الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

فصل تفسير قوله تعالى أفمن كان على بينة من ربه ويتلوه شاهد منه

فصل وقوله : { أفمن كان على بينة من ربه } كما تقدم هو كقوله : { قل إني على بينة من ربي } وقوله : { أفمن كان على بينة من ربه كمن زين له سوء عمله واتبعوا أهواءهم } وقوله : { أفمن شرح الله صدره للإسلام فهو على نور من ربه } وقوله { أولئك على هدى من ربهم } .

[ ص: 96 ] فإن هذا النوع يبين أن المؤمن على أمر من الله فاجتمع في هذا اللفظ حرف الاستعلاء وحرف ( من لابتداء الغاية وما يستعمل فيه حرف ابتداء الغاية فيقال : هو من الله على نوعين فإنه إما أن يكون من الصفات التي لا تقوم بنفسها ولا بمخلوق فهذا يكون صفة له وما كان عينا قائمة بنفسها أو بمخلوق فهي مخلوقة .

" فالأول " كقوله : { ولكن حق القول مني } وقوله : { يعلمون أنه منزل من ربك بالحق } كما قال السلف : القرآن كلام الله غير مخلوق منه بدأ وإليه يعود .

" والنوع الثاني " كقوله : { وسخر لكم ما في السماوات وما في الأرض جميعا منه إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون } وقوله : { وما بكم من نعمة فمن الله } و { ما أصابك من حسنة فمن الله } وكما يقال : إلهام الخير وإيحاؤه من الله وإلهام الشر وإيحاؤه من الشيطان والوسوسة من الشيطان . فهذا نوعان .

تارة يضاف باعتبار السبب وتارة باعتبار العاقبة والغاية . فالحسنات هي النعم والسيئات هي المصائب كلها من عند الله لكن تلك الحسنات أنعم الله بها على العبد فهي منه إحسانا وتفضلا وهذه عقوبة ذنب من نفس العبد فهي من نفسه باعتبار أن عمله السيئ كان [ ص: 97 ] سببها وهي عقوبة له ; لأن النفس أرادت تلك الذنوب ووسوست بها .

وتارة يقال باعتبار حسنات العمل وسيئاته وما يلقى في القلب من التصورات والإرادات فيقال للحق : هو من الله ألهمه العبد ويقال للباطل : إنه من الشيطان وسوس به ومن النفس أيضا لأنها أرادته كما قال عمر وابن عمر وابن مسعود فيما قالوه باجتهادهم : إن يكن صوابا فمن الله وإن يكن خطأ فمنا ومن الشيطان والله ورسوله بريئان منه .

وهذا لفظ ابن مسعود في حديث بروع بنت واشق قال : إن يكن صوابا فمن الله وإن يكن خطأ فمني ومن الشيطان لأنه حكم بحكم فإن كان موافقا لحكم الله فهو من الله لأنه موافق لعلمه وحكمه فهو منه باعتبار أنه سبحانه ألهمه عبده لم يحصل بتوسط الشيطان والنفس وإن كان خطأ فالشيطان وسوس به والنفس أرادته ووسوست به وإن كان ذلك مخلوقا فيه والله خلقه فيه ; لكن الله لم يحكم به وإن لم يكن ما وقع لي من إلهام الملك كما قال ابن مسعود : إن للملك بقلب ابن آدم لمة وللشيطان لمة ; فلمة الملك إيعاد بالخير وتصديق بالحق ولمة الشيطان إيعاد بالشر وتكذيب بالحق " فالتصديق من باب الخبر والإيعاد بالخير والشر من باب الطلب والإرادة . قال تعالى : { الشيطان يعدكم الفقر ويأمركم بالفحشاء والله يعدكم مغفرة منه وفضلا والله واسع عليم } .

فهذه حسنات العمل من الله عز وجل بهذين الاعتبارين .

" أحدهما " أنه يأمر بها ويحبها وإذا كانت خيرا فهو يصدقها ويخبر بها فهي من علمه وحكمه وهي أيضا من إلهامه لعبده وإنعامه عليه لم تكن بواسطة النفس والشيطان ; فاختصت بإضافتها إلى الله من جهة أنها من علمه وحكمه وأن النازل بها إلى العبد ملك كما اختص القرآن بأنه منه كلام وقرآن مسيلمة بأنه من الشيطان فإن ما يلقيه الله في قلوب المؤمنين من الإلهامات الصادقة العادلة هي من وحي الله وكذلك ما يريهم إياه في المنام قال عبادة بن الصامت : رؤيا المؤمن كلام يكلم به الرب عبده في منامه وقال عمر : اقتربوا من أفواه المطيعين واسمعوا منهم ما يقولون فإنهم يتجلى لهم أمور صادقة وقد قال تعالى : { وإذ أوحيت إلى الحواريين أن آمنوا بي وبرسولي } { وأوحينا إلى أم موسى } { وأوحينا إليه لتنبئنهم بأمرهم هذا } وقال : { فألهمها فجورها وتقواها } على قول الأكثرين وهو أن المراد أنه ألهم الفاجرة فجورها والتقية تقواها فالإلهام عنده هو البيان بالأدلة السمعية والعقلية .

وأهل السنة يقولون : كلا النوعين من الله هذا الهدى المشترك [ ص: 99 ] وذاك الهدى المختص وإن كان قد سماه إلهاما كما سماه هدى كما في قوله : { وأما ثمود فهديناهم فاستحبوا العمى على الهدى } وكذلك قد قيل في قوله : { وهديناه النجدين } أي بينا له طريق الخير والشر وهو هدى البيان العام المشترك . وقيل : هدينا المؤمن لطريق الخير والكافر لطريق الشر ; فعلى هذا يكون قد جعل الفجور هدى كما جعل أولئك البيان إلهاما .

وكذلك قوله { إنا هديناه السبيل إما شاكرا وإما كفورا } قيل هو الهدى المشترك وهو أنه بين له الطريق التي يجب سلوكها والطريق التي لا يجب سلوكها . وقيل بل هدى كلا من الطائفتين إلى ما سلكه من السبيل { إما شاكرا وإما كفورا } .

لكن تسمية هذا هدى قد يعتذر عنه بأنه هدى مقيد لا مطلق كما قال : { فبشرهم بعذاب أليم } وكما قال : { يؤمنون بالجبت والطاغوت } وأنه { يقول الحق } و { يأمر بالعدل } فهو موافق لقوله وأمره لعلمه وحكمه كما أن القرآن وسائر كلامه كذلك وباعتبار أنه أنعم على العبد بواسطة جنده بالملائكة .

ويقال لضد هذا - وهو الخطأ - هذا من الشيطان والنفس ; لأن الله لا يقوله ولا يأمر به ; ولأنه إنما ينكته في قلب الإنسان [ ص: 100 ] الشيطان ونفسه تقبله من الشيطان ; فإنه يزين لها الشيء فتطيعه فيه وليس كل ما كان من الشيطان يعاقب عليه العبد ; ولكن يفوته به نوع من الحسنات كالنسيان فإنه من الشيطان والاحتلام من الشيطان والنعاس عند الذكر والصلاة من الشيطان والصعق عند الذكر من الشيطان ولا إثم على العبد فيما غلب عليه إذا لم يكن ذلك بقصد منه أو بذنب .

فقوله : { إني على بينة من ربي } وشبهها مما تقدم ذكره : من هذا الباب وكذلك قوله : { ذلك بأن الذين كفروا اتبعوا الباطل وأن الذين آمنوا اتبعوا الحق من ربهم } فإن المؤمنين على تصديق ما أخبر الله به وفعل ما أمر الله ابتداء وتبليغا كالقرآن وقد قال : " إن الله أنزل الأمانة في جذر قلوب الرجال " فهي تنزل في قلوب المؤمنين من نوره وهداه وهذه حسنات دينية وعلوم دينية حق نافعة في الدنيا والآخرة وهو الإيمان الذي هو إفضال المنعم وهو أفضل النعم .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث