الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

تفسير قوله تعالى ما أصابك من حسنة فمن الله

جزء التالي صفحة
السابق

ما أصابك من حسنة فمن الله وما أصابك من سيئة فمن نفسك وأرسلناك للناس رسولا وكفى بالله شهيدا

قوله تعالى: ما أصابك من حسنة فمن الله في المخاطب بهذا الكلام ثلاثة أقوال . أحدها: أنه عام ، فتقديره: ما أصابك أيها الإنسان ، قاله قتادة . والثاني: أنه خطاب للنبي صلى الله عليه وسلم ، والمراد به غيره ، ذكره الماوردي . وقال ابن الأنباري: ما أصابك الله من حسنة ، وما أصابك الله به من سيئة ، فالفعلان يرجعان إلى الله عز وجل . وفي "الحسنة" و "السيئة" ثلاثة أقوال . أحدها: أن الحسنة: ما فتح عليه يوم بدر ، والسيئة: ما أصابه يوم أحد ، رواه ابن أبي طلحة ، عن ابن عباس . والثاني: الحسنة: الطاعة ، والسيئة ، المعصية ، [ ص: 139 ] قاله أبو العالية . والثالث: الحسنة: النعمة ، والسيئة: البلية ، قاله ابن قتيبة ، وعن أبي العالية نحوه ، وهو أصح ، لأن الآية عامة . وروى كرداب ، عن يعقوب: ما أصابك من حسنة فمن الله بتشديد النون ، ورفعها ، ونصب الميم ، وخفض اسم "الله" وما أصابك من سيئة فمن نفسك بنصب الميم ، ورفع السين .

و قرأ ابن عباس: وما أصابك من سيئة فمن نفسك بنصب الميم ، و رفع السين .

قوله تعالى: فمن نفسك أي: فبذنبك ، قاله الحسن ، وقتادة ، والجماعة . وذكر فيه ابن الأنباري وجها آخر ، فقال: المعنى: أفمن نفسك فأضمرت ألف الاستفهام ، كما أضمرت في قوله وتلك نعمة أي: أو تلك نعمة .

قوله تعالى: وأرسلناك للناس رسولا قال الزجاج : ذكر الرسول مؤكد لقوله: (وأرسلناك) والباء في "بالله" مؤكدة . والمعنى: وكفى بالله شهيدا .

[ ص: 140 ] و "شهيدا": منصوب على التمييز ، لأنك إذا قلت: كفى بالله ، ولم تبين في أي شيء الكفاية كنت مبهما .

وفي المراد بشهادة الله هاهنا: ثلاثة أقوال . أحدها: شهيدا لك بأنك رسوله ، قاله مقاتل . والثاني: على مقالتهم ، قاله ابن السائب . والثالث: لك بالبلاغ ، وعليهم بالتكذيب والنفاق ، قاله أبو سليمان الدمشقي . فإن قيل: كيف عاب الله هؤلاء حين قالوا: إن الحسنة من عند الله ، والسيئة من عند النبي عليه السلام ، ورد عليهم بقوله: (قل كل من عند الله) ثم عاد ، فقال: (ما أصابك من حسنة فمن الله وما أصابك من سيئة فمن نفسك) فهل قال القوم إلا هكذا؟ فعنه جوابان .

أحدهما: أنهم أضافوا السيئة إلى النبي صلى الله عليه وسلم تشاؤما به ، فرد عليهم ، فقال: كل بتقدير الله . ثم قال: ما أصابك من حسنة ، فمن الله ، أي: من فضله ، وما أصابك من سيئة ، فبذنبك ، وإن كان الكل من الله تقديرا .

والثاني: أن جماعة من أرباب المعاني قالوا: في الكلام محذوف مقدر ، تقديره: فما لهؤلاء القوم لا يكادون يفقهون حديثا ، يقولون: ما أصابك من حسنة ، فمن الله ، وما أصابك من سيئة ، فمن نفسك ، فيكون هذا من قولهم . والمحذوف المقدر في القرآن كثير ، ومنه قوله: ربنا تقبل منا [البقرة: 127] أي: يقولان: ربنا . ومثله أو به أذى من رأسه ففدية [البقرة: 196] أي: فحلق ، ففدية . ومثله فأما الذين اسودت وجوههم أكفرتم [آل عمران: 106] أي: فيقال لهم . ومثله والملائكة يدخلون عليهم من كل باب سلام عليكم [الرعد: 23 ، 24] أي: يقولون سلام . ومثله أو كلم به الموتى بل لله الأمر [الرعد: 31] أراد: لكان هذا القرآن . ومثله ولولا فضل الله عليكم ورحمته [ ص: 141 ] وأن الله رءوف رحيم [النور: 20] أراد: لعذبكم . ومثله ربنا أبصرنا وسمعنا [السجدة: 12] أي: يقولون . وقال النمر بن تولب


فإن المنية من يخشها فسوف تصادفه أينما



أراد: أينما ذهب . وقال غيره:


فأقسم لو شيء أتانا رسوله     سواك ولكن لم نجد لك مدفعا



أراد: لرددناه .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث