الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

تفسير قوله تعالى كهيعص ذكر رحمت ربك عبده زكريا

بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب
جزء التالي صفحة
السابق

[ ص: 2298 ] (19) سورة مريم مكية

وآياتها ثمان وتسعون

بسم الله الرحمن الرحيم

كهيعص (1) ذكر رحمت ربك عبده زكريا (2) إذ نادى ربه نداء خفيا (3) قال رب إني وهن العظم مني واشتعل الرأس شيبا ولم أكن بدعائك رب شقيا (4) وإني خفت الموالي من ورائي وكانت امرأتي عاقرا فهب لي من لدنك وليا (5) يرثني ويرث من آل يعقوب واجعله رب رضيا (6) يا زكريا إنا نبشرك بغلام اسمه يحيى لم نجعل له من قبل سميا (7) قال رب أنى يكون لي غلام وكانت امرأتي عاقرا وقد بلغت من الكبر عتيا (8) قال كذلك قال ربك هو علي هين وقد خلقتك من قبل ولم تك شيئا (9) قال رب اجعل لي آية قال آيتك ألا تكلم الناس ثلاث ليال سويا (10) فخرج على قومه من المحراب فأوحى إليهم أن سبحوا بكرة وعشيا (11) يا يحيى خذ الكتاب بقوة وآتيناه الحكم صبيا (12) وحنانا من لدنا وزكاة وكان تقيا (13) وبرا بوالديه ولم يكن جبارا عصيا (14) وسلام عليه يوم ولد ويوم يموت ويوم يبعث حيا (15) واذكر في الكتاب مريم إذ انتبذت من أهلها مكانا شرقيا (16) فاتخذت من دونهم حجابا فأرسلنا إليها روحنا فتمثل لها بشرا سويا (17) قالت إني أعوذ بالرحمن منك إن كنت تقيا (18) قال إنما أنا رسول ربك لأهب لك غلاما زكيا (19) قالت أنى يكون لي غلام ولم يمسسني بشر ولم أك بغيا (20) قال [ ص: 2299 ] كذلك قال ربك هو علي هين ولنجعله آية للناس ورحمة منا وكان أمرا مقضيا (21) فحملته فانتبذت به مكانا قصيا (22) فأجاءها المخاض إلى جذع النخلة قالت يا ليتني مت .قبل هذا وكنت نسيا منسيا (23) فناداها من تحتها ألا تحزني قد جعل ربك تحتك سريا (24) وهزي إليك بجذع النخلة تساقط عليك رطبا جنيا (25) فكلي واشربي وقري عينا فإما ترين من البشر أحدا فقولي إني نذرت للرحمن صوما فلن أكلم اليوم إنسيا (26) فأتت به قومها تحمله قالوا يا مريم لقد جئت شيئا فريا (27) يا أخت هارون ما كان أبوك امرأ سوء وما كانت أمك بغيا (28) فأشارت إليه قالوا كيف نكلم من كان في المهد صبيا (29) قال إني عبد الله آتاني الكتاب وجعلني نبيا (30) وجعلني مباركا أين ما كنت وأوصاني بالصلاة والزكاة ما دمت حيا (31) وبرا بوالدتي ولم يجعلني جبارا شقيا (32) والسلام علي يوم ولدت ويوم أموت ويوم أبعث حيا (33) ذلك عيسى ابن مريم قول الحق الذي فيه يمترون (34) ما كان لله أن يتخذ من ولد سبحانه إذا قضى أمرا فإنما يقول له كن فيكون (35) وإن الله ربي وربكم فاعبدوه هذا صراط مستقيم (36) فاختلف الأحزاب من بينهم فويل للذين كفروا من مشهد يوم عظيم (37) أسمع بهم وأبصر يوم يأتوننا لكن الظالمون اليوم في ضلال مبين (38) وأنذرهم يوم الحسرة إذ قضي الأمر وهم في غفلة وهم لا يؤمنون (39) إنا نحن نرث الأرض ومن عليها وإلينا يرجعون (40)

يدور سياق هذه السورة على محور التوحيد; ونفي الولد والشريك; ويلم بقضية البعث القائمة على قضية التوحيد، هذا هو الموضوع الأساسي الذي تعالجه السورة، كالشأن في السور المكية غالبا.

والقصص هو مادة هذه السورة، فهي تبدأ بقصة زكريا ويحيى ، فقصة مريم ومولد عيسى ، فطرف من قصة إبراهيم مع أبيه، ثم تعقبها إشارات إلى النبيين: إسحاق ويعقوب، وموسى وهارون ، وإسماعيل ، وإدريس ، وآدم ونوح . ويستغرق هذا القصص حوالي ثلثي السورة، ويستهدف إثبات الوحدانية والبعث، ونفي الولد والشريك، وبيان منهج المهتدين ومنهج الضالين من أتباع النبيين.

ومن ثم بعض مشاهد القيامة، وبعض الجدل مع المنكرين للبعث.

[ ص: 2300 ] واستنكار للشرك ودعوى الولد; وعرض لمصارع المشركين والمكذبين في الدنيا وفي الآخرة، وكله يتناسق مع اتجاه القصص في السورة ويتجمع حول محورها الأصيل.

وللسورة كلها جو خاص يظللها ويشيع فيها، ويتمشى في موضوعاتها.

إن سياق هذه السورة معرض للانفعالات والمشاعر القوية، الانفعالات في النفس البشرية، وفي "نفس" الكون من حولها، فهذا الكون الذي نتصوره جمادا لا حس له يعرض في السياق ذا نفسا وحسا ومشاعر وانفعالات، تشارك في رسم الجو العام للسورة؛ حيث نرى السماوات والأرض والجبال تغضب وتنفعل حتى لتكاد تنفطر وتنشق وتنهد استنكارا:

أن دعوا للرحمن ولدا وما ينبغي للرحمن أن يتخذ ولدا .

أما الانفعالات في النفس البشرية فتبدأ مع مفتتح السورة وتنتهي مع ختامها، والقصص الرئيسي فيها حافل بهذه الانفعالات في مواقفه العنيفة العميقة. وبخاصة في قصة مريم وميلاد عيسى .

والظل الغالب في الجو هو ظل الرحمة والرضى والاتصال، فهي تبدأ بذكر رحمة الله لعبده زكريا ذكر رحمت ربك عبده زكريا وهو يناجي ربه نجاء: إذ نادى ربه نداء خفيا . ويتكرر لفظ الرحمة ومعناها وظلها في ثنايا السورة كثيرا، ويكثر فيها اسم " الرحمن " .ويصور النعيم الذي يلقاه المؤمنون به في صورة ود: إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات سيجعل لهم الرحمن ودا ويذكر من نعمة الله على يحيى أن آتاه الله حنانا وحنانا من لدنا وزكاة وكان تقيا . ومن نعمة الله على عيسى أن جعله برا بوالدته وديعا لطيفا: وبرا بوالدتي ولم يجعلني جبارا شقيا .

وإنك لتحس لمسات الرحمة الندية ودبيبها اللطيف في الكلمات والعبارات والظلال، كما تحس انتفاضات الكون وارتجافاته لوقع كلمة الشرك التي لا تطيقها فطرته، كذلك تحس أن للسورة إيقاعا موسيقيا خاصا، فحتى جرس ألفاظها وفواصلها فيه رخاء وفيه عمق: رضيا، سريا، حفيا، نجيا. فأما المواضع التي تقتضي الشد والعنف، فتجيء فيها الفاصلة مشددة دالا في الغالب: "مدا. ضدا. إدا، هدا، أو زايا: عزا. أزا.

وتنوع الإيقاع الموسيقي والفاصلة والقافية بتنوع الجو والموضوع يبدو جليا في هذه السورة.فهي تبدأ بقصة زكريا ويحيى فتسير الفاصلة والقافية هكذا:

ذكر رحمت ربك عبده زكريا . إذ نادى ربه نداء خفيا ... إلخ .

وتليها قصة مريم وعيسى فتسير الفاصلة والقافية على النظام نفسه:

واذكر في الكتاب مريم إذ انتبذت من أهلها مكانا شرقيا. فاتخذت من دونهم حجابا فأرسلنا إليها روحنا فتمثل لها بشرا سويا ... إلخ

إلى أن ينتهي القصص، ويجيء التعقيب، لتقرير حقيقة عيسى ابن مريم ، وللفصل في قضية بنوته، فيختلف نظام الفواصل والقوافي، تطول الفاصلة، وتنتهي القافية بحرف الميم أو النون المستقر الساكن عند الوقف لا بالياء الممدودة الرخية. على النحو التالي:

ذلك عيسى ابن مريم قول الحق الذي فيه يمترون. ما كان لله أن يتخذ من ولد سبحانه إذا قضى أمرا فإنما يقول له: كن فيكون ... إلخ .

[ ص: 2301 ] حتى إذا انتهى التقرير والفصل وعاد السياق إلى القصص عادت القافية الرخية المديدة:

واذكر في الكتاب إبراهيم إنه كان صديقا نبيا. إذ قال لأبيه: يا أبت لم تعبد ما لا يسمع ولا يبصر ولا يغني عنك شيئا.. إلخ .

حتى إذا جاء ذكر المكذبين وما ينتظرهم من عذاب وانتقام، تغير الإيقاع الموسيقي وجرس القافية:

قل: من كان في الضلالة فليمدد له الرحمن مدا. حتى إذا رأوا ما يوعدون إما العذاب وإما الساعة فسيعلمون من هو شر مكانا وأضعف جندا.. إلخ .

وفي موضع الاستنكار يشتد الجرس والنغم بتشديد الدال:

وقالوا: اتخذ الرحمن ولدا. لقد جئتم شيئا إدا، تكاد السماوات يتفطرن منه وتنشق الأرض وتخر الجبال هدا ... إلخ .

وهكذا يسير الإيقاع الموسيقي في السورة وفق المعنى والجو; ويشارك في إبقاء الظل الذي يتناسق مع المعنى في ثنايا السورة، وفق انتقالات السياق من جو إلى جو ومن معنى إلى معنى.

ويسير السياق مع موضوعات السورة في أشواط ثلاثة:

الشوط الأول: يتضمن قصة زكريا ويحيى ، وقصة مريم وعيسى ، والتعقيب على هذه القصة بالفصل في قضية عيسى التي كثر فيها الجدل، واختلفت فيها أحزاب اليهود والنصارى .

والشوط الثاني يتضمن حلقة من قصة إبراهيم مع أبيه وقومه واعتزاله لملة الشرك وما عوضه الله من ذرية نسلت بعد ذلك أمة.ثم إشارات إلى قصص النبيين، ومن اهتدى بهم ومن خلفهم من الغواة; ومصير هؤلاء وهؤلاء، وينتهي بإعلان الربوبية الواحدة، التي تعبد بلا شريك: رب السماوات والأرض وما بينهما فاعبده واصطبر لعبادته. هل تعلم له سميا؟ .

والشوط الثالث والأخير يبدأ بالجدل حول قضية البعث، ويستعرض بعض مشاهد القيامة، ويعرض صورة من استنكار الكون كله لدعوى الشرك، وينتهي بمشهد مؤثر عميق من مصارع القرون!. وكم أهلكنا قبلهم من قرن. هل تحس منهم من أحد أو تسمع لهم ركزا فنأخذ في الدرس الأول:

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث