكن لهم سلطان على أنفسهم ولا على مجتمعهم . وما كانت لهم حياة واقعية مستقلة هم الذين ينظمونها بشريعة الله . . ومن ثم لم ينزل الله في هذه الفترة تنظيمات وشرائع ; وإنما نزل لهم عقيدة ، وخلقا منبثقا من العقيدة بعد استقرارها في الأعماق البعيدة . . فلما صارت لهم دولة في المدينة ذات سلطان تنزلت عليهم الشرائع ; وتقرر لهم النظام ; الذي يواجه حاجات المجتمع المسلم الواقعية ; والذي تكفل له الدولة بسلطانها الجدية والنفاذ . .

ولم يشأ الله أن ينزل عليهم النظام والشرائع في مكة ، ليختزنوها جاهزة ، حتى تطبق بمجرد قيام الدولة في المدينة ! إن هذه ليست طبيعة هذا الدين ! إنه أشد واقعية من هذا وأكثر جدية ! إنه لا يفترض المشكلات ليفترض لها حلولا . . إنما هو يواجه الواقع بحجمه وشكله وملابساته لصوغه في قالبه الخاص ، وفق حجمه وشكله وملابساته . .

والذين يريدون من الإسلام اليوم أن يصوغ قوالب نظام ، وأن يصوغ تشريعات حياة . . بينما ليس على وجه الأرض مجتمع قد قرر فعلا تحكيم شريعة الله وحدها ، ورفض كل شريعة سواها ، مع تملكه للسلطة التي تفرض هذا وتنفذه . . الذين يريدون من الإسلام ذلك لا يدركون طبيعة هذا الدين ، ولا كيف يعمل في الحياة كما يريد له الله . .

إنهم يريدون منه أن يغير طبيعته ومنهجه وتاريخه ليشابه أنظمة بشرية ، ومناهج بشرية . ويحاولون أن يستعجلوه عن طريقه وخطواته ليلبي رغبات وقتية في نفوسهم إنما تنشئها الهزيمة الداخلية في أرواحهم تجاه أنظمة بشرية صغيرة . . إنهم يريدون منه أن يصوغ نفسه في قالب فروض ، تواجه مستقبلا غير موجود . . والله يريد لهذا الدين أن يكون كما أراده . . عقيدة تملأ القلب ، وتفرض سلطانها على الضمير . عقيدة مقتضاها [ ص: 1011 ] ألا يخضع الناس إلا لله ، ولا يتلقوا الشرائع إلا من الله . وبعد أن يوجد الناس الذين هذه عقيدتهم ، ويصبح لهم السلطان في مجتمعهم ، تبدأ التشريعات لمواجهة حاجاتهم الواقعية ، وتنظيم حياتهم الواقعية كذلك .

كذلك يجب أن يكون مفهوما لأصحاب الدعوة الإسلامية ، أنهم حين يدعون الناس لإعادة إنشاء هذا الدين ، يجب أن يدعوهم أولا إلى اعتناق العقيدة - حتى ولو كانوا يدعون أنفسهم مسلمين ! وتشهد لهم شهادات الميلاد بأنهم مسلمون - يجب أن يعلموهم أن الإسلام هو أولا إقرار عقيدة : لا إله إلا الله بمدلولها الحقيقي وهو رد الحاكمية لله في أمرهم كله ، وطرد المعتدين على سلطان الله بادعاء هذا الحق لأنفسهم . . إقرارها في ضمائرهم وشعائرهم ، وإقرارها في أوضاعهم وواقعهم . .

ولتكن هذه القضية هي أساس دعوة الناس إلى الإسلام كما كانت هي أساس دعوتهم إلى الإسلام أول مرة . . هذه الدعوة التي تكفل بها القرآن المكي طوال ثلاثة عشر عاما كاملة . .

فإذا دخل في هذا الدين - بمفهومه هذا الأصيل - عصبة من الناس ، فهذه العصبة هي التي تصلح لمزاولة النظام الإسلامي في حياتها الاجتماعية ; لأنها قررت بينها وبين نفسها أن تقوم حياتها على هذا الأساس ; وألا تحكم في حياتها كلها إلا الله .

وحين يقوم هذا المجتمع بالفعل يبدأ عرض أسس النظام الإسلامي عليه ; كما يأخذ هذا المجتمع نفسه في سن التشريعات التي تقتضيها حياته الواقعية ، في إطار الأسس العامة للنظام الإسلامي . . فهذا هو الترتيب الصحيح لخطوات المنهج الإسلامي الواقعي العملي الجاد . .

ولقد يخيل إلى بعض المخلصين المتعجلين ، ممن لا يتدبرون طبيعة هذا الدين ، وطبيعة منهجه الرباني القويم ، المؤسس على حكمة العليم الحكيم ، وعلمه بطبائع البشر وحاجات الحياة . . نقول لقد يخيل لبعض هؤلاء أن عرض أسس النظام الإسلامي - بل التشريعات الإسلامية كذلك - على الناس مما ييسر لهم طريق الدعوة ، ويحبب الناس في هذا الدين !

وهذا وهم تنشئه العجلة ! وهم كالذي كان يقترحه المقترحون : أن تقوم دعوة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في أولها تحت راية قومية ، أو اجتماعية ، أو أخلاقية ، تيسيرا للطريق !

إن النفوس يجب أن تخلص أولا لله ، وتعلن عبوديتها له ، بقبول شرعه وحده ورفض كل شرع غيره . . من ناحية المبدأ . . قبل أن تخاطب بأي تفصيل عن ذلك الشرع يرغبها فيه !

إن الرغبة يجب أن تنبثق من الرغبة في إخلاص العبودية لله ، والتحرر من سلطان سواه . . لا من أن النظام المعروض عليها . . في ذاته . . خير مما لديها في كذا وكذا على وجه التفصيل .

إن نظام الله خير في ذاته ، لأنه من شرع الله . ولن يكون شرع العبيد يوما كشرع الله . . ولكن هذه ليست قاعدة الدعوة . . إن قاعدة الدعوة أن قبول شرع الله وحده ورفض كل شرع غيره هو ذاته الإسلام . وليس للإسلام مدلول سواه . فمن رغب في الإسلام فقد فصل في هذه القضية ولم يعد بحاجة إلى ترغيبه بجمال النظام وأفضليته . . فهذه إحدى بديهيات الإيمان !

وبعد فلا بد أن نقول كيف عالج القرآن المكي قضية العقيدة في خلال الثلاثة عشر عاما . . إنه لم يعرضها في صورة "نظرية " ! ولم يعرضها في صورة "لاهوت " ولم يعرضها في صورة جدل كلامي كالذي زاوله [ ص: 1012 ] فيما بعد ما سمي بـ "علم التوحيد " أو "علم الكلام " !

كلا . . لقد كان القرآن الكريم يخاطب فطرة "الإنسان " بما في وجوده هو وبما في الوجود من حوله من دلائل وإيحاءات . . كان يستنقذ فطرته من الركام ; ويخلص أجهزة الاستقبال الفطرية مما ران عليها وعطل وظائفها ; ويفتح منافذ الفطرة لتتلقى الموحيات المؤثرة وتستجيب لها . . والسورة التي بين أيدينا نموذج كامل من هذا المنهج المتفرد وسنتحدث عن خصائصها بعد قليل . .

هذا بصفة عامة . وبصفة خاصة كان القرآن يخوض بهذه العقيدة معركة حية واقعية . . كان يخوض بها معركة مع الركام المعطل للفطرة . . في نفوس آدمية حاضرة واقعة . . ومن ثم لم يكن شكل "النظرية " هو الشكل الذي يناسب هذا الواقع الحاضر . إنما كان هو شكل المواجهة الحية للعقابيل والسدود والحواجز والمعوقات النفسية والواقعية في النفوس الحاضرة الحية . . ولم يكن الجدل الذهني الذي انتهجه - في العصور المتأخرة - علم التوحيد ، هو الشكل المناسب كذلك . . فلقد كان القرآن يواجه واقعا بشريا كاملا بكل ملابساته الحية ; ويخاطب الكينونة البشرية بجملتها في خضم هذا الواقع . . وكذلك لم يكن "اللاهوت " هو الشكل المناسب . فإن العقيدة الإسلامية ولو أنها عقيدة ، إلا أنها عقيدة تمثل منهج حياة واقعية للتطبيق العملي ; ولا تقبع في الزاوية الضيقة التي تقبع فيها الأبحاث اللاهوتية النظرية !

كان القرآن وهو يبني العقيدة في ضمائر الجماعة المسلمة يخوض بهذه الجماعة المسلمة معركة ضخمة مع الجاهلية من حولها ; كما يخوض بها معركة ضخمة مع رواسب الجاهلية في ضميرها وأخلاقها وواقعها . .

ومن هذه الملابسات ظهر بناء العقيدة ، لا في صورة نظرية ، ولا في صورة لاهوت ولا في صورة جدل كلامي . . ولكن في صورة تكوين تنظيمي مباشر للحياة ، ممثل في الجماعة المسلمة ذاتها . وكان نمو الجماعة المسلمة في تصورها الاعتقادي ، وفي سلوكها الواقعي وفق هذا التصور ، وفي دربتها على مواجهة الجاهلية كمنظمة محاربة لها . . كان هذا النمو ذاته ممثلا تماما لنمو البناء العقيدي ، وترجمة حية له . . وهذا هو منهج الإسلام الذي يمثل طبيعته كذلك . .

وإنه لمن الضروري لأصحاب الدعوة الإسلامية أن يدركوا طبيعة هذا الدين ومنهجه في الحركة على هذا النحو الذي بيناه . . ذلك ليعلموا أن مرحلة بناء العقيدة التي طالت في العهد المكي على هذا النحو ، لم تكن منعزلة عن مرحلة التكوين العملي للحركة الإسلامية ، والبناء الواقعي للجماعة المسلمة . . لم تكن مرحلة تلقي "النظرية " ودراستها ! ولكنها كانت مرحلة البناء القاعدي للعقيدة وللجماعة وللحركة وللوجود الفعلي معا . . وهكذا ينبغي أن تكون كلما أريد إعادة هذا البناء مرة أخرى . .

هكذا ينبغي أن تطول مرحلة بناء العقيدة ; وأن تتم خطواتها على مهل وفي عمق وتثبت . . وهكذا ينبغي ألا تكون مرحلة بناء العقيدة مرحلة دراسة نظرية للعقيدة ; ولكن مرحلة ترجمة لهذه العقيدة في صورة حية ، متمثلة في ضمائر متكيفة بهذه العقيدة ; ومتمثلة في بناء جماعي يعبر نموه عن نمو العقيدة ذاتها ; ومتمثلة في حركة واقعية تواجه الجاهلية وتخوض معها المعركة في الضمير وفي الواقع كذلك ; لتتمثل العقيدة حية وتنمو نموا حيا في خضم المعركة .

وخطأ أي خطأ - بالقياس إلى الإسلام - أن تتبلور النظرية في صورة نظرية مجردة للدراسة النظرية . . المعرفية الثقافية . . بل خطر أي خطر كذلك . .

إن القرآن لم يقض ثلاثة عشر عاما كاملة في بناء العقيدة بسبب أنه كان يتنزل للمرة الأولى . . كلا ! [ ص: 1013 ] فلو أراد الله لأنزل هذا القرآن جملة واحدة ; ثم ترك أصحابه يدرسونه ثلاثة عشر عاما أو أكثر أو أقل ، حتى يستوعبوا "النظرية الإسلامية " !

ولكن الله - سبحانه - كان يريد أمرا آخر . كان يريد منهجا معينا متفردا . كان يريد بناء الجماعة وبناء الحركة وبناء العقيدة في وقت واحد . كان يريد أن يبني الجماعة والحركة بالعقيدة ، وأن يبني العقيدة بالجماعة والحركة ! كان يريد أن تكون العقيدة هي واقع الجماعة الفعلي ، وأن يكون واقع الجماعة الحركي الفعلي هو صورة العقيدة . . وكان الله - سبحانه - يعلم أن بناء النفوس والجماعات لا يتم بين يوم وليلة . . فلم يكن بد أن يستغرق بناء العقيدة المدى الذي يستغرقه بناء النفوس والجماعة . . حتى إذا نضج التكوين العقيدي كانت الجماعة هي المظهر الواقعي لهذا النضوج . .

هذه هي طبيعة هذا الدين - كما تستخلص من منهج القرآن المكي - ولا بد أن نعرف طبيعته هذه ; ولا نحاول أن نغيرها تلبية لرغبات معجلة مهزومة أمام أشكال النظريات البشرية ! فهو بهذه الطبيعة صنع الأمة المسلمة أول مرة ، وبها يصنع الأمة المسلمة في كل مرة يراد أن يعاد إخراج الأمة المسلمة للوجود ، كما أخرجها الله أول مرة . .

يجب أن ندرك خطأ المحاولة ، وخطرها معا ، في تحويل العقيدة الإسلامية الحية التي يجب أن تتمثل في واقع تام حي متحرك ، إلى "نظرية " للدراسة والمعرفة الثقافية لمجرد أننا نريد أن نواجه "النظريات " البشرية الهزيلة بنظرية إسلامية !

إن العقيدة الإسلامية يجب أن تتمثل في نفوس حية ، وفي تنظيم واقعي ، وفي حركة تتفاعل مع الجاهلية من حولها ، كما تتفاعل مع الجاهلية الراسبة في نفوس أصحابها بوصفهم كانوا من أهل الجاهلية قبل أن تدخل العقيدة إلى نفوسهم وتنتزعها من الوسط الجاهلي . وهي في صورتها هذه تشغل من القلوب والعقول ومن الحياة أيضا مساحة أضخم وأوسع وأعمق مما تشغله "النظرية " وتشمل - فيما تشمل - مساحة النظرية ومادتها . ولكنها لا تقتصر عليها .

إن التصور الإسلامي للألوهية وللوجود الكوني وللحياة وللإنسان ، تصور شامل كامل . ولكنه كذلك تصور واقعي إيجابي . وهو يكره - بطبيعته - أن يتمثل في مجرد تصور ذهني معرفي . لأن هذا يخالف طبيعته وغايته . ويجب أن يتمثل في أناسي ، وفي تنظيم حي ، وفي حركة واقعية . . وطريقته في التكون أن ينمو من خلال الأناسي والتنظيم الحي والحركة الواقعية ; حتى يكتمل نظريا في نفس الوقت الذي يكتمل فيه واقعيا ; ولا ينفصل في صورة نظرية ; بل يظل ممثلا في الصورة الواقعية . .

وكل نمو نظري يسبق النمو الحركي الواقعي ، ولا يتمثل من خلاله ، هو خطأ وخطر كذلك بالقياس إلى طبيعة هذا الدين ، وغايته ، وطريقة تركيبه الذاتي .

والله سبحانه يقول :

وقرآنا فرقناه، لتقرأه على الناس على مكث، ونزلناه تنزيلا . .

فالفرق مقصود . والمكث مقصود كذلك . . ليتم البناء التكويني المؤلف من عقيدة في صورة "منظمة حية " لا في صورة "نظرية معرفية " !

يجب أن يعرف أصحاب هذا الدين جيدا ، أنه كما أن هذا الدين دين رباني ، فإن منهجه في العمل منهج رباني كذلك ، متواف مع طبيعته . وأنه لا يمكن فصل حقيقة هذا الدين عن منهجه في العمل . [ ص: 1014 ] ويجب أن يعرفوا كذلك أن هذا الدين كما أنه جاء ليغير التصور الاعتقادي - ومن ثم يغير الواقع الحيوي - فكذلك هو قد جاء ليغير المنهج الفكري والحركي الذي يبني به التصور الاعتقادي ويغير به الواقع الحيوي . . جاء ليبني عقيدة وهو يبني أمة . . ثم لينشئ منهج تفكير خاصا به بنفس الدرجة التي ينشئ بها تصورا اعتقاديا وواقعا حيويا . ولا انفصال بين منهج تفكيره الخاص وتصوره الاعتقادي وبنائه الحيوي ، فكلها حزمة واحدة .

فإذا عرفنا منهجه في العمل على النحو الذي بيناه ، فلنعرف أن هذا المنهج أصيل ; وليس منهج مرحلة ولا بيئة ولا ظروف خاصة بنشأة الجماعة المسلمة الأولى . إنما هو المنهج الذي لا يقوم بناء هذا الدين إلا به .

إنه لم تكن وظيفة الإسلام أن يغير عقيدة الناس وواقعهم فحسب . ولكن كانت وظيفته أن يغير طريقة تفكيرهم ، وتناولهم للتصور وللواقع . ذلك أنه منهج رباني مخالف في طبيعته كلها لمناهج البشر القاصرة الهزيلة .

ونحن لا نملك أن نصل إلى التصور الرباني والحياة الربانية إلا عن طريق منهج تفكير رباني كذلك . منهج أراد الله أن يقيم منهج الناس في التفكير على أساسه ليصح تصورهم وتكوينهم الحيوي .

ونحن حين نريد من الإسلام أن يجعل من نفسه نظرية للدراسة نخرج عن طبيعة المنهج الرباني للتكوين ; وعن طبيعة المنهج الرباني للتفكير . ونخضع الإسلام لطرائق التفكير البشرية ! كأنما المنهج الرباني أدنى من المناهج البشرية ! وكأنما نريد لنرتقي بمنهج الله في التصور والحركة ليوازي مناهج العبيد ! والأمر من هذه الناحية يكون خطيرا . والهزيمة تكون قاتلة !

إن وظيفة المنهج الرباني أن يعطينا - نحن أصحاب الدعوة الإسلامية - منهجا خاصا للتفكير نبرأ به من رواسب مناهج التفكير الجاهلية السائدة في الأرض ; والتي تضغط على عقولنا وتترسب في ثقافتنا . . فإذا نحن أردنا أن نتناول هذا الدين بمنهج تفكير غريب عن طبيعته من مناهج التفكير الجاهلية الغالبة ، كنا قد أبطلنا وظيفته التي جاء ليؤديها للبشرية ; وحرمنا أنفسنا فرصة الخلاص من ضغط المنهج الجاهلي السائد في عصرنا ، وفرصة الخلاص من رواسبه في عقولنا وتكويننا .

والأمر من هذه الناحية كذلك يكون خطيرا ، والخسارة تكون قاتلة . .

إن منهج التفكير والحركة في بناء الإسلام ، لا يقل قيمة ولا ضرورة عن منهج التصور الاعتقادي والنظام الحيوي ; ولا ينفصل عنه كذلك . . ومهما يخطر لنا أن نقدم ذلك التصور وهذا النظام في صورة تعبيرية ، فيجب ألا يغيب عن بالنا أن هذا لا ينشئ "الإسلام " في الأرض في صورة حركة واقعية ، بل يجب ألا يغيب عن بالنا أنه لن يفيد من تقديمنا الإسلام في هذه الصورة إلا المشتغلون فعلا بحركة إسلامية واقعية . وأن قصارى ما يفيده هؤلاء من تقديم الإسلام لهم في هذه الصورة هو أن يتفاعلوا معها بالقدر الذي وصلوا إليه هم فعلا في أثناء الحركة !

ومرة أخرى أكرر أن التصور الاعتقادي يجب أن يتمثل من فوره في تجمع حركي ; وأن يكون التجمع الحركي في الوقت ذاته تمثيلا صحيحا وترجمة حقيقية للتصور الاعتقادي .

ومرة أخرى أكرر كذلك أن هذا هو المنهج الطبيعي للإسلام الرباني ، وأنه منهج أعلى وأقوم وأشد فاعلية وأكثر انطباقا على الفطرة البشرية من منهج صياغة النظريات كاملة مستقلة وتقديمها في الصورة الذهنية الباردة للناس ، قبل أن يكون هؤلاء الناس مشتغلين بالفعل بحركة واقعية ; وقبل أن يكونوا هم أنفسهم ترجمة تنمو خطوة خطوة لتمثيل ذلك المفهوم النظري . [ ص: 1015 ] وإذا صح هذا في أصل النظرية فهو أصح - بطبيعة الحال - فيما يختص بتقديم أسس النظام الذي يتمثل فيه التصور الإسلامي ، أو تقديم التشريعات المفصلة لهذا النظام .

إن الجاهلية التي حولنا كما أنها تضغط على أعصاب بعض المخلصين من أصحاب الدعوة الإسلامية فتجعلهم يستعجلون خطوات المنهج الإسلامي ، كذلك هي تتعمد أحيانا أن تحرجهم فتسألهم : أين تفصيلات نظامكم الذي تدعون إليه ؟ وماذا أعددتم لتنفيذه من بحوث ومن تفصيلات ومن مشروعات ؟ وهي في هذا تتعمد أن تعجلهم عن منهجهم ، وأن تجعلهم يتجاوزون مرحلة بناء العقيدة ; وأن يحولوا منهجهم الرباني عن طبيعته ، التي تتبلور فيها النظرية من خلال الحركة ، ويتحدد فيها النظام من خلال الممارسة ، وتسن فيها التشريعات في ثنايا مواجهة الحياة الواقعية بمشكلاتها الحقيقية . .

ومن واجب أصحاب الدعوة الإسلامية ألا يستجيبوا للمناورة ! من واجبهم أن يرفضوا إملاء منهج غريب على حركتهم وعلى دينهم ! من واجبهم ألا يستخفهم من لا يوقنون !

ومن واجبهم أن يكشفوا مناورة الإحراج وأن يستعلوا عليها ; وأن يتحركوا بدينهم وفق منهج هذا الدين في الحركة . فهذا من أسرار قوته ، وهذا هو مصدر قوتهم كذلك .

إن المنهج في الإسلام يساوي الحقيقة ; ولا انفصام بينهما . . وكل منهج غريب لا يمكن أن يحقق الإسلام في النهاية . والمناهج الغربية الغريبة يمكن أن تحقق أنظمتها البشرية ; ولكنها لا يمكن أن تحقق نظامنا الرباني . . فالتزام المنهج ضروري كالتزام العقيدة وكالتزام النظام في كل حركة إسلامية . لا في الحركة الإسلامية الأولى كما يظن بعض الناس !

هذه هي كلمتي الأخيرة . . وإنني لأرجو أن أكون بهذا البيان لطبيعة القرآن المكي ، ولطبيعة المنهج الرباني المتمثل فيه ، قد بلغت ; وأن يعرف أصحاب الدعوة الإسلامية طبيعة منهجهم ، ويثقوا به ، ويطمئنوا إليه ويعلموا أن ما عندهم خير ، وأنهم هم الأعلون . . إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم . . صدق الله العظيم . .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث