الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب

فمن تدبر القرآن : تبين له أنه كما قال تعالى { الله نزل أحسن الحديث كتابا متشابها مثاني } يشبه بعضه بعضا . ويصدق بعضه بعضا . ليس بمختلف ولا بمتناقض { ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا } . وهو " مثاني " يثني الله فيه الأقسام . ويستوفيها . والحقائق : إما متماثلة . وهي " المتشابه " وإما مماثلة . وهي : الأصناف والأقسام والأنواع . وهي " المثاني " . و " التثنية " يراد بها : جنس التعديد من غير اقتصار على اثنين فقط . كما في قوله تعالى { ارجع البصر كرتين } يراد به : مطلق العدد كما تقول : قلت له مرة بعد مرة . تريد : جنس العدد .

وتقول : هو يقول كذا ويقول كذا . وإن كان قد قال مرات كقول حذيفة بن اليمان رضي الله عنهما { عن النبي صلى الله عليه وسلم إنه جعل يقول بين السجدتين : رب اغفر لي . رب اغفر لي } لم يرد : أن هذا قاله مرتين فقط كما يظنه بعض الناس الغالطين . بل يريد : أنه جعل يثني هذا القول ويردده ويكرره كما كان يثني لفظ التسبيح . [ ص: 408 ] وقد قال حذيفة رضي الله عنه في الحديث الصحيح الذي رواه مسلم { إنه ركع نحوا من قيامه يقول في ركوعه : سبحان ربي العظيم سبحان ربي العظيم وذكر أنه سجد نحوا من قيامه يقول في سجوده : رب اغفر لي . رب اغفر لي } . وقد صرح في الحديث الصحيح { أنه أطال الركوع والسجود بقدر البقرة والنساء وآل عمران } فإنه قام بهذه السور كلها .

وذكر { أنه كان يقول : سبحان ربي العظيم سبحان ربي العظيم سبحان ربي الأعلى سبحان ربي الأعلى } . فعلم أنه أراد بتثنية اللفظ : جنس التعداد والتكرار لا الاقتصار على مرتين . فإن " الاثنين " أول العدد الكثير . فذكر أول الأعداد يعني أنه عدد هذا اللفظ لم يقتصر على مرة واحدة .

فالتثنية التعديد . والتعديد يكون للأقسام المختلفة . وليس في القرآن تكرار محض بل لا بد من فوائد في كل خطاب . ف " المتشابه " في النظائر المتماثلة . و " المثاني " في الأنواع . وتكون التثنية في المتشابه أي هذا المعنى قد ثني في القرآن لفوائد أخر . [ ص: 409 ] ف " المثاني " تعم هذا وهذا . وفاتحة الكتاب : هي " السبع المثاني " لتضمنها هذا وهذا . وبسط هذا له موضع آخر .

والمقصود هنا : أن قوله { ولا يملك الذين يدعون من دونه الشفاعة } قد تم الكلام هنا . فلا يملك أحد من المعبودين من دون الله الشفاعة ألبتة . ثم استثنى { إلا من شهد بالحق وهم يعلمون } فهذا استثناء منقطع . والمنقطع يكون في المعنى المشترك بين المذكورين . فلما نفى ملكهم الشفاعة بقيت الشفاعة بلا مالك لها .

كأنه قد قيل : فإذا لم يملكوها هل يشفعون في أحد ؟ فقال : نعم { من شهد بالحق وهم يعلمون } . وهذا يتناول الشافع والمشفوع له . فلا يشفع إلا من شهد بالحق وهم يعلمون . فالملائكة والأنبياء والصالحون - وإن كانوا لا يملكون الشفاعة - لكن إذا أذن الرب لهم شفعوا . وهم لا يؤذن لهم إلا في الشفاعة للمؤمنين الذين يشهدون أن لا إله إلا الله .

فيشهدون بالحق وهم يعلمون . لا يشفعون لمن قال هذه الكلمة تقليدا للآباء والشيوخ . كما جاء الحديث الصحيح : { إن الرجل يسأل في قبره ؟ ما تقول في هذا الرجل ؟ فأما المؤمن فيقول : هو عبد الله ورسوله . جاءنا بالبينات والهدى . وأما المرتاب فيقول : هاه هاه لا أدري . سمعت [ ص: 410 ] الناس يقولون شيئا فقلته } فلهذا قال { إلا من شهد بالحق وهم يعلمون }

. وقد تقدم قول ابن عباس : يعني من قال " لا إله إلا الله " يعني : خالصا من قلبه . والأحاديث الصحيحة الواردة في الشفاعة كلها تبين : أن الشفاعة إنما تكون في أهل " لا إله إلا الله " . وقد ثبت في صحيح البخاري . { أن أبا هريرة قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم من أسعد الناس بشفاعتك يوم القيامة ؟ قال : يا أبا هريرة لقد ظننت أن لا يسألني عن هذا الحديث أحد أول منك لما رأيت من حرصك على الحديث . أسعد الناس بشفاعتي يوم القيامة : من قال لا إله إلا الله خالصا من قبل نفسه }

. فبين أن المخلص لها من قبل نفسه : هو أسعد بشفاعته صلى الله عليه وسلم من غيره ممن يقولها بلسانه وتكذبها أقواله وأعماله . فهؤلاء هم الذين شهدوا بالحق شهدوا " أن لا إله إلا الله " كما شهد الله لنفسه بذلك وملائكته وأولو العلم { شهد الله أنه لا إله إلا هو والملائكة وأولو العلم قائما بالقسط لا إله إلا هو العزيز الحكيم } . فإذا شهدوا - وهم يعلمون - كانوا من أهل الشفاعة شافعين ومشفوعا لهم . فإن المؤمنين أهل التوحيد يشفع بعضهم في بعض كما ثبت ذلك في الأحاديث الصحيحة . كما ثبت في الصحيحين من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : - في الحديث الطويل حديث التجلي والشفاعة - { حتى إذا خلص المؤمنون من النار .

فوالذي نفسي بيده ما منكم من أحد بأشد مناشدة لله في استيفاء الحق من المؤمنين لله يوم القيامة لإخوانهم الذين في النار . يقولون : ربنا كانوا يصومون معنا ويصلون ويحجون . فيقال لهم : أخرجوا من عرفتم . فتحرم صورهم على النار
} - وذكر تمام الحديث " . وسبب نزول الآية - على ما ذكروه - مؤيد لما ذكره .

قال أبو الفرج ابن الجوزي : سبب نزولها : أن النضر بن الحارث ونفرا معه قالوا " إن كان ما يقول محمد حقا . فنحن نتولى الملائكة . فهم أحق بالشفاعة من محمد . فنزلت هذه الآية " قاله مقاتل . [ ص: 412 ] وعلى هذا : فيقصد أن الملائكة وغيرهم لا يملكون الشفاعة . فليس توليكم إياهم واستشفاعكم بهم : بالذي يوجب أن يشفعوا لكم . فإن أحدا ممن يدعى من دون الله لا يملك الشفاعة . ولكن { من شهد بالحق وهم يعلمون } فإن الله يشفع فيه .

فالذي تنال به الشفاعة : هي الشهادة بالحق . وهي شهادة أن لا إله إلا الله . لا تنال بتولي غير الله . لا الملائكة ولا الأنبياء ولا الصالحين . فمن والى أحدا من هؤلاء ودعاه وحج إلى قبره أو موضعه ونذر له وحلف به وقرب له القرابين ليشفع له : لم يغن ذلك عنه من الله شيئا . وكان من أبعد الناس عن شفاعته وشفاعة غيره . فإن الشفاعة إنما تكون : لأهل توحيد الله وإخلاص القلب والدين له . ومن تولى أحدا من دون الله فهو مشرك . فهذا القول والعبادة الذي يقصد به المشركون الشفاعة : يحرم عليهم الشفاعة . فالذين عبدوا الملائكة والأنبياء والأولياء والصالحين - ليشفعوا لهم - كانت عبادتهم إياهم وإشراكهم بربهم الذي به طلبوا شفاعتهم : به حرموا شفاعتهم وعوقبوا بنقيض قصدهم . لأنهم أشركوا بالله ما لم ينزل به سلطانا . وكثير من أهل الضلال : يظن أن الشفاعة تنال بهذه الأمور التي [ ص: 413 ] فيها شرك أو هي شرك خالص كما ظن ذلك المشركون الأولون . وكما يظنه النصارى ومن ضل من المنتسبين إلى الإسلام . الذين يدعون غير الله ويحجون إلى قبره أو مكانه وينذرون له ويحلفون به . ويظنون : أنه بهذا يصير شفيعا لهم .

قال تعالى { قل ادعوا الذين زعمتم من دونه فلا يملكون كشف الضر عنكم ولا تحويلا } { أولئك الذين يدعون يبتغون إلى ربهم الوسيلة أيهم أقرب ويرجون رحمته ويخافون عذابه إن عذاب ربك كان محذورا } . قال طائفة من السلف : كان أقوام يعبدون المسيح والعزير والملائكة فبين الله أنهم لا يملكون كشف الضر عنهم ولا تحويله . كما بين أنهم لا يملكون الشفاعة .

وهذا لا استثناء فيه وإن كان الله يجيب دعاءهم ثم قال { أولئك الذين يدعون يبتغون إلى ربهم الوسيلة أيهم أقرب ويرجون رحمته ويخافون عذابه إن عذاب ربك كان محذورا } فبين أن هؤلاء المزعومين الذين يدعونهم من دون الله كانوا يرجون رحمة الله ويخافون عذابه ويتقربون إليه بالأعمال الصالحة كسائر عباده المؤمنين وقد قال تعالى { ولا يأمركم أن تتخذوا الملائكة والنبيين أربابا أيأمركم بالكفر بعد إذ أنتم مسلمون } .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث