الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

تفسير قوله تعالى أكان للناس عجبا أن أوحينا إلى رجل منهم

جزء التالي صفحة
السابق

أكان للناس عجبا أن أوحينا إلى رجل منهم أن أنذر الناس وبشر الذين آمنوا أن لهم قدم صدق عند ربهم قال الكافرون إن هذا لساحر مبين إن ربكم الله الذي خلق السماوات والأرض في ستة أيام ثم استوى على العرش يدبر الأمر ما من شفيع إلا من بعد إذنه ذلكم الله ربكم فاعبدوه أفلا تذكرون

[ ص: 5 ] قوله تعالى : أكان للناس عجبا سبب نزولها : أن الله تعالى لما بعث محمدا صلى الله عليه وسلم أنكرت الكفار ذلك، وقالوا : الله أعظم من أن يكون رسوله بشرا مثل محمد ، فنزلت هذه الآية . والمراد بالناس هاهنا : أهل مكة ، والمراد بالرجل : محمد صلى الله عليه وسلم . ومعنى " منهم " : يعرفون نسبه ، قاله ابن عباس ، فأما الألف فهي للتوبيخ والإنكار . قال ابن الأنباري والاحتجاج عليهم في كونهم عجبوا من إرسال محمد ، محذوف هاهنا ، وهو مبين في قوله : نحن قسمنا بينهم معيشتهم [الزخرف :32] أي : فكما وضح لكم هذا التفاضل بالمشاهدة ، فلا تنكروا تفضيل الله من شاء بالنبوة ; وإنما حذفه هاهنا اعتمادا على ما بينه في موضع آخر . قال : وقيل : إنما عجبوا من ذكر البعث والنشور ، لأن الإنذار والتبشير يتصلان بهما ، فكان جوابهم في مواضع كثيرة تدل على كون ذلك ، مثل قوله : وهو أهون عليه [الروم :27] ، وقوله : يحييها الذي أنشأها أول مرة [يس :79] .

وفي المراد بقوله : " قدم صدق " سبعة أقوال :

أحدها : أنه الثواب الحسن بما قدموا من أعمالهم ، رواه العوفي عن ابن عباس ، وروى عنه أبو صالح قال: عمل صالح يقدمون عليه .

والثاني : أنه ما سبق لهم من السعادة في الذكر الأول ، رواه ابن أبي طلحة عن ابن عباس . قال أبو عبيدة : سابقة صدق .

والثالث : شفيع صدق ، وهو محمد صلى الله عليه وسلم يشفع لهم يوم القيامة ، قاله الحسن .

والرابع : سلف صدق تقدموهم بالإيمان ، قاله مجاهد ، وقتادة .

والخامس : مقام صدق لا زوال عنه ، قاله عطاء . [ ص: 6 ] والسادس : أن قدم الصدق : المنزلة الرفيعة ، قاله الزجاج

والسابع : أن القدم هاهنا : مصيبة المسلمين بنبيهم صلى الله عليه وسلم وما يلحقهم من ثواب الله عند أسفهم على فقده ومحبتهم لمشاهدته ، ذكره ابن الأنباري .

فإن قيل : لم آثر القدم هاهنا على اليد ، والعرب تستعمل اليد في موضع الإحسان ؟

فالجواب : أن القدم ذكرت هاهنا للتقدم ، لأن العادة جارية بتقدم الساعي على قدميه ، والعرب تجعلها كناية عن العمل الذي يتقدم فيه ولا يقع فيه تأخر ، قال ذو الرمة :


لكم قدم لا ينكر الناس أنها مع الحسب العادي طمت على البحر



فإن قيل : ما وجه إضافة القدم إلى الصدق ؟

فالجواب : أن ذلك مدح للقدم وكل شيء أضفته إلى الصدق ، فقد مدحته; ومثله : أدخلني مدخل صدق وأخرجني مخرج صدق [الإسراء :80] ، وقوله : في مقعد صدق [القمر :55] . وفي الكلام محذوف ، تقديره : أوحينا إلى رجل منهم ، فلما أتاهم الوحي " قال الكافرون إن هذا لسحر مبين " قرأ ابن كثير ، وعاصم ، وحمزة ، والكسائي : " لساحر " بألف . وقرأ نافع ، وأبو عمرو ، وابن عامر : " لسحر " بغير ألف . قال أبو علي : قد تقدم قوله : " أن أوحينا إلى رجل منهم " فمن قال : ساحر ، أراد الرجل ; ومن قال : سحر ، أراد الذي أوحي ، سحر ، أي : الذي تقولون أنتم فيه : إنه وحي ، سحر . قال الزجاج : [ ص: 7 ] لما أنذرهم بالبعث والنشور ، فقالوا : هذا سحر ، أخبرهم أن الذي خلق السموات والأرض قادر على بعثهم بقوله : " إن ربكم الله " وقد سبق تفسيره في (الأعراف 54) .

قوله تعالى : يدبر الأمر قال مجاهد : يقضيه . وقال غيره يأمر به ويمضيه .

قوله تعالى : ما من شفيع إلا من بعد إذنه فيه قولان :

أحدهما : لا يشفع أحد إلا أن يأذن له ، قاله ابن عباس . قال الزجاج : لم يجر للشفيع ذكر قبل هذا ، ولكن الذين خوطبوا كانوا يقولون : الأصنام شفعاؤنا .

والثاني : أن المعنى : لا ثاني معه ، مأخوذ من الشفع ، لأنه لم يكن معه أحد ، ثم خلق الأشياء . فقوله : " إلا من بعد إذنه " أي : من بعد أمره أن يكون الخلق فكان ، ذكره الماوردي .

قوله تعالى : " فاعبدوه " قال مقاتل : وحدوه . وقال الزجاج : المعنى : فاعبدوه وحده . وقوله : " تذكرون " معناه : تتعظون .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث