الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

تفسير قوله تعالى حرمت عليكم أمهاتكم وبناتكم وأخواتكم وعماتكم وخالاتكم

تنبيهات:

الأول: ذهب بعض السلف إلى أن قيد الدخول في قوله تعالى: اللاتي دخلتم بهن راجع إلى الأمهات والربائب، فقال: لا تحرم واحدة من الأم ولا البنت بمجرد العقد على الأخرى حتى يدخل بها، لقوله: فإن لم تكونوا دخلتم بهن فلا جناح عليكم

وروى ابن جرير ، عن علي - رضي الله عنه - في رجل تزوج امرأة فطلقها قبل أن يدخل بها: أيتزوج بأمها ؟ قال: هي بمنزلة الربيبة.

وروي أيضا عن زيد بن ثابت، وعبد الله بن الزبير، ومجاهد، وابن جبير ، وابن عباس ، وذهب إليه من الشافعية أبو الحسن أحمد بن محمد بن الصابوني، فيما نقله الرافعي عن العبادي ، وقد روي عن ابن مسعود مثله، ثم رجع عنه، وتوقف فيه معاوية، وذلك فيما رواه ابن المنذر، عن بكر بن كنانة أن أباه أنكحه امرأة بالطائف ، قال: فلم أجامعها حتى توفي عمي عن أمها، وأمها ذات مال كثير، فقال أبي: هل لك في أمها؟ [ ص: 1178 ] قال فسألت ابن عباس وأخبرته، فقال: انكح أمها، قال: وسألت ابن عمر فقال: لا تنكحها، فأخبرت أبي بما قالا، فكتب إلى معاوية ، فأخبره بما قالا، فكتب معاوية: إني لا أحل ما حرم الله، ولا أحرم ما أحل الله، وأنت وذاك، والنساء سواها كثير، فلم ينه ولم يأذن لي، فانصرف أبي عن أمها فلم ينكحنيها.

وذهب الجمهور إلى أن الأم تحرم بالعقد على البنت ولا تحرم البنت إلا بالدخول بالأم، قالوا: الاشتراط إنما هو في أمهات الربائب.

وروي في ذلك عن عمرو بن شعيب ، عن أبيه عن جده أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: أيما رجل نكح امرأة فلا يحل له نكاح ابنتها، وإن لم يكن دخل بها فلينكح ابنتها، وأيما رجل نكح امرأة فلا يحل له أن ينكح أمها، دخل بها أو لم يدخل بها أخرجه الترمذي .

قال الحافظ ابن كثير : هذا الخبر غريب، وفي إسناده نظر.

وقال الزجاج : قد جعل بعض العلماء: اللاتي دخلتم بهن وصفا للنساء المتقدمة والمتأخرة، وليس كذلك؛ لأن الوصف الواحد لا يقع على موصوفين مختلفي العامل، وهذا؛ لأن النساء الأولى مجرورة بالإضافة، والثانية بـ(من) ولا يجوز أن تقول: مررت بنسائك وهربت من نساء زيد الظريفات، على أن تكون (الظريفات) نعتا لهؤلاء النساء ولهؤلاء النساء.

[ ص: 1179 ] قال الناصر في: "الانتصاف": والقول المشهور عن الجمهور إبهام تحريم أم المرأة، وتقييد تحريم الربيبة بدخول الأم، كما هو ظاهر الآية، ولهذا الفرق سر وحكمة، وذلك لأن المتزوج بابنة المرأة لا يخلو بعد العقد وقبل الدخول من محاورة بينه وبين أمها، ومخاطبات ومسارات فكانت الحاجة داعية إلى تنجيز التحريم ليقطع شوقه من الأم فيعاملها معاملة ذوات المحارم، ولا كذلك العاقد على الأم فإنه بعيد عن مخاطبة بنتها قبل الدخول بالأم، فلم تدع الحاجة إلى تعجيل نشر الحرمة، وأما إذا وقع الدخول بالأم فقد وجدت مظنة خلطة الربيبة، فحينئذ تدعو الحاجة إلى نشر الحرمة بينهما، والله أعلم.

الثاني: استدل بقوله تعالى: اللاتي في حجوركم من لم يحرم نكاح الربيبة الكبيرة والتي لم يربها، روى ابن أبي حاتم ، عن مالك بن أوس بن الحدثان قال: كانت عندي امرأة فتوفيت وقد ولدت لي، فوجدت عليها، فلقيني علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - فقال: ما لك؟ فقلت: توفيت المرأة، فقال: لها ابنة؟ قلت: نعم، وهي بالطائف، قال: كانت في حجرك؟ قلت: لا، هي بالطائف ، قال: فانكحها، قلت: فأين قول الله: وربائبكم اللاتي في حجوركم قال: إنها لم تكن في حجرك، إنما ذلك إذا كانت في حجرك؟

قال الحافظ ابن كثير : إسناده قوي ثابت إلى علي بن أبي طالب، على شرط مسلم، وإلى هذا ذهب الإمام داود بن علي الظاهري وأصحابه، وحكاه أبو القاسم الرافعي عن مالك رحمه الله تعالى، واختاره ابن حزم.

والجمهور على تحريم الربيبة مطلقا، سواء كانت في حجر الرجل أم لم تكن، قالوا: والخطاب في قوله: اللاتي في حجوركم خرج مخرج الغالب، فإن شأنهن الغالب المعتاد أن يكن في حضانة أمهاتهن تحت حماية أزواجهن، ولم يرد كونهن كذلك بالفعل.

وفائدة وصفهن بذلك تقوية علة الحرمة وتكميلها، كما أنها النكتة في إيرادهن باسم الربائب دون بنات النساء، فإن كونهن بصدد احتضانهم لهن، وفي شرف التقلب في حجورهم، وتحت حمايتهم وتربيتهم، مما يقوي الملابسة والشبه بينهن وبين أولادهم، [ ص: 1180 ] ويستدعي إجراءهن مجرى بناتهم، لا تقييد الحرمة بكونهن في حجورهم بالفعل، كذا قرره أبو السعود .

وفي "الانتصاف": إن فائدة وصفهن بذلك، هو تخصيص أعلى صور المنهي عنه بالنهي، فإن النهي عن نكاح الربيبة المدخول بأمها عام، في جميع الصور، سواء كانت في حجر الزوج أو بائنة عنه في البلاد القاصية، ولكن نكاحه لها وهي في حجره أقبح الصور، والطبع عنها أنفر، فخصت بالنهي لتساعد الجبلة على الانقياد لأحكام الملة، ثم يكون ذلك تدريبا وتدريجا إلى استقباح المحرم في جميع صوره، والله أعلم.

وفي الصحيحين أن أم حبيبة - رضي الله عنها - قالت: يا رسول الله! انكح أختي بنت أبي سفيان (وفي لفظ لمسلم: عزة بنت أبي سفيان ) فقال: أوتحبين ذلك؟ قالت: نعم، لست لك بمخلية، وأحب من شاركني في خير أختي، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: إن ذلك لا يحل لي قلت: فإنا نحدث أنك تريد أن تنكح بنت أبي سلمة، قال: بنت أم سلمة؟ قلت: نعم، فقال: لو أنها لو لم تكن ربيبتي في حجري ما حلت لي، إنها لابنة أخي من الرضاعة، أرضعتني وأبا سلمة ثويبة ، فلا تعرضن علي بناتكن ولا أخواتكن (وفي رواية للبخاري : لو لم أتزوج أم سلمة ما حلت لي) .

قال ابن كثير : فجعل المناط في التحريم مجرد تزوجه أم سلمة، وحكم بالتحريم بذلك.

الثالث: اشتهر أن المراد من الدخول في قوله تعالى: دخلتم بهن معناه الكنائي وهو الجماع؛ لأنه أسلوب الكتاب العزيز في نظائره؛ بلاغة وأدبا.

ولذا فسره به ابن عباس وغير [ ص: 1181 ] واحد، فمدلول الآية صريح حينئذ في كون الحرمة مشروطة بالجماع، فلا تتناول غيره من اللمس والتقبيل والنظر لمتاعها، ومن أثبت تحريم الربيبة بذلك لحظ أن معنى الدخول أوسع من الجماع؛ لأنه يقال: دخل بها إذا أمسكها وأدخلها البيت.

وفي "فتح البيان": الذي ينبغي التعويل عليه في مثل هذا الخلاف هو النظر في معنى الدخول شرعا أو لغة، فإن كان خاصا بالجماع فلا وجه لإلحاق غيره به، من لمس أو نظر أو غيرهما، وإن كان معناه أوسع من الجماع بحيث يصدق على ما حصل فيه نوع استمتاع كان مناط التحريم هو ذلك. انتهى.

وفي "شرح القاموس للزبيدي ": ودخل بامرأته كناية عن الجماع، وغلب استعماله في الوطء الحلال، والمرأة مدخول بها، قلت: ومنه الدخلة، لليلة الزفاف. انتهى.

وحلائل أبنائكم أي: موطوآت فروعكم بنكاح أو ملك يمين، جمع حليلة، سميت بذلك لحلها للزوج.

وقوله تعالى: الذين من أصلابكم لإخراج الأدعياء الذين كانوا يتبنونهم في الجاهلية، كما قال تعالى: فلما قضى زيد منها وطرا زوجناكها لكي لا يكون على المؤمنين حرج في أزواج أدعيائهم [الأحزاب: من الآية 37] وقال تعالى: وما جعل أدعياءكم أبناءكم [الأحزاب: من الآية 4].

فالسر في التقيد هو إحلال حليلة المتبنى؛ ردا لمزاعم الجاهلية، لا إحلال حليلة الابن من الرضاع وأبناء الأبناء، كأنه قيل: بخلاف من تبنيتموهم فلكم نكاح حلائلهم.

[ ص: 1182 ] وأن تجمعوا بين الأختين في حيز الرفع عطفا على ما قبله من المحرمات، أي: وحرم عليكم الجمع بين الأختين في الوطء بنكاح أو ملك يمين من نسب أو رضاع، لما فيه من قطيعة الرحم إلا ما قد سلف في الجاهلية فإنه معفو عنه إن الله كان غفورا رحيما تعليل لما أفاده الاستثناء.

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث