الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

تفسير قوله تعالى وإن كنتم مرضى او على سفر

قوله تعالى: وإن كنتم مرضى أو على سفر :

فهم العلماء من قوله مرضى كون المرض مبيحا للتيمم إذا كان في استعمال الماء ضرر ، لأنه لو لم يحمل على ذلك، كان ذكر المرض لغوا عند عدم الماء، ولم يفهموا من ذكر المسافر اعتبار السفر فقط، بل اعتبروا عدم الماء، وإن كان عدمه في حق غير المسافر يبيح التيمم، لأن السفر يغلب فيه عدم الماء، ويندر في الإقامة مثل ذلك، فكان للسفر تعلق بعدم الماء، وليس للمرض تعلق به، فلم يفهم منه عدم الماء، وإنما فهم منه ما يفضي إليه المرض من الضرر باستعمال الماء. [ ص: 48 ] وإذا ثبت هذا فقد قال تعالى: وإن كنتم مرضى أو على سفر الآية. ذكر المرض والسفر مع الإحداث ذكرا واحدا وليسا حدثين، فلا جرم اختلف العلماء في معنى الآية: فأما زيد بن أسلم فإنه ذكر في الآية تقديما وتأخيرا فقال: تقديره: إذا قمتم إلى الصلاة من نوم، أو جاء أحد منكم من الغائط أو لمستم النساء، فاغسلوا وجوهكم- إلى قوله: وإن كنتم جنبا فاطهروا وإن كنتم مرضى أو على سفر ولم تجدوا ماء. والذي يرد على هذا من الاعتراض على مقتضى هذا القول: فيكون ذاكرا بعض أسباب الحدث من غير أن يذكر الحدث مطلقا، ويكون ذاكرا للجنابة المطلقة من غير ذكر أسبابها وموجباتها، فإن غير زيد بن أسلم يقول: تقدير الآية: "إذا قمتم إلى الصلاة وأنتم محدثون مطلقا"، لينتظم مع قوله: وإن كنتم جنبا فاطهروا ، فإنه إذا ذكر أسباب الحدث عند وجود الماء، فيشبه أن يذكر أسباب الجنابة، وإن ذكر الحدث مطلقا، ذكر الجنب مطلقا، ففيما ذكره زيد بن أسلم قطع الانتظام من هذا الوجه مع أنه لم يبين تمام الأحداث، فإنه لم يذكر النوم وهو حدث، ولا زوال العقل بأي سبب كان، ولا مس الذكر عند قوم، ولا خروج الخارج من غير السبيلين عند قوم، فهذا يرد على تقدير التقديم والتأخير، مع أن تقدير التقديم والتأخير يورث ركاكة في [ ص: 49 ] النظم، واستكراها في النطق، وحيدا عن أحسن الجهات في البيان، وإنما يجوز لضرورة تدعوه إليه. وعند ذلك قال آخرون: الداعي إلى التقديم والتأخير، أنه عد المرض والسفر معد الأحداث، ونحن نقدر تقديرا آخر ليزول ذلك فنقول: قوله تعالى: إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا : معناه: وأنتم محدثون، وإن كنتم جنبا فاطهروا، فقد بين السببين الأصليين للطهارتين الصغرى والكبرى، ثم قال: وإن كنتم مرضى أو على سفر أو جاء أحد منكم من الغائط معناه: وجاء، وقد ورد "أو" بمعنى الواو، وذلك راجع إلى المرض والسفر إذا كانا محدثين ولزمهما، وجعل "أو" بمعنى الواو في كتاب الله تعالى، وفي إشعار العرب موجود. إلا أن الذي يرد عليه أنا إذا قلنا إن معنى أول الآية: "إذا قمتم إلى الصلاة وأنتم محدثون" ، ثم قال: وإن كنتم جنبا فاطهروا فقوله: ( إن كنتم مرضى أو على سفر ) يظهر رجوعه إليهما ولا معنى لذكر المجيء من الغائط ولمس النساء، فإن الحدث المطلق الجنابة المطلقة تشملهما، وما سواهما فليس لذكرهما فائدة، ففي كل واحد من التقريرين نوع اعتراض وبعد. والله أعلم بمراده من الآية.

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث