الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب
جزء التالي صفحة
السابق

[ ص: 401 ] سئل الشيخ رحمه الله عن قوم داوموا على " الرياضة " مرة فرأوا أنهم قد تجوهروا فقالوا : لا نبالي الآن ما عملنا وإنما الأوامر والنواهي رسوم العوام ولو تجوهروا لسقطت عنهم وحاصل النبوة يرجع إلى الحكمة والمصلحة والمراد منها ضبط العوام ولسنا نحن من العوام فندخل في حجر التكليف لأنا قد تجوهرنا وعرفنا الحكمة .

فهل هذا القول كفر من قائله ؟ أم يبدع من غير تكفير .

وهل يصير ذلك عمن في قلبه خضوع للنبي - صلى الله عليه وسلم - ؟
.

التالي السابق


فأجاب : - لا ريب عند أهل العلم والإيمان أن هذا القول من أعظم الكفر وأغلظه .

وهو شر من قول اليهود والنصارى ; فإن اليهودي والنصراني آمن ببعض الكتاب وكفر ببعض .

وأولئك هم الكافرون حقا كما ذكر أنهم يقرون بأن لله أمرا ونهيا ووعدا ووعيدا وأن ذلك متناول لهم إلى حين الموت .

هذا إن كانوا متمسكين باليهودية والنصرانية المبدلة المنسوخة .

وأما إن كانوا من منافقي أهل ملتهم - كما هو الغالب على متكلمهم [ ص: 402 ] ومتفلسفهم - كانوا شرا من منافقي هذه الأمة حيث كانوا مظهرين للكفر ومبطنين للنفاق فهم شر ممن يظهر إيمانا ويبطن نفاقا .

والمقصود أن المتمسكين بجملة منسوخة فيها تبديل خير من هؤلاء الذين يزعمون سقوط الأمر والنهي عنهم بالكلية ; فإن هؤلاء خارجون في هذه الحال عن جميع الكتب والشرائع والملل ; لا يلتزمون لله أمرا ولا نهيا بحال ; بل هؤلاء شر من المشركين المستمسكين ببقايا من الملل : كمشركي العرب الذين كانوا مستمسكين ببقايا من دين إبراهيم عليه السلام فإن أولئك معهم نوع من الحق يلتزمونه وإن كانوا مع ذلك مشركين وهؤلاء خارجون عن التزام شيء من الحق بحيث يظنون أنهم قد صاروا سدى لا أمر عليهم ولا نهي .

فمن كان من قوله هو أنه أو طائفة غيره قد خرجت عن كل أمر ونهي بحيث لا يجب عليها شيء ولا يحرم عليها شيء فهؤلاء أكفر أهل الأرض وهم من جنس فرعون وذويه وهم مع هذا لا بد أن يلتزموا بشيء يعيشون به إذ لا يمكن النوع الإنساني أن يعيش إلا بنوع أمر ونهي فيخرجون عن طاعة الرحمن وعبادته إلى طاعة الشيطان وعبادته ; ففرعون هو الذي قال لموسى : { وما رب العالمين } ثم كانت له آلهة يعبدها .

كما قال له قومه : { ويذرك وآلهتك } .

[ ص: 403 ] ولكن كثير من هؤلاء لا يطلقون السلب العام ويخرجون عن ربقة العبودية مطلقا بل يزعمون سقوط بعض الواجبات عنهم أو حل بعض المحرمات لهم فمنهم من يزعم أنه سقطت عنه الصلوات الخمس لوصوله إلى المقصود وربما قد يزعم سقوطها عنه إذا كان في حال مشاهدة وحضور وقد يزعمون سقوط الجماعات عنهم استغناء عنها بما هو فيه من التوجه والحضور ومنهم من يزعم سقوط الحج عنه مع قدرته عليه ; لأن الكعبة تطوف به أو لغير هذا من الحالات الشيطانية .

ومنهم من يستحل الفطر في رمضان لغير عذر شرعي زعما منه استغناؤه عن الصيام .

ومنهم من يستحل الخمر زعما منه أنها إنما تحرم على العامة الذين إذا شربوها تخاصموا وتضاربوا دون الخاصة العقلاء ويزعمون أنها تحرم على العامة الذين ليس لهم أعمال صالحة فأما أهل النفوس الزكية والأعمال الصالحة : فتباح لهم دون العامة .

وهذه " الشبهة " كانت قد وقعت لبعض الأولين فاتفق الصحابة على قتلهم إن لم يتوبوا من ذلك فإن قدامة بن عبد الله شربها هو وطائفة وتأولوا قوله تعالى { ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناح فيما طعموا إذا ما اتقوا وآمنوا وعملوا الصالحات } فلما ذكر ذلك لعمر بن الخطاب اتفق هو وعلي بن أبي طالب وسائر الصحابة على أنهم إن اعترفوا بالتحريم جلدوا وإن أصروا على استحلالها قتلوا .

وقال عمر [ ص: 404 ] لقدامة : أخطأت استك الحفرة .

أما إنك لو اتقيت وأمنت وعملت الصالحات لم تشرب الخمر ; وذلك أن هذه الآية نزلت بسبب : أن الله سبحانه لما حرم الخمر - وكان تحريمها بعد وقعة أحد - قال بعض الصحابة : فكيف بأصحابنا الذين ماتوا وهم يشربون الخمر ؟ .

فأنزل الله هذه الآية يبين فيها أن من طعم الشيء في الحال التي لم تحرم فيها فلا جناح عليه إذا كان من المؤمنين المتقين المصلحين .

وهذا كما أنه لما صرف القبلة وأمرهم باستقبال الكعبة بعد أن كانوا مأمورين باستقبال بيت المقدس فقال الله تعالى : { وما كان الله ليضيع إيمانكم } أي صلاتكم إلى بيت المقدس .

فبين سبحانه أن من عمل بطاعة الله أثابه الله على ذلك وإن نهى عن ذلك في وقت آخر ومن استحل ما لم يحرمه لم يكن عليه جناح إذا كان من المؤمنين المتقين وإن حرم الله ذلك في وقت آخر .

فأما بعد أن حرم الخمر فاستحلالها بمنزلة الصلاة إلى الصخرة بعد تحريم ذلك وبمنزلة التعبد بالسبت واستحلال الزنا وغير ذلك مما استقرت الشريعة على خلاف ما كان وإلا فليس لأحد أن يستمسك من شرع منسوخ بأمر .

ومن فعل ذلك كان بمنزلة المستمسك بما نسخ من الشرائع ; فلهذا اتفق الصحابة على أن من استحل الخمر قتلوه ثم إن أولئك الذين فعلوا ذلك ندموا وعلموا أنهم أخطئوا وأيسوا من التوبة .

فكتب [ ص: 405 ] عمر إلى قدامة يقول له : { حم } { تنزيل الكتاب من الله العزيز العليم } { غافر الذنب وقابل التوب شديد العقاب } ما أدري أي ذنبيك أعظم استحلالك المحرم أولا ؟ أم يأسك من رحمة الله ثانيا ؟ وهذا الذي اتفق عليه الصحابة هو متفق عليه بين أئمة الإسلام لا يتنازعون في ذلك ومن جحد وجوب بعض الواجبات الظاهرة المتواترة : كالصلوات الخمس وصيام شهر رمضان وحج البيت العتيق أو جحد تحريم بعض المحرمات الظاهرة المتواترة : كالفواحش والظلم والخمر والميسر والزنا وغير ذلك .

أو جحد حل بعض المباحات الظاهرة المتواترة : كالخبز واللحم والنكاح .

فهو كافر مرتد يستتاب فإن تاب وإلا قتل وإن أضمر ذلك كان زنديقا منافقا لا يستتاب عند أكثر العلماء ; بل يقتل بلا استتابة إذا ظهر ذلك منه .

ومن هؤلاء من يستحل بعض الفواحش : كاستحلال مؤاخاة النساء الأجانب والخلو بهن زعما منه أنه يحصل لهن البركة بما يفعله معهن وإن كان محرما في الشريعة .

وكذلك من يستحل ذلك من المردان ويزعم أن التمتع بالنظر إليهم ومباشرتهم هو طريق لبعض السالكين حتى يترقى من محبة المخلوق [ إلى محبة الخالق ] ويأمرون بمقدمات الفاحشة الكبرى وقد يستحلون الفاحشة الكبرى كما يستحلها من يقول : إن التلوط مباح بملك اليمين .

فهؤلاء كلهم كفار باتفاق المسلمين وهم [ ص: 406 ] بمنزلة من يستحل قتل المسلمين بغير حق .

ويسبي حريمهم ويغنم أموالهم وغير ذلك من المحرمات التي يعلم أنها من المحرمات تحريما ظاهرا متواترا .

تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث