الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

قوله تعالى وأنزلنا إليك الكتاب بالحق مصدقا لما بين يديه من الكتاب ومهيمنا عليه

ولما ذكر - سبحانه - الكتابين؛ ذكر ختامهما؛ وتمامهما؛ وهو ما أنزل إلى هذا النبي الأمي من الفرقان؛ الشاهد على جميع الكتب التي قبله؛ فقال (تعالى): وأنـزلنا ؛ أي: بعظمتنا؛ إليك ؛ أي: خاصة؛ الكتاب ؛ أي: الكامل في جمعه لكل ما يطلب منه؛ وهو القرآن؛ بالحق ؛ أي: الكامل الذي لا يحتاج إلى شيء يتمه؛ ثم مدحه بمدح الأنبياء الذين تقدموه؛ فقال: مصدقا لما بين يديه ؛ أي: تقدمه؛ ولما كانت الكتب السماوية من شدة تصادقها كالشيء الواحد؛ عبر بالمفرد؛ لإفادته ما يفيد الجمع وزيادة؛ دلالة على ذلك؛ فقال: من الكتاب ؛ أي: الذي جاء به الأنبياء من قبل؛ ومهيمنا ؛ أي: شاهدا حفيظا؛ مصدقا؛ وأمينا رقيبا؛ عليه ؛ أي: على كل كتاب تقدمه - كما قاله البخاري في أول الفضائل من الصحيح؛ عن ابن عباس - رضي الله عنهما؛ وفي هذه الصفة بشارة لحفظه - سبحانه - لكتابنا؛ حتى لا يزال بصفة الشهادة؛ فإن الله (تعالى) استحفظهم كتبهم فعجزوا عنها؛ فحرفها محرفوهم؛ وأسقطوا منها؛ وأسقط مسرفوهم؛ فتكفل هو - سبحانه - بحفظ كتابنا؛ فكان قيما عليها؛ فما كان فيها موافقا له فهو حق؛ وما كان فيها مخالفا فهو إما منسوخ؛ [ ص: 181 ] أو مبدل؛ فلا يعتبر؛ بل يحكم بما في كتابنا؛ لأنه ناسخ لجميع الكتب؛ والآتي به مرسل إلى جميع العالمين؛ فملته ناسخة لجميع الملل؛ فأنتج هذا وجوب الحكم بما فيه على المؤالف؛ والمخالف؛ بشرطه; فلذا قال مسببا عما قبله: فاحكم بينهم ؛ أي: بين جميع أهل الكتب؛ فغيرهم من باب الأولى؛ بما أنـزل الله ؛ أي: الملك الذي له الأمر كله؛ إليك في هذا الكتاب الناسخ لكتبهم المهيمن عليها؛ في إثبات ما أسقطوه منها من أمرهم؛ باتباعك؛ ونحو ذلك من أوصافك؛ ولا تتبع أهواءهم ؛ فيما خالفه؛ منحرفين؛ عما جاءك ؛ وبينه بقوله: من الحق

ولما كان كل من كتابيهم من عند الله؛ كان كأنه قيل: كيف يكون الحكم بكتابهم الذي يصدقه كتابنا انحرافا عن الحق؟ علل ذلك؛ دالا على النسخ؛ بقوله: لكل ؛ أي: لكل واحد؛ جعلنا ؛ أي: بعظمتنا التي نفعل بها ما نشاء؛ من نسخ؛ وغيره؛ ثم خصص الإبهام بقوله: منكم ؛ أي: يا أهل الكتب شرعة ؛ أي: دينا موصلا إلى الحياة الأبدية؛ كما أن الشرعة موصلة إلى الماء؛ الذي به الحياة الدنيوية؛ ومنهاجا ؛ أي: طريقا واضحا؛ مستنيرا؛ ناسخا لما قبله؛ وقد جعلنا شرعتك ناسخة لجميع الشرائع؛ وهذا وأمثاله - مما يدل على أن كل متشرع مختص بشرع؛ وغير متعبد بشرع من قبله - محمول على الفروع؛ وما دل [ ص: 182 ] على الاجتماع؛ كأنه شرع لكم من الدين محمول على الأصول؛ ولو شاء الله ؛ أي: الملك الأعظم المالك المطلق؛ الذي له التصرف التام؛ والأمر الشامل العام؛ أن يجمعكم على شيء واحد؛ لجعلكم أمة ؛ أي: جماعة متفقة يؤم بعضها بعضا؛ وحقق المراد بقوله: واحدة ؛ أي: على دين واحد؛ ولم يجعل شيئا من الكتب ناسخا لشيء من الشرائع؛ لأن الكل بمشيئته؛ ولا مشيئة لأحد سواه إلا بمشيئته؛ ولكن ؛ لم يشأ ذلك؛ بل شاء أن تكونوا على شرائع مختلفة؛ ليبلوكم ؛ أي: ليعاملكم معاملة المبتلي المختبر؛ في ما آتاكم ؛ أي: أعطاكم؛ وقسم بينكم من الشرائع المختلفة؛ ليبرز إلى الوجود ما تعملون في ذلك؛ من اتباع؛ وإذعان - اعتقادا أن ذلك مقتضى الحكمة الإلهية; فترجعون عنه إذا قامت البراهين بالمعجزات على صدق ناسخه؛ ونهضت الأدلة البينات على صحة دعواه؛ بعد طول الإلف له؛ وإخلاد النفوس إليه؛ واستحكامه بمرور الأعصار؛ وتقلب الأدوار - أو زيغ وميل - اتهاما وتجويزا؛ كما فعل أول المتكبرين؛ إبليس؛ فتؤثرون الركون إليه؛ والعكوف عليه؛ لمتابعة الهوى؛ والوقوف عند مجرد الشهوة.

ولما كان في الاختبار أعظم تهديد؛ سبب عنه قوله: فاستبقوا الخيرات ؛ أي: افعلوا في المبادرة إليها؛ بغاية الجهد؛ فعل من يسابق شخصا يخشى العار بسبقه له؛ ثم علل ذلك بقوله: إلى الله ؛ أي: الشارع لذلك؛ لا إلى غيره؛ لأنه الملك الأعلى؛ مرجعكم جميعا ؛ وإن اختلفت [ ص: 183 ] شرائعكم؛ حسا في القيامة؛ ومعنى في جميع أموركم في الدارين؛ فينبئكم ؛ أي: يخبركم إخبارا عظيما؛ بما كنتم ؛ أي: بحسب اختلاف الجبلات; ولما كان في تقديم الظرف إبهام؛ وكان الإفهام بعد الإبهام أوقع في النفس؛ قال فيه تختلفون ؛ أي: تجددون الخلاف؛ مستمرين عليه؛ ويعطي كلاما يستحقه؛ ويظهر سر الاختلاف؛ وفائدة الوفاق والائتلاف.

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث