الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

تفسير قوله تعالى أفمن يعلم أنما أنزل إليك من ربك الحق كمن هو أعمى

جزء التالي صفحة
السابق

[ ص: 2066 ] وتنتهي السورة وقد طوفت بالقلب البشري في أرجاء الكون، وأرجاء النفس، ووقعت عليه إيقاعات مطردة مؤثرة عميقة، وتركته بعد ذلك إلى شهادة الله التي جاء بها المطلع وجاء بها الختام، والتي يحسم بها كل جدل، وينتهي بعدها كل كلام..

وبعد؛ ففي السورة معالم للعقيدة الإسلامية، وللمنهج القرآني في عرض هذه العقيدة، وكان من حق هذه المعالم أن نقف عندها في مواضعها; لولا أننا آثرنا ألا نقطع تدفق السياق القرآني في هذه السورة بتلك الوقفات; وأن نبقيها إلى النهاية لنقف أمامها متمهلين!.

وقد أشرنا في أثناء استعراض السورة في سياقها إلى تلك المعالم إشارات سريعة; فنرجوا أن نقف عندها الآن وقفات أطول بقدر المستطاع

.. والله المستعان.

إن افتتاح السورة، وطبيعة الموضوعات التي تعالجها، وكثيرا من التوجيهات فيها، كل أولئك يدل دلالة واضحة على أن السورة مكية - وليست مدنية كما جاء في بعض الروايات والمصاحف - وأنها نزلت في فترة اشتد فيها الإعراض والتكذيب والتحدي من المشركين; كما كثر فيها طلب الخوارق من الرسول - صلى الله عليه وسلم - واستعجال العذاب الذي ينذرهم به; مما اقتضى حملة ضخمة تستهدف تثبيت الرسول - صلى الله عليه وسلم - ومن معه على الحق الذي أنزل إليه من ربه، في وجه المعارضة والإعراض، والتكذيب والتحدي; والاستعلاء بهذا الحق، والالتجاء إلى الله وحده; وإعلان وحدانيته إلها وربا; والثبات على هذه الحقيقة; والاعتقاد بأنها هي وحدها الحق، مهما كذب بها المشركون، كما تستهدف مواجهة المشركين بدلائل هذا الحق في الكون كله، وفي أنفسهم، وفي التاريخ البشري وأحداثه كذلك; مع حشد جميع هذه المؤثرات ومخاطبة الكينونة البشرية بها خطابا مؤثرا موحيا عميق الإيقاع قوي الدلالة.

وهذه نماذج من التوكيدات على أن هذا الكتاب هو وحده الحق; وأن الإعراض عنه، والتكذيب به، والتحدي، وبطء الاستجابة، ووعورة الطريق، كلها لا تغير شيئا من تلك الحقيقة الكبيرة:

تلك آيات الكتاب، والذي أنزل إليك من ربك الحق، ولكن أكثر الناس لا يؤمنون .

ويستعجلونك بالسيئة قبل الحسنة وقد خلت من قبلهم المثلات، وإن ربك لذو مغفرة للناس على ظلمهم، وإن ربك لشديد العقاب، ويقول الذين كفروا: لولا أنزل عليه آية من ربه! إنما أنت منذر، ولكل قوم هاد .

له دعوة الحق، والذين يدعون من دونه لا يستجيبون لهم بشيء، إلا كباسط كفيه إلى الماء ليبلغ فاه وما هو ببالغه، وما دعاء الكافرين إلا في ضلال .

... كذلك يضرب الله الحق والباطل. فأما الزبد فيذهب جفاء، وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض. كذلك يضرب الله الأمثال ..

[ ص: 2067 ] أفمن يعلم أنما أنزل إليك من ربك الحق كمن هو أعمى؟ إنما يتذكر أولو الألباب ..

ويقول الذين كفروا: لولا أنزل عليه آية من ربه! قل: إن الله يضل من يشاء ويهدي إليه من أناب. الذين آمنوا وتطمئن قلوبهم بذكر الله. ألا بذكر الله تطمئن القلوب ..

كذلك أرسلناك في أمة قد خلت من قبلها أمم لتتلو عليهم الذي أوحينا إليك. وهم يكفرون بالرحمن. قل: هو ربي، لا إله إلا هو، عليه توكلت، وإليه متاب ..

والذين آتيناهم الكتاب يفرحون بما أنزل إليك، ومن الأحزاب من ينكر بعضه. قل: إنما أمرت أن أعبد الله ولا أشرك به، إليه أدعو، وإليه مآب. وكذلك أنزلناه حكما عربيا. ولئن اتبعت أهواءهم بعدما جاءك من العلم ما لك من الله من ولي ولا واق

..

وإن ما نرينك بعض الذي نعدهم أو نتوفينك، فإنما عليك البلاغ وعلينا الحساب ..

ويقول الذين كفروا: لست مرسلا. قل: كفى بالله شهيدا بيني وبينكم ومن عنده علم الكتاب .

وهكذا نلمس في هذه الطائفة من الآيات التي أوردناها طبيعة المواجهة التي كان المشركون يتحدون بها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ويتحدون بها هذا القرآن; ثم دلالة هذا التحدي ودلالة التوجيه الرباني إزاءه على طبيعة الفترة التي نزلت فيها السورة من العهد المكي.

ومن اللمحات البارزة في التوجيه الرباني لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن يجهر - في مواجهة الإعراض والتكذيب والتحدي وبطء الاستجابة ووعورة الطريق - بالحق الذي معه كاملا; وهو أنه: لا إله إلا الله، ولا رب إلا الله، ولا معبود إلا الله، وأن الله هو الواحد القهار، وأن الناس مردودون إليه فإما إلى جنة وإما إلى نار، وهي مجموعة الحقائق التي كان ينكرها المشركون ويتحدونه فيها، وألا يتبع أهواءهم فيصانعها ويترضاها بكتمان شيء من هذا الحق أو تأجيل إعلانه! مع تهديده بما ينتظره من الله لو اتبع أهواءهم في شيء من هذا من بعدما جاءه من العلم!.

وهذه اللمحة البارزة تكشف لأصحاب الدعوة إلى الله عن طبيعة منهج هذه الدعوة التي لا يجوز لهم الاجتهاد فيها!. وهي أن عليهم أن يجهروا بالحقائق الأساسية في هذا الدين، وألا يخفوا منها شيئا، وألا يؤجلوا منها شيئا، وفي مقدمة هذه الحقائق: أنه لا ألوهية ولا ربوبية إلا لله، ومن ثم فلا دينونة ولا طاعة ولا خضوع ولا اتباع إلا لله، فهذه الحقيقة الأساسية يجب أن تعلن أيا كانت المعارضة والتحدي; وأيا كان الإعراض من المكذبين والتولي; وأيا كان وعورة الطريق وأخطارها كذلك.وليس من الحكمة والموعظة الحسنة إخفاء جانب من هذه الحقيقة أو تأجيله، لأن الطواغيت في الأرض يكرهونه أو يؤذون الذين يعلنونه!. أو يعرضون بسببه عن هذا الدين، أو يكيدون له وللدعاة إليه!. فهذا كله لا يجوز أن يجعل الدعاة إلى هذا الدين يكتمون شيئا من حقائقه الأساسية أو يؤجلونه; ولا أن يبدؤوا مثلا من الشعائر والأخلاق والسلوك والتهذيب الروحي، متجنبين غضب طواغيت الأرض لو بدأوا من إعلان وحدانية الألوهية والربوبية، ومن ثم توحيد الدينونة والطاعة والخضوع والاتباع لله وحده!.

إن هذا لهو منهج الحركة بهذه العقيدة كما أراده الله –سبحانه - ومنهج الدعوة إلى الله كما سار بها سيدنا محمد - صلى الله عليه وسلم - بتوجيه من ربه، فليس لداع إلى الله أن يتنكب هذا الطريق; وليس له أن ينهج غير ذلك المنهج، والله - بعد ذلك - متكفل بدينه، وهو حسب الدعاة إلى هذا الدين وكافيهم شر الطواغيت!.

[ ص: 2068 ] والمنهج القرآني في الدعوة يجمع بين الحديث عن كتاب الله المتلو - وهو هذا القرآن - وبين كتاب الكون المفتوح ويجعل الكون بجملته مصدر إيحاء للكينونة البشرية; بما فيه من دلائل شاهدة بسلطان الله وتقديره وتدبيره؛ كما يضم إلى هذين الكتابين سجل التاريخ البشري، وما يحفظه من دلائل ناطقة بالسلطان والتقدير والتدبير أيضا.ويواجه الكينونة البشرية بهذا كله ويأخذ عليها أقطارها جميعا; وهو يخاطب حسها وقلبها وعقلها جميعا!

وهذه السورة تحوي الكثير من النماذج الباهرة في عرض صفحات الكتاب الكوني - عقب الكتاب القرآني - في مواجهة الكينونة البشرية بجملتها، وهذه بعض هذه النماذج:

المر. تلك آيات الكتاب. والذي أنزل إليك من ربك الحق، ولكن أكثر الناس لا يؤمنون.

الله الذي رفع السماوات بغير عمد ترونها ثم استوى على العرش وسخر الشمس والقمر كل يجري لأجل مسمى، يدبر الأمر، يفصل الآيات، لعلكم بلقاء ربكم توقنون. وهو الذي مد الأرض، وجعل فيها رواسي وأنهارا، ومن كل الثمرات جعل فيها زوجين اثنين، يغشي الليل النهار، إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون. وفي الأرض قطع متجاورات، وجنات من أعناب، وزرع، ونخيل - صنوان وغير صنوان - يسقى بماء واحد، ونفضل بعضها على بعض في الأكل، إن في ذلك لآيات لقوم يعقلون ..

يحشد السياق هذه المشاهد الكونية، ليحيل الكون كله شاهدا ناطقا بسلطان الله - سبحانه - في الخلق والإنشاء، والتقدير والتدبير، ثم يعجب من أمر قوم يرون هذه الشواهد كلها، ثم يستكثرون قضية البعث والنشأة الأخرى، ويكذبون بالوحي من أجل أنه يقرر هذه الحقيقة القريبة، القريبة في ظل تلك المشاهد العجيبة.

وإن تعجب فعجب قولهم: أإذا كنا ترابا أإنا لفي خلق جديد؟ أولئك الذين كفروا بربهم، وأولئك الأغلال في أعناقهم، وأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون ..

هو الذي يريكم البرق خوفا وطمعا، وينشئ السحاب الثقال. ويسبح الرعد بحمده والملائكة من خيفته، ويرسل الصواعق فيصيب بها من يشاء ... ..

يعرض هذه الصفحة من الوجود الكوني ليعجب من أمر قوم يجادلون في الله ويشركون به، وهم يشاهدون آثار ربوبيته وقدرته وسلطانه، ودينونة الكون له، وتصريفه وتدبيره لأمر العباد فيه; وعجز كل من عداه - سبحانه - عن الخلق والتدبير والتقدير:

وهم يجادلون في الله، وهو شديد المحال. له دعوة الحق، والذين يدعون من دونه لا يستجيبون لهم بشيء إلا كباسط كفيه إلى الماء ليبلغ فاه - وما هو ببالغه - وما دعاء الكافرين إلا في ضلال. ولله يسجد من في السماوات والأرض طوعا وكرها، وظلالهم بالغدو والآصال.. قل: من رب السماوات والأرض؟ قل: الله. قل: أفاتخذتم من دونه أولياء لا يملكون لأنفسهم نفعا ولا ضرا؟ قل: هل يستوي الأعمى والبصير؟ أم هل تستوي الظلمات والنور؟ أم جعلوا لله شركاء خلقوا كخلقه فتشابه الخلق عليهم؟ قل: الله خالق كل شيء، وهو الواحد القهار .

وهكذا يستحيل الكون معرضا باهرا لدلائل القدرة وموحيات الإيمان، يخاطب الفطرة بالمنطق الشامل العميق; ويخاطب الكينونة البشرية جملة، بكل ما فيها من قوى الإدراك الباطنة والظاهرة، في تناسق عجيب.

ثم يضيف إلى صفحات الكتاب الكوني، صفحات التاريخ الإنساني; ويعرض آثار القدرة والسلطان [ ص: 2069 ] والهيمنة والقهر والتقدير والتدبير في حياة الإنسان:

ويستعجلونك بالسيئة قبل الحسنة وقد خلت من قبلهم المثلات! .

الله يعلم ما تحمل كل أنثى، وما تغيض الأرحام وما تزداد، وكل شيء عنده بمقدار. عالم الغيب والشهادة الكبير المتعال. سواء منكم من أسر القول ومن جهر به، ومن هو مستخف بالليل وسارب بالنهار له معقبات من بين يديه ومن خلفه - يحفظونه - من أمر الله، إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم، وإذا أراد الله بقوم سوءا فلا مرد له، وما لهم من دونه من وال ..

الله يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر، وفرحوا بالحياة الدنيا، وما الحياة الدنيا في الآخرة إلا متاع ..

ولا يزال الذين كفروا تصيبهم بما صنعوا قارعة أو تحل قريبا من دارهم حتى يأتي وعد الله، إن الله لا يخلف الميعاد. ولقد استهزئ برسل من قبلك، فأمليت للذين كفروا، ثم أخذتهم، فكيف كان عقاب؟ .

أولم يروا أنا نأتي الأرض ننقصها من أطرافها؟ والله يحكم لا معقب لحكمه، وهو سريع الحساب .

وقد مكر الذين من قبلهم، فلله المكر جميعا، يعلم ما تكسب كل نفس، وسيعلم الكفار لمن عقبى الدار! .

وهكذا يحشد المنهج القرآني هذه الشواهد والدلائل في التاريخ البشري; ويحيلها إلى مؤثرات وموحيات، تخاطب الكينونة البشرية بجملتها في تناسق واتساق.

ونقف من هذا الحشد على معلم من معالم هذا المنهج في الدعوة إلى الله - على بصيرة - دعوة تخاطب الكينونة البشرية بجملتها، ولا تخاطب فيها جانبا واحدا من قواها المدركة، جانب الفكر والذهن، أو جانب الإلهام والبصيرة، أو جانب الحس والشعور..

وهذا القرآن ينبغي أن يكون هو كتاب هذه الدعوة، الذي يعتمد عليه الدعاة إلى الله، قبل الاتجاه إلى أي مصدر سواه.والذي ينبغي لهم بعد ذلك أن يتعلموا منه كيف يدعون الناس، وكيف يوقظون القلوب الغافية، وكيف يحيون الأرواح الخامدة.

إن الذي أوحى بهذا القرآن هو الله، خالق هذا الإنسان، العليم بطبيعة تكوينه، الخبير بدروب نفسه ومنحنياتها، وكما أن الدعاة إلى الله يجب أن يتبعوا منهج الله في البدء بتقرير ألوهية الله –سبحانه - وربوبيته وحاكميته وسلطانه; فإنهم كذلك يجب أن يسلكوا إلى القلوب طريق هذا القرآن في تعريف الناس بربهم الحق - على ذلك النحو - كيما تنتهي هذه القلوب إلى الدينونة لله وحده، والاعتراف بربوبيته المتفردة وسلطانه.

ولتعريف الناس بربهم الحق، ونفي كل شبهة شرك، يعنى المنهج القرآني ببيان طبيعة الرسالة، وطبيعة الرسول، ذلك أن انحرافات كثيرة في التصور الاعتقادي جاءت لأهل الكتاب من قبل، من جراء الخلط بين طبيعة الألوهية وطبيعة النبوة - وبخاصة في العقائد النصرانية - حيث خلعت على عيسى - عليه السلام - خصائص الألوهية وخصائص الربوبية; ودخل أتباع شتى الكنائس في متاهة من الخلافات العقيدية المذهبية بسبب ذلك الخلط المنافي للحقيقة.

ولم تكن عقائد النصارى وحدهم هي التي دخلت في تلك المتاهة; فقد خبطت شتى الوثنيات في ذلك التيه; وتصورت للنبوة صفات غامضة; بعضها يصل بين النبوة والسحر! وبعضها يصل بين النبوة والتنبؤات الكشفية! وبعضها يصل بين النبوة والجن والأرواح الخفية!.

[ ص: 2070 ] وكثير من هذه التصورات كان يخالج الوثنية العربية، من أجل هذا كان بعضهم يطلب من الرسول - صلى الله عليه وسلم - أن ينبئهم بالغيب! وبعضهم كان يقترح أن يصنع لهم خوارق مادية معينة! كما أنهم كانوا يرمونه - صلى الله عليه وسلم - بأنه ساحر، وبأنه "مجنون" –أي: على صلة بالجن! - وبعضهم كان يطلب أن يكون معه ملك.. إلى آخر هذه المقترحات والتحديات والاتهامات التي كانت متلبسة بالتصورات الوثنية عن طبيعة النبي وطبيعة النبوة!.

ولقد جاء هذا القرآن ليجلي الحقيقة كاملة عن طبيعة النبوة وطبيعة النبي; وعن طبيعة الرسالة وطبيعة الرسول; وعن حقيقة الألوهية المتمثلة في الله وحده - سبحانه - وحقيقة العبودية التي تشمل كل ما خلق الله وكل من خلق; ومنهم أنبياء الله ورسله; فهم عباد صالحون; وليسوا خلقا آخر غير البشر; وليس لهم من خصائص الألوهية شيء; وليسوا على اتصال بعوالم الجن والخفاء المسحور! إنما هو الوحي من الله –سبحانه - وليس لهم وراءه شيء من القدرة على الخوارق - إلا بإذن الله حين يشاء - فهم بشر من البشر، وقع عليهم الاختيار، وبقيت لهم بشريتهم وعبوديتهم لله - سبحانه - كبقية خلق الله.

وفي هذه السورة نماذج من تجلية طبيعة النبوة والرسالة; وحدود النبي والرسول; وتخليص العقول والأفكار من رواسب الوثنيات كلها; وتحريرها من تلك الأساطير التي أفسدت عقائد أهل الكتاب من قبل; وردتها إلى الوثنية بأوهامها وأساطيرها!.

وقد كانت تلك التجلية تواجه تحديات المشركين الواقعية; ولم تكن جدلا ذهنيا، ولا بحثا فلسفيا "ميتافيزيقيا". كانت "حركة" تواجه "الواقع" وتجاهده مجاهدة واقعية:

ويقول الذين كفروا: لولا أنزل عليه آية من ربه! إنما أنت منذر، ولكل قوم هاد ..

ويقول الذين كفروا: لولا أنزل عليه آية من ربه! قل: إن الله يضل من يشاء ويهدي إليه من أناب ..

كذلك أرسلناك في أمة قد خلت من قبلها أمم لتتلو عليهم الذي أوحينا إليك، وهم يكفرون بالرحمن، قل: هو ربي، لا إله إلا هو، عليه توكلت، وإليه متاب ..

ولقد أرسلنا رسلا من قبلك، وجعلنا لهم أزواجا وذرية، وما كان لرسول أن يأتي بآية إلا بإذن الله، لكل أجل كتاب ..

وإن ما نرينك بعض الذي نعدهم أو نتوفينك، فإنما عليك البلاغ وعلينا الحساب ..

وهكذا تتجلى طبيعة الرسالة وحدود الرسول، إنما هو منذر، ليس عليه إلا البلاغ وليس له إلا أن يتلو ما أوحي إليه، وما كان له أن يأتي بخارقة إلا بإذن لله، ثم هو عبد لله، الله ربه وإليه متابه ومآبه; وهو بشر من البشر يتزوج وينسل; ويزاول بشريته كاملة بكل مقتضيات البشرية; كما يزاول عبوديته لله كاملة بكل مقتضيات العبودية.

وبهذه النصاعة الكاملة في العقيدة الإسلامية تنتهي تلك الأوهام والأساطير المهومة في الفضاء والظلام، حول طبيعة النبوة وطبيعة النبي، وتخلص العقيدة من تلك التصورات المحيرة التي حفلت بها العقائد الكنسية كما حفلت بها شتى العقائد الوثنية; والتي قضت على "المسيحية" منذ القرن الأول لها أن تكون إحدى العقائد الوثنية في طبيعتها وحقيقتها، بعدما كانت عقيدة سماوية على يد المسيح - عليه السلام - تجعل المسيح عبد الله; لا يأتي بآية إلا بإذن الله.

[ ص: 2071 ] ولا ننتهي من هذه الوقفة قبل أن نلم بتلك اللفته البارزة في قوله تعالى:

وإن ما نرينك بعض الذي نعدهم أو نتوفينك فإنما عليك البلاغ وعلينا الحساب ..

إن هذا القول إنما يقال للنبي - صلى الله عليه وسلم - الرسول الذي أوحي إليه من ربه، وكلف مخاطبة الناس بهذه العقيدة، وخلاصة هذا القول: أن أمر هذا الدين ليس إليه هو، ومآل هذه الدعوة ليس من اختصاصه! إنما عليه البلاغ وليس عليه هداية الناس؛ فالله وحده هو الذي يملك الهداية، وسواء حقق الله بعض وعده له من مصير القوم أو أدركه الأجل قبل تحقيق وعد الله، فهذا أو ذاك لا يغير من طبيعة مهمته: البلاغ، وحسابهم بعد ذلك على الله، وليس بعد هذا تجريد لطبيعة الداعية وتحديد لمهمته. فواجبه محدد، والأمر كله في هذه الدعوة وفي كل شيء آخر لله.

بذلك يتعلم الدعاة إلى الله أن يتأدبوا في حق الله! إنه ليس لهم أن يستعجلوا النتائج والمصائر، ليس لهم أن يستعجلوا هداية الناس، ولا أن يستعجلوا وعد الله ووعيده للمهتدين وللمكذبين، ليس لهم أن يقولوا: لقد دعونا كثيرا فلم يستجب لنا إلا القليل; أو لقد صبرنا طويلا فلم يأخذ الله الظالمين بظلمهم ونحن أحياء!.إن عليهم إلا البلاغ، أما حساب الناس في الدنيا أو في الآخرة فهذا ليس من شأن العبيد، إنما هو من شأن الله! فينبغي - تأدبا في حق الله واعترافا بالعبودية له - أن يترك له –سبحانه - يفعل فيه ما يشاء ويختار.

والسورة مكية من أجل ذلك تحدد فيها وظيفة الرسول - صلى الله عليه وسلم - "بالبلاغ".ذلك أن "الجهاد" لم يكن بعد قد كتب، فأما بعد ذلك فقد أمر بالجهاد - بعد البلاغ - وهذا ما تنبغي ملاحظته في الطبيعة الحركية لهذا الدين؛ فالنصوص فيه نصوص حركية; مواكبة لحركة الدعوة وواقعها; وموجهة كذلك لحركة الدعوة وواقعها، وهذا ما تغفل عنه كثرة "الباحثين" في هذا الدين في هذا الزمان.وهم يزاولون "البحث" ولا يزاولون "الحركة" فلا يدركون - من ثم - مواقع النصوص القرآنية، وارتباطها بالواقع الحركي لهذا الدين!.

وكثيرون يقرءون مثل هذا النص: فإنما عليك البلاغ وعلينا الحساب ثم يأخذون منه أن مهمة الدعاة إلى الله تنتهي عند البلاغ، فإذا قاموا "بالتبليغ" فقد أدوا ما عليهم!. أما "الجهاد"!. فلا أدري - والله - أين مكانه في تصور هؤلاء!.

كما أن كثيرين يقرءون مثل هذا النص، فلا يلغون به الجهاد، ولكن يقيدونه!.. دون أن يفطنوا إلى أن هذا نص مكي نزل قبل فرض الجهاد، ودون أن يدركوا طبيعة ارتباط النصوص القرآنية بحركة الدعوة الإسلامية، ذلك أنهم هم لا يزاولون الحركة بهذا الدين; إنما هم يقرأونه في الأوراق وهم قاعدون! وهذا الدين لا يفقهه القاعدون، فما هو بدين القاعدين!.

على أن "البلاغ" يظل هو قاعدة عمل الرسول، وقاعدة عمل الدعاة بعده إلى هذا الدين، وهذا البلاغ هو أول مراتب الجهاد، فإنه متى صح، واتجه إلى تبليغ الحقائق الأساسية في هذا الدين قبل الحقائق الفرعية، أي: متى اتجه إلى تقرير الألوهية والربوبية والحاكمية لله وحده منذ الخطوة الأولى; واتجه إلى تعبيد الناس لله وحده، وقصر دينونتهم عليه وخلع الدينونة لغيره؛ فإن الجاهلية لا بد أن تواجه الدعاة إلى الله، المبلغين التبليغ الصحيح، بالإعراض والتحدي، ثم بالإيذاء والمكافحة، ومن ثم تجيء مرحلة الجهاد في حينها [ ص: 2072 ] نتاجا طبيعيا للتبليغ الصحيح لا محالة: وكذلك جعلنا لكل نبي عدوا من المجرمين، وكفى بربك هاديا ونصيرا ..

هذا هو الطريق، وليس هنالك غيره من طريق!.

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث