الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

مقدمة تفسير سورة يوسف

جزء التالي صفحة
السابق

وتبقى وراء ذلك كله عبرة القصة وقيمتها في مجال الحركة الإسلامية; وإيحاءاتها المتوافية مع حاجات الحركة في بعض مراحلها. ومع حاجاتها الثابتة التي لا تتعلق بمرحلة خاصة منها. إلى جانب الحقائق الكبرى التي تتقرر من خلال سياق القصة، ثم من خلال سياق السورة كلها بعد ذلك. وبخاصة تلك التعقيبات الأخيرة في السورة..

ونكتفي في هذا التقديم للسورة بلمحات سريعة من هذا كله:

لقد أشرنا في مطالع هذا التقديم إلى مناسبة قصة يوسف بجملتها للفترة الحرجة التي كانت تمر بها الحركة الإسلامية في مكة عند نزول السورة، وللشدة التي كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - والقلة المؤمنة معه يتعرضون لها. وذلك بما تحمل القصة من عرض لابتلاءات أخ كريم للنبي الكريم; ثم بما تحمله بعد ذلك من استفزاز من الأرض ثم تمكين .

وهذا الذي سبق أن قررناه يصور لونا من إيحاءات القصة المتوافية مع حاجات الحركة الإسلامية في تلك الفترة; ويقرب معنى "الطبيعة الحركية" لهذا القرآن وهو يزود الدعوة، ويدفع الحركة، ويوجه الجماعة المسلمة توجيها واقعيا إيجابيا محدد الهدف مرسوم الطريق.

كذلك أشرنا في ثنايا تحليل القصة إلى الصورة الواضحة الكاملة الدقيقة الشاملة للإسلام، كما عرضها يوسف عليه السلام. وهي صورة تستحق الوقوف أمامها طويلا..

إنها تقرر ابتداء وحدة العقيدة الإسلامية التي جاء بها الرسل جميعا; واستيفاء مقوماتها الأساسية في كل رسالة; وقيامها على التوحيد الكامل لله سبحانه، وعلى تقرير ربوبيته للبشر وحده، ودينونة البشر له وحده.. كما تقرر تضمن تلك العقيدة الواحدة للإيمان بالدار الآخرة بصورة واضحة. وهذا التقرير يقطع الطريق على مزاعم ما يسمونه "علم الأديان المقارن" من أن البشرية لم تعرف التوحيد ولا الآخرة إلا أخيرا جدا، بعد أن اجتازت عقائد التعدد والتثنية بأشكالها وصورها المختلفة; وأنها ترقت في معرفة العقيدة كما ترقت في معرفة العلوم والصناعات.. هذه المزاعم التي تتجه إلى تقرير أن الأديان من صنع البشر شأنها شأن العلوم والصناعات .

كذلك هي تقرر طبيعة ديانة التوحيد التي جاء بها الرسل جميعا.. إنه ليس توحيد الألوهية فحسب. ولكنه كذلك توحيد الربوبية.. وتقرير أن الحكم لله وحده في أمر الناس كله وأن هذا التقرير ناشئ من أمر الله سبحانه بألا يعبد إلا إياه. والتعبير القرآني الدقيق في هذه القضية يحدد مدلول "العبادة" تحديدا دقيقا.

فهي الحكم من جانب الله والدينونة من جانب البشر.. وهذا وحده هو "الدين القيم" فلا دين إذن لله ما لم تكن دينونة الناس لله وحده، وما لم يكن الحكم لله وحده. ولا عبادة لله إذن إذا دان الناس لغير الله في [ ص: 1964 ] شأن واحد من شؤون الحياة. فتوحيد الألوهية يقتضي توحيد الربوبية. والربوبية تتمثل في أن يكون الحكم لله.. أو أن تكون العبادة لله.. فهما مترادفان أو متلازمان. والعبادة التي يعتبر بها الناس مسلمين أو غير مسلمين هي الدينونة والخضوع والاتباع لحكم الله دون سواه..

وهذا التقرير القرآني بصورته هذه الجازمة ينهي كل جدل في اعتبار الناس في أي زمان وفي أي مكان مسلمين أو غير مسلمين، في الدين القيم أم في غير هذا الدين.. فهذا الاعتبار يعد من المعلوم من الدين بالضرورة.. من دان لغير الله وحكم في أي أمر من أمور حياته غير الله، فليس من المسلمين وليس في هذا الدين، ومن أفرد الله سبحانه بالحاكمية ورفض الدينونة لغيره من خلائقه فهو من المسلمين وفي هذا الدين..

وكل ما وراء ذلك تمحل لا يحاوله إلا المهزومون أمام الواقع الثقيل في بيئة من البيئات وفي قرن من القرون!

ودين الله واضح. وهذا النص وحده كاف في جعل هذا الحكم من المعلوم من الدين بالضرورة. من جادل فيه فقد جادل في هذا الدين!

ومن الإيحاءات الواردة في ثنايا القصة صورة الإيمان المتجرد الخالص الموصول كما تتجلى في قلبي عبدين صالحين من عباد الله المختارين: يعقوب ويوسف :

فأما يوسف فقد أشرنا من قبل إلى موقفه الأخير متجردا من كل شيء، نافضا عنه كل شيء، متجها إلى ربه، مبتهلا إليه في انكسار وفي خشوع يناجيه:

رب قد آتيتني من الملك، وعلمتني من تأويل الأحاديث، فاطر السماوات والأرض، أنت وليي في الدنيا والآخرة، توفني مسلما وألحقني بالصالحين ..

ولكن هذا الموقف الأخير لم يكن هو كل شيء في هذا الجانب; فهو على مدار القصة يقف هذا الموقف، موصولا بربه، يحسه - سبحانه - قريبا منه مستجيبا له:

في موقف الإغراء والفتنة والغواية يهتف:

معاذ الله! إنه ربي أحسن مثواي. إنه لا يفلح الظالمون ..

وفي الموقف الآخر وهو يخشى على نفسه الضعف والميل يهتف كذلك:

رب، السجن أحب إلي مما يدعونني إليه، وإلا تصرف عني كيدهن أصب إليهن وأكن من الجاهلين ..

وفي موقف تعريف نفسه لإخوته، يبين فضل الله عليه ويشكر نعمته ويذكرها:

قالوا: أإنك لأنت يوسف؟ قال: أنا يوسف وهذا أخي قد من الله علينا، إنه من يتق ويصبر فإن الله لا يضيع أجر المحسنين ..

وكلها مواقف تحمل إيحاءات يتجاوز مداها حاجة الحركة الإسلامية في مكة، إلى حاجة الحركة الإسلامية في كل فترة.

وأما يعقوب ففي قلبه تتجلى حقيقة ربه باهرة عميقة لطيفة مأنوسة في كل موقف وفي كل مناسبة; وكلما اشتد البلاء شفت تلك الحقيقة في قلبه ورفت بمقدار ما تعمقت وبرزت..

فمنذ البدء ويوسف يقص عليه رؤياه يذكر ربه ويشكر نعمته:

وكذلك يجتبيك ربك ويعلمك من تأويل الأحاديث، ويتم نعمته عليك وعلى آل يعقوب كما أتمها على أبويك من قبل إبراهيم وإسحاق، إن ربك عليم حكيم ..

[ ص: 1965 ] وفي مواجهة الصدمة الأولى في يوسف يتجه إلى ربه مستعينا به:

قال: بل سولت لكم أنفسكم أمرا، فصبر جميل، والله المستعان على ما تصفون ..

وفي مواجهته لعاطفته الأبوية الخائفة على أبنائه، وهو يوصيهم ألا يدخلوا من باب واحد وأن يدخلوا مصر من أبواب متفرقة، لا ينسى أن هذا التدبير لا يغني عنهم من الله شيئا، وأن الحكم النافذ هو حكم الله وحده وإنما هي حاجة في النفس لا تغني من الله وقدره:

وقال: يا بني لا تدخلوا من باب واحد وادخلوا من أبواب متفرقة، وما أغني عنكم من الله من شيء، إن الحكم إلا لله، عليه توكلت، وعليه فليتوكل المتوكلون ..

وفي مواجهة الصدمة الثانية في كبرته وهرمه وضعفه وحزنه، لم يتسرب اليأس من رحمة ربه لحظة واحدة إلى قلبه:

قال: بل سولت لكم أنفسكم أمرا، فصبر جميل، عسى الله أن يأتيني بهم جميعا إنه هو العليم الحكيم .

ثم يبلغ تجلي الحقيقة في قلب يعقوب درجة البهاء والصفاء، وبنوه يؤنبونه على حزنه على يوسف وبكائه له حتى تبيض عيناه من الحزن; فيواجههم بأنه يجد حقيقة ربه في قلبه كما لا يجدونها، ويعلم من شأن ربه ما لا يعلمون; فمن هنا اتجاهه إليه وحده وشكواه له وبثه ورجاؤه في رحمته وروحه:

وتولى عنهم وقال: يا أسفى على يوسف! وابيضت عيناه من الحزن فهو كظيم. قالوا: تالله تفتأ تذكر يوسف حتى تكون حرضا أو تكون من الهالكين! قال: إنما أشكو بثي وحزني إلى الله، وأعلم من الله ما لا تعلمون.. يا بني اذهبوا فتحسسوا من يوسف وأخيه، ولا تيأسوا من روح الله، إنه لا ييأس من روح الله إلا القوم الكافرون ..

ولقد ذكرهم بما يعلمه من شأن ربه وما يجده من حقيقته في قلبه، وهم يجادلونه في ريح يوسف ، وقد صدق الله فيه ظنه:

ولما فصلت العير قال أبوهم: إني لأجد ريح يوسف، لولا أن تفندون. قالوا: تالله إنك لفي ضلالك القديم. فلما أن جاء البشير ألقاه على وجهه فارتد بصيرا، قال: ألم أقل لكم: إني أعلم من الله ما لا تعلمون؟ .

إنها الصورة الباهرة لتجلي حقيقة الألوهية في قلب من قلوب الصفوة المختارة. وهي تحمل الإيحاء المناسب لفترة الشدة في حياة الجماعة المسلمة في مكة; كما أنها تحمل الإيحاء الدائم بالحقيقة الإيمانية الكبيرة، لكل قلب يعمل في حقل الدعوة والحركة بالإسلام على مدار الزمان أيضا.

وأخيرا نجيء إلى التعقيبات المتنوعة التي جاءت بعد القصة الطويلة إلى نهاية السورة.

إن التعقيب الأول والمباشر يواجه تكذيب قريش بالوحي إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بتقرير مأخوذ من هذا القصص الذي لم يكن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حاضرا وقائعه:

ذلك من أنباء الغيب نوحيه إليك، وما كنت لديهم إذ أجمعوا أمرهم وهم يمكرون ..

وهذا التعقيب يترابط مع التقديم للقصة في الاتجاه ذاته:

نحن نقص عليك أحسن القصص بما أوحينا إليك هذا القرآن، وإن كنت من قبله لمن الغافلين ..

[ ص: 1966 ] والتقديم والتعقيب على هذا النحو يؤلفان مؤثرا موحيا من المؤثرات الكثيرة في سياق السورة، لتقرير الحقيقة التي يعرضانها، وتوكيدها في مواجهة الاعتراض والتكذيب.

ومن ثم يعقب ذلك التسرية عن قلب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وتهوين أمر المكذبين على نفسه. وبيان مدى عنادهم وإصرارهم وعماهم عن الآيات المبثوثة في كتاب الكون، وهي حسب الفطرة السليمة في التنبه إلى دلائل الإيمان، والاستماع إلى الدعوة والبرهان. ثم تهديدهم بعذاب الله الذي قد يفاجئهم وهم غافلون:

وما أكثر الناس ولو حرصت بمؤمنين. وما تسألهم عليه من أجر، إن هو إلا ذكر للعالمين. وكأين من آية في السماوات والأرض يمرون عليها وهم عنها معرضون. وما يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم مشركون. أفأمنوا أن تأتيهم غاشية من عذاب الله أو تأتيهم الساعة بغتة وهم لا يشعرون؟ ..

وهي إيقاعات مؤثرة بقدر ما تحمل من حقائق عميقة عن طبيعة الناس حين لا يدينون بدين الله الصحيح. وبخاصة في قوله تعالى: وما يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم مشركون ..

فهذا هو التصوير العميق لكثير من النفوس التي يختلط فيها الإيمان بالشرك، لأنها لم تحسم في قضية التوحيد.

وهنا يجيء الإيقاع الكبير العميق المؤثر الموحي، بتوجيه الرسول - صلى الله عليه وسلم - إلى تحديد طريقه وتميزها وإفرادها عن كل طريق والمفاصلة على أساسها الواضح الفريد:

قل: هذه سبيلي أدعو إلى الله على بصيرة أنا ومن اتبعني، وسبحان الله، وما أنا من المشركين ..

ثم تختم السورة بإيقاع آخر يحمل عبرة القصص القرآني كله، في هذه السورة وفي سواها. يحملها للنبي - صلى الله عليه وسلم - والقلة المؤمنة معه، ومعها التثبيت والتسرية والبشرى; ويحملها للمشركين المعاندين، ومعها التذكير والعظة والنذير. كما أن فيها للجميع تقريرا لصدق الوحي وصدق الرسول; وتقريرا لحقيقة الوحي وحقيقة الرسالة، مع تخليص هذه الحقيقة من الأوهام والأساطير:

وما أرسلنا من قبلك إلا رجالا نوحي إليهم من أهل القرى. أفلم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم؟ ولدار الآخرة خير للذين اتقوا أفلا تعقلون؟ حتى إذا استيئس الرسل وظنوا أنهم قد كذبوا جاءهم نصرنا، فنجي من نشاء، ولا يرد بأسنا عن القوم المجرمين. لقد كان في قصصهم عبرة لأولي الألباب، ما كان حديثا يفترى، ولكن تصديق الذي بين يديه، وتفصيل كل شيء، وهدى ورحمة لقوم يؤمنون ..

إنه الإيقاع الأخير. والإيقاع الكبير..

وبعد فلعل من المناسب في تقديم السورة التي حوت قصة يوسف ، نموذجا كاملا للأداء الفني الصادق الجميل، أن نلم بشيء من لطائف التناسق في الأداء القرآني في السورة بكاملها وأن نقف عند نماذج من هذه اللطائف تمثل سائرها:

في هذه السورة - كما في السور القرآنية الأخرى - تتكرر تعبيرات معينة، تؤلف جزءا من جو السورة وشخصيتها الخاصة. وهنا يرد ذكر العلم كثيرا، وما يقابله من الجهل وقلة العلم في مواضع شتى:

وكذلك يجتبيك ربك ويعلمك من تأويل الأحاديث، ويتم نعمته عليك وعلى آل يعقوب، كما أتمها [ ص: 1967 ] على أبويك من قبل إبراهيم وإسحاق، إن ربك عليم حكيم

..

وكذلك مكنا ليوسف في الأرض، ولنعلمه من تأويل الأحاديث. والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون .

ولما بلغ أشده آتيناه حكما وعلما. وكذلك نجزي المحسنين ..

فاستجاب له ربه فصرف عنه كيدهن إنه هو السميع العليم ..

قال: لا يأتيكما طعام ترزقانه، إلا نبأتكما بتأويله قبل أن يأتيكما. ذلكما مما علمني ربي ..

إن الحكم إلا لله أمر ألا تعبدوا إلا إياه، ذلك الدين القيم، ولكن أكثر الناس لا يعلمون ..

قالوا: أضغاث أحلام وما نحن بتأويل الأحلام بعالمين ..

يوسف أيها الصديق أفتنا في سبع بقرات سمان يأكلهن سبع عجاف، وسبع سنبلات خضر وأخر يابسات، لعلي أرجع إلى الناس لعلهم يعلمون ..

وقال الملك: ائتوني به، فلما جاءه الرسول قال: ارجع إلى ربك فاسأله: ما بال النسوة اللاتي قطعن أيديهن؟ إن ربي بكيدهن عليم ..

ذلك ليعلم أني لم أخنه بالغيب وأن الله لا يهدي كيد الخائنين ..

قال: اجعلني على خزائن الأرض إني حفيظ عليم ..

... وإنه لذو علم لما علمناه، ولكن أكثر الناس لا يعلمون ..

قالوا: تالله لقد علمتم ما جئنا لنفسد في الأرض وما كنا سارقين ..

قال: أنتم شر مكانا، والله أعلم بما تصفون ..

فلما استيأسوا منه خلصوا نجيا قال كبيرهم: ألم تعلموا أن أباكم قد أخذ عليكم موثقا من الله.. ..

وما شهدنا إلا بما علمنا وما كنا للغيب حافظين ..

عسى الله أن يأتيني بهم جميعا، إنه هو العليم الحكيم ..

قال: إنما أشكو بثي وحزني إلى الله، وأعلم من الله ما لا تعلمون

..

قال: هل علمتم ما فعلتم بيوسف وأخيه إذ أنتم جاهلون؟ ..

قال: ألم أقل لكم: إني أعلم من الله ما لا تعلمون؟ ..

رب قد آتيتني من الملك وعلمتني من تأويل الأحاديث ... .

وهي ظاهرة بارزة تلفت النظر إلى بعض أسرار التناسق ولطائفه في هذا الكتاب الكريم.

وفي السورة تعريف بخصائص الألوهية، وفي مقدمتها "الحكم" وهو يرد مرة على لسان يوسف - عليه السلام - بمعنى الحاكمية في العباد من ناحية دينونتهم وطاعتهم الإرادية، ويأتي مرة على لسان يعقوب - عليه السلام - بمعنى الحاكمية في العباد من ناحية دينونتهم لله في صورتها القهرية القدرية، فيتكامل المعنيان في تقرير مدلول الحكم وحقيقة الألوهية على هذا النحو الذي لا يجيء عفوا ولا مصادفة أبدا:

يقول يوسف في معرض تفنيد ربوبية الحكام في مصر ومخالفتها لوحدانية الألوهية:

يا صاحبي السجن، أأرباب متفرقون خير أم الله الواحد القهار؟ ما تعبدون من دونه إلا أسماء سميتموها [ ص: 1968 ] أنتم وآباؤكم ما أنزل الله بها من سلطان. إن الحكم إلا لله، أمر ألا تعبدوا إلا إياه، ذلك الدين القيم ..

ويقول يعقوب في معرض تقرير أن قدر الله نافذ وأن قضاءه ماض:

يا بني، لا تدخلوا من باب واحد وادخلوا من أبواب متفرقة، وما أغني عنكم من الله من شيء، إن الحكم إلا لله، عليه توكلت، وعليه فليتوكل المتوكلون ..

وهذا التكامل في مدلول الحكم يشير إلى أن الدين لا يستقيم إلا أن تكون الدينونة الإرادية لله في الحكم، كالدينونة القهرية له سبحانه في القدر. فكلاهما من العقيدة; وليست الدينونة في القدر القاهر وحدها هي الداخلة في نطاق الاعتقاد، بل الدينونة الإرادية في الشريعة هي كذلك في نطاق الاعتقاد.

ومن لطائف التناسق أن يذكر يوسف الحصيف الكيس اللطيف المدخل، صفة الله المناسبة.. "اللطيف" . في الموقف الذي يتجلى فيه لطف الله في التصريف:

ورفع أبويه على العرش، وخروا له سجدا. وقال: يا أبت هذا تأويل رؤياي من قبل قد جعلها ربي حقا. وقد أحسن بي إذ أخرجني من السجن، وجاء بكم من البدو من بعد أن نزغ الشيطان بيني وبين إخوتي.. إن ربي لطيف لما يشاء.. إنه هو العليم الحكيم ..

ومن لطائف التناسق ما سبق أن أشرنا إليه من التطابق في السورة بين تقديم القصص، والتعقيب المباشر عليه، والتعقيب الختامي الطويل.. وكل هذه التعقيبات تتجه إلى تقرير قضايا واحدة وتتلاقى عليها بين البدء والختام..

وحسبنا في التعريف بالسورة هذه اللمسات حتى نلتقي بها في السياق.

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث