الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

تفسير قوله تعالى قل إني أمرت أن أعبد الله مخلصا له الدين

جزء التالي صفحة
السابق

قل إني أمرت أن أعبد الله مخلصا له الدين (11) وأمرت لأن أكون أول المسلمين (12) قل إني أخاف إن عصيت ربي عذاب يوم عظيم (13) قل الله أعبد مخلصا له ديني (14) فاعبدوا ما شئتم من دونه قل إن الخاسرين الذين خسروا أنفسهم وأهليهم يوم القيامة ألا ذلك هو الخسران المبين (15) لهم من فوقهم ظلل من النار ومن تحتهم ظلل ذلك يخوف الله به عباده يا عباد فاتقون (16) والذين اجتنبوا الطاغوت أن [ ص: 3044 ] يعبدوها وأنابوا إلى الله لهم البشرى فبشر عباد (17) الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه أولئك الذين هداهم الله وأولئك هم أولو الألباب (18) أفمن حق عليه كلمة العذاب أفأنت تنقذ من في النار (19) لكن الذين اتقوا ربهم لهم غرف من فوقها غرف مبنية تجري من تحتها الأنهار وعد الله لا يخلف الله الميعاد (20)

هذا المقطع كله يظلله جو الآخرة، وظل الخوف من عذابها، والرجاء في ثوابها. ويبدأ بتوجيه الرسول - صلى الله عليه وسلم - إلى إعلان كلمة التوحيد الخالصة; وإعلان خوفه - وهو النبي المرسل - من عاقبة الانحراف عنها، وإعلان تصميمه على منهجه وطريقه، وتركهم هم إلى منهجهم وطريقهم. وبيان عاقبة هذا الطريق وذاك، يوم يكون الحساب.

قل: إني أمرت أن أعبد الله مخلصا له الدين وأمرت لأن أكون أول المسلمين. قل: إني أخاف إن عصيت ربي عذاب يوم عظيم ..

وهذا الإعلان من النبي - صلى الله عليه وسلم - بأنه مأمور أن يعبد الله وحده، ويخلص له الدين وحده; وأن يكون بهذا أول المسلمين; وأنه يخاف عذاب يوم عظيم إن هو عصى ربه.. هذا الإعلان ذوقيمة كبرى في تجريد عقيدة التوحيد كما جاء بها الإسلام. فالنبي - صلى الله عليه وسلم - في هذا المقام هو عبد لله. هذا مقامه لا يتعداه. وفي مقام العبادة يقف العبيد كلهم صفا، وترتفع ذات الله سبحانه متفردة فوق جميع العباد.. وهذا هو المراد.

وعند ذلك يقر معنى الألوهية، ومعنى العبودية، ويتميزان، فلا يختلطان ولا يشتبهان، وتتجرد صفة الوحدانية لله سبحانه بلا شريك ولا شبيه. وحين يقف محمد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في مقام العبودية لله وحده يعلن هذا الإعلان، ويخاف هذا الخوف من العصيان، فليس هنالك مجال لدعوى شفاعة الأصنام أو الملائكة بعبادتهم من دون الله أو مع الله بحال من الأحوال.

ومرة أخرى يكرر الإعلان مع الإصرار على الطريق، وترك المشركين لطريقهم ونهايته الأليمة:

قل: الله أعبد مخلصا له ديني فاعبدوا ما شئتم من دونه. قل: إن الخاسرين الذين خسروا أنفسهم وأهليهم يوم القيامة. ألا ذلك هو الخسران المبين ..

مرة أخرى يعلن: إنني ماض في طريقي. أخص الله بالعبادة، وأخلص له الدينونة. فأما أنتم فامضوا في الطريق التي تريدون; واعبدوا ما شئتم من دونه. ولكن هنالك الخسران الذي ما بعده خسران. خسران النفس التي تنتهي إلى جهنم. وخسران الأهل سواء كانوا مؤمنين أم كافرين. فإن كانوا مؤمنين فقد خسرهم المشركون لأن هؤلاء إلى طريق وهؤلاء إلى طريق. وإن كانوا مشركين مثلهم فكلهم خسر نفسه بالجحيم.. ألا ذلك هو الخسران المبين ..

[ ص: 3045 ] ثم يعرض مشهد الخسران المبين:

لهم من فوقهم ظلل من النار ومن تحتهم ظلل. ذلك يخوف الله به عباده. يا عباد فاتقون ..

وهو مشهد رعيب حقا. مشهد النار في هيئة ظلل من فوقهم وظلل من تحتهم، وهم في طيات هذه الظلل المعتمة تلفهم وتحتوي عليهم. وهي من النار!

إنه مشهد رعيب. يعرضه الله لعباده وهم بعد في الأرض يملكون أن ينأوا بأنفسهم عن طريقه. ويخوفهم مغبته لعلهم يجتنبونه:

ذلك يخوف الله به عباده ..

ويناديهم ليحذروا ويتقوا ويسلموا:

يا عباد فاتقون .

وعلى الضفة الأخرى يقف الناجون، الذين خافوا هذا المصير المشئوم:

والذين اجتنبوا الطاغوت أن يعبدوها وأنابوا إلى الله لهم البشرى. فبشر عباد الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه، أولئك الذين هداهم الله. وأولئك هم أولو الألباب ..

والطاغوت صياغة من الطغيان; نحو ملكوت وعظموت ورحموت. تفيد المبالغة والضخامة. والطاغوت كل ما طغا وتجاوز الحد. والذين اجتنبوا عبادتها هم الذين اجتنبوا عبادة غير المعبود في أية صورة من صور العبادة. وهم الذين أنابوا إلى ربهم. وعادوا إليه، ووقفوا في مقام العبودية له وحده.

هؤلاء لهم البشرى صادرة إليهم من الملإ الأعلى. والرسول - صلى الله عليه وسلم - يبلغها لهم بأمر الله: فبشر عباد .. إنها البشرى العلوية يحملها إليهم رسول كريم. وهذا وحده نعيم!

هؤلاء من صفاتهم أنهم يستمعون ما يستمعون من القول، فتلتقط قلوبهم أحسنه وتطرد ما عداه، فلا يلحق بها ولا يلصق إلا الكلم الطيب، الذي تزكو به النفوس والقلوب.. والنفس الطيبة تتفتح للقول الطيب فتتلقاه وتستجيب له. والنفس الخبيثة لا تتفتح إلا للخبيث من القول ولا تستجيب إلا له.

أولئك الذين هداهم الله ..

فقد علم الله في نفوسهم خيرا فهداهم إلى استماع أحسن القول والاستجابة له. والهدى هدى الله.

وأولئك هم أولو الألباب ..

فالعقل السليم هو الذي يقود صاحبه إلى الزكاة، وإلى النجاة. ومن لا يتبع طريق الزكاة والنجاة فكأنه مسلوب العقل محروم من هذه النعمة التي أعطاها له الله.

وقبل أن يعرض مشهد هؤلاء في نعيمهم في الآخرة يقرر أن عبدة الطاغوت قد وصلوا فعلا إلى النار. وأن أحدا لا يملك أن ينقذهم من هذه النار:

أفمن حق عليه كلمة العذاب أفأنت تنقذ من في النار؟ ..

والخطاب لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - وإذا كان هو لا يملك إنقاذهم من النار التي هم فيها فمن يملكها إذن سواه؟

وأمام مشهد هؤلاء في النار - وكأنهم فيها فعلا الآن. ما دام قد حق عليهم العذاب - يعرض مشهد الذين اتقوا [ ص: 3046 ] ربهم، وخافوا ما خوفهم الله:

لكن الذين اتقوا ربهم لهم غرف من فوقها غرف مبنية، تجري من تحتها الأنهار. وعد الله. لا يخلف الله الميعاد ..

ومشهد الغرف المبنية، من فوقها غرف، تجري الأنهار من تحتها.. هذا المشهد يتقابل مع مشهد ظلل النار هناك من فوقهم ومن تحتهم. هذا التقابل الذي ينسقه التعبير القرآني وهو يرسم المشاهد للأنظار.

ذلك وعد الله. ووعد الله واقع. لا يخلف الله الميعاد.

ولقد عاش المسلمون الذين تلقوا هذا القرآن أول مرة. عاشوا هذه المشاهد فعلا وواقعا. فلم تكن في نفوسهم وعدا أو وعيدا يتلقونهما من مستقبل بعيد. إنما كان هذا وذلك واقعا تشهده قلوبهم وتحسه وتراه. وتتأثر وترتعش وتستجيب لمرآه. ومن ثم تحولت نفوسهم ذلك التحول; وتكيفت حياتهم على هذه الأرض بذلك الواقع الأخروي، الذي كانوا يعيشونه ويحيون به وهم بعد في الحياة! وهكذا ينبغي أن يتلقى المسلم وعد الله.

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث