الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


[ ص: 398 ] وقد طلبت الشفاعة من أكابر الرسل وأولي العزم وكل يقول " إن ربي قد غضب اليوم غضبا لم يغضب قبله مثله . ولن يغضب بعده مثله . وإني فعلت كذا وكذا نفسي نفسي نفسي " فإذا كان هؤلاء لا يتقدمون إلى مخاطبة الله تعالى بالشفاعة فكيف بغيرهم ؟ .

وأيضا فإن هذه الآية مذكورة بعد ذكر المتقين وأهل الجنة وبعد أن ذكر الكافرين . فقال { إن للمتقين مفازا } { حدائق وأعنابا } { وكواعب أترابا } { وكأسا دهاقا } { لا يسمعون فيها لغوا ولا كذابا } { جزاء من ربك عطاء حسابا } { رب السماوات والأرض وما بينهما الرحمن لا يملكون منه خطابا } ثم قال { يوم يقوم الروح والملائكة صفا لا يتكلمون إلا من أذن له الرحمن وقال صوابا } فقد أخبر : أن " الروح والملائكة " يقومون صفا لا يتكلمون . وهذا هو تحقيق قوله { لا يملكون منه خطابا } والعرب تقول : ما أملك من أمر فلان أو من فلان شيئا أي لا أقدر من أمره على شيء . وغاية ما يقدر عليه الإنسان من أمر غيره : خطابه ولو بالسؤال . فهم في ذلك الموطن لا يملكون من الله شيئا ولا الخطاب . فإنه لا يتكلم أحد إلا بإذنه . ولا يتكلم إلا من أذن له الرحمن وقال صوابا .

قال تعالى { إلا قول إبراهيم لأبيه لأستغفرن لك وما أملك لك من الله من شيء } فقد أخبر الخليل : أنه لا يملك لأبيه من الله من شيء . فكيف غيره ؟ . وقال مجاهد أيضا { إلا من أذن له الرحمن وقال صوابا } قال : حقا في الدنيا وعملا به . رواه - والذي قبله - عبد بن حميد .

وروي عن عكرمة { وقال صوابا } قال : الصواب قول لا إله إلا الله . فعلى قول مجاهد : يكون المستثنى : من أتى بالكلم الطيب والعمل الصالح . وقوله في سورة طه { لا تنفع الشفاعة إلا من أذن له الرحمن ورضي له قولا } فإذا جعلت هذه مثل تلك : فتكون الشفاعة هي الشفاعة المطلقة . وهي الشفاعة في الحسنات وفي دخول الجنة كما في الصحيحين { أن الناس يهتمون يوم القيامة . فيقولون : لو استشفعنا على ربنا حتى يريحنا من مقامنا هذا ؟ } فهذا طلب الشفاعة للفصل بينهم .

وفي حديث الشفاعة { أدخل من أمتك من لا حساب عليه من الباب الأيمن } فهذه شفاعة في أهل الجنة . ولهذا قيل : إن [ ص: 400 ] هاتين الشفاعتين مختصتان بمحمد صلى الله عليه وسلم . ويشفع غيره في العصاة . فقوله { يومئذ لا تنفع الشفاعة إلا من أذن له الرحمن ورضي له قولا } يدخل فيها الشفاعة في أهل الموقف عموما وفي أهل الجنة وفي المستحقين للعذاب . وهو سبحانه في هذه وتلك : لم يذكر العمل . إنما قال { وقال صوابا } وقال { ورضي له قولا } لكن قد دل الدليل على أن " القول الصواب المرضي " لا يكون صاحبه محمودا إلا مع العمل الصالح لكن نفس القول مرضي فقد قال الله { إليه يصعد الكلم الطيب } .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث