الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

تفسير قوله تعالى الر كتاب أحكمت آياته ثم فصلت من لدن حكيم خبير

بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب
جزء التالي صفحة
السابق

[ ص: 1849 ]

بسم الله الرحمن الرحيم

الر كتاب أحكمت آياته ثم فصلت من لدن حكيم خبير (1) ألا تعبدوا إلا الله إنني لكم منه نذير وبشير (2) وأن استغفروا ربكم ثم توبوا إليه يمتعكم متاعا حسنا إلى أجل مسمى ويؤت كل ذي فضل فضله وإن تولوا فإني أخاف عليكم عذاب يوم كبير (3) إلى الله مرجعكم وهو على كل شيء قدير (4) ألا إنهم يثنون صدورهم ليستخفوا منه ألا حين يستغشون ثيابهم يعلم ما يسرون وما يعلنون إنه عليم بذات الصدور (5) وما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها ويعلم مستقرها ومستودعها كل في كتاب مبين (6) وهو الذي خلق السماوات والأرض في ستة أيام وكان عرشه على الماء ليبلوكم أيكم أحسن عملا ولئن قلت إنكم مبعوثون من بعد الموت ليقولن الذين كفروا إن هذا إلا سحر مبين (7) ولئن أخرنا عنهم العذاب إلى أمة معدودة ليقولن ما يحبسه ألا يوم يأتيهم ليس مصروفا عنهم وحاق بهم ما كانوا به يستهزئون (8) ولئن أذقنا الإنسان منا رحمة ثم نزعناها منه إنه ليئوس كفور (9) ولئن أذقناه نعماء بعد ضراء مسته ليقولن ذهب السيئات عني إنه لفرح فخور (10) إلا الذين صبروا وعملوا الصالحات أولئك لهم مغفرة وأجر كبير (11) فلعلك تارك بعض ما يوحى إليك وضائق به صدرك أن يقولوا لولا أنزل عليه كنز أو جاء معه ملك إنما أنت نذير والله على كل شيء وكيل (12) أم يقولون افتراه قل فأتوا بعشر سور مثله مفتريات وادعوا [ ص: 1850 ] من استطعتم من دون الله إن كنتم صادقين (13) .فإلم يستجيبوا لكم فاعلموا أنما أنزل بعلم الله وأن لا إله إلا هو فهل أنتم مسلمون (14) من كان يريد الحياة الدنيا وزينتها نوف إليهم أعمالهم فيها وهم فيها لا يبخسون (15) أولئك الذين ليس لهم في الآخرة إلا النار وحبط ما صنعوا فيها وباطل ما كانوا يعملون (16) أفمن كان على بينة من ربه ويتلوه شاهد منه ومن قبله كتاب موسى إماما ورحمة أولئك يؤمنون به ومن يكفر به من الأحزاب فالنار موعده فلا تك في مرية منه إنه الحق من ربك ولكن أكثر الناس لا يؤمنون (17) ومن أظلم ممن افترى على الله كذبا أولئك يعرضون على ربهم ويقول الأشهاد هؤلاء الذين كذبوا على ربهم ألا لعنة الله على الظالمين (18) الذين يصدون عن سبيل الله ويبغونها عوجا وهم بالآخرة هم كافرون (19) أولئك لم يكونوا معجزين في الأرض وما كان لهم من دون الله من أولياء يضاعف لهم العذاب ما كانوا يستطيعون السمع وما كانوا يبصرون (20) أولئك الذين خسروا أنفسهم وضل عنهم ما كانوا يفترون (21) لا جرم أنهم في الآخرة هم الأخسرون (22) إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات وأخبتوا إلى ربهم أولئك أصحاب الجنة هم فيها خالدون (23) مثل الفريقين كالأعمى والأصم والبصير والسميع هل يستويان مثلا أفلا تذكرون (24)

هذا الدرس الأول من السورة يمثل المقدمة - التي يتوسط القصص بينها وبين التعقيب - وهي تتضمن عرض الحقائق الأساسية في العقيدة الإسلامية: توحيد الدينونة لله الواحد بلا منازع، وعبادة الله وحده بلا شريك; والاعتقاد في البعث والقيامة للحساب والجزاء على ما كان من الناس من عمل وكسب في دار العمل والابتلاء.. مع تعريف الناس بربهم الحق; وصفاته المؤثرة في وجودهم وفي وجود الكون من حولهم; وبيان حقيقة الألوهية وحقيقة العبودية، ومقتضاهما في حياة البشرية، وتوكيد الدينونة لله في الآخرة كالدينونة له سبحانه في الحياة الدنيا.

كذلك تتضمن هذه المقدمة بيانا لطبيعة الرسالة وطبيعة الرسول; كما تتضمن تسلية وترويحا للرسول - صلى الله عليه وسلم - في وجه العناد والتكذيب، والتحدي والمكابرة، التي كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يواجهها في تلك الفترة العصيبة في حياة الدعوة بمكة، كما أسلفنا في التعريف بالسورة. مع تحدي [ ص: 1851 ] المشركين بهذا القرآن الذي يكذبون به، أن يأتوا بعشر سور مثله مفتريات - كما يزعمون أن هذا القرآن مفترى - وتثبيت الرسول - صلى الله عليه وسلم - والقلة المؤمنة معه بهذا التحدي من الله وبذلك العجز من المشركين!

ومع هذا التحدي تهديد قاصم للمكذبين بما ينتظرهم في الآخرة من العذاب الذي يستعجلون به ويكذبون. وهم الذين لا يطيقون أن تنزع منهم رحمة الله في الدنيا، ولا يصبرون على ابتلائه فيها وهو أيسر من عذاب الآخرة!

ثم يجسم هذا التهديد في مشهد من مشاهد القيامة; يتمثل فيه موقف المكذبين بهذا القرآن من أحزاب المشركين; ويتبين فيه عجزهم وعجز أوليائهم عن إنقاذهم من العذاب الأليم، المصحوب بالخزي والتشهير والتنديد والتأنيب. وفي الصفحة المقابلة من المشهد.. الذين آمنوا وعملوا الصالحات وما ينتظرهم من الثواب والنعيم والتكريم.. ومشهد مصور للفريقين - على طريقة القرآن الكريم في التعبير بالتصوير - : مثل الفريقين كالأعمى والأصم والبصير والسميع، هل يستويان مثلا؟ أفلا تذكرون؟ ..

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث