الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب
جزء التالي صفحة
السابق

[ ص: 266 ] سورة الحج وقال الشيخ رحمه الله فصل سورة الحج فيها مكي ومدني وليلي ونهاري وسفري وحضري وشتائي وصيفي ; وتضمنت منازل المسير إلى الله بحيث لا يكون منزلة ولا قاطع يقطع عنها . ويوجد فيها ذكر القلوب الأربعة : الأعمى والمريض والقاسي والمخبت الحي المطمئن إلى الله .

وفيها من التوحيد والحكم والمواعظ على اختصارها ما هو بين لمن تدبره وفيها ذكر الواجبات والمستحبات كلها توحيدا وصلاة وزكاة وحجا وصياما قد تضمن ذلك كله قوله تعالى { يا أيها الذين آمنوا اركعوا واسجدوا واعبدوا ربكم وافعلوا الخير لعلكم تفلحون } فيدخل في قوله : { وافعلوا الخير } كل واجب ومستحب ; فخصص في هذه الآية وعمم ثم قال : { وجاهدوا في الله حق جهاده } فهذه الآية وما بعدها : لم تترك خيرا إلا جمعته ولا شرا إلا نفته .

[ ص: 267 ] قال شيخ الإسلام قوله : { ومن الناس من يجادل في الله بغير علم ويتبع كل شيطان مريد } { كتب عليه أنه من تولاه } في أثناء آيات المعاد وعقبها بآية المعاد ثم أتبعه بقوله : { ومن الناس من يجادل في الله بغير علم ولا هدى ولا كتاب منير } { ثاني عطفه ليضل عن سبيل الله } إلى قوله : { ومن الناس من يعبد الله على حرف } فيه بيان حال المتكلمين وحال المتعبدين المجادلين بلا علم والعابدين بلا علم بل مع الشك لأن هذه السورة سورة الملة الإبراهيمية الذي جادل بعلم وعبد الله بعلم ولهذا ضمنت ذكر الحج وذكر الملل الست .

فقوله يجادل في الله بلا علم ذم لكل من جادل في الله بغير علم وهو دليل على أنه جائز بالعلم كما فعل إبراهيم بقومه وفي الأولى ذم المجادل بغير علم وفي الثانية بغير علم ولا هدى ولا كتاب منير .

وهذا والله أعلم من باب عطف الخاص على العام أو الانتقال من الأدنى إلى الأعلى ليبين أن الذي يجادل بالكتاب أعلاهم ثم بالهدى فالعلم اسم جامع ثم منه ما يعلم بالدليل القياسي فهو أدنى أقسامه فيخص [ ص: 268 ] باسم العلم ويفرد ما عداه باسمه الخاص ; فإما معلوم بالدليل القياسي وهو علم النظر وإما ما علم بالهداية الكشفية كما للمحدثين وللمتفرسين ولسائر المؤمنين وهو الهدى وإما ما نزل من عند الله من الكتب وهو أعلاها فأعلاها العلم المأثور عن الكتب ثم كشوف الأولياء ثم قياس المتكلمين وغيرهم من العلماء .

[ ص: 269 ] وقال في قوله تعالى { ومن الناس من يعبد الله على حرف فإن أصابه خير اطمأن به وإن أصابته فتنة انقلب على وجهه خسر الدنيا والآخرة ذلك هو الخسران المبين } { يدعو من دون الله ما لا يضره وما لا ينفعه ذلك هو الضلال البعيد } { يدعو لمن ضره أقرب من نفعه لبئس المولى ولبئس العشير } فإن آخر هذه الآية قد أشكل على كثير من الناس كما قال طائفة من المفسرين كالثعلبي والبغوي واللفظ للبغوي قال : هذه الآية من مشكلات القرآن وفيها أسئلة أولها : قالوا : قد قال الله تعالى في الآية الأولى : { يدعو من دون الله ما لا يضره } أي لا يضره ترك عبادته وقوله : { لمن ضره } أي ضر عبادته ; - قلت : هذا جواب .

وذكر صاحب الكشاف جوابا غير هذا : فقال : فإن قلت : الضر والنفع منتفيان عن الأصنام مثبتان لهما في الآيتين وهذا تناقض قلت : إذا حصل المعنى ذهب هذا الوهم : وذلك أن الله سفه الكافر بأنه يعبد جمادا لا يملك ضرا ولا نفعا وهو يعتقد فيه لجهله وضلاله [ ص: 270 ] أنه يستشفع به حين يستشفع به ; ثم قام يوم القيامة هذا الكافر بدعاء وصراخ حين رأى استضراره بالأصنام ودخوله النار بعبادتها ولا يرى أثر الشفاعة التي ادعاها لها : { لمن ضره أقرب من نفعه لبئس المولى ولبئس العشير } أو كرر يدعو كأنه قال : { يدعو من دون الله ما لا يضره وما لا ينفعه } ثم قال : { لمن ضره } بكونه معبودا { أقرب من نفعه } بكونه شفيعا { لبئس المولى } .

قلت : فقد جعل ضره بكونه معبودا وذكر تضرره بذلك : وفي الآخرة .

وقد قال السدي ما يتضمن الجوابين في تفسيره المعروف قال : { ما لا يضره } قال : لا يضره إن عصاه { وما لا ينفعه } قال : لا ينفعه الصنم إن أطاعه { يدعو لمن ضره } قال : ضره في الآخرة من أجل عبادته إياه في الدنيا .

قلت : وهذا الذي ذكر من الجواب : كلام صحيح لكن لم يبين فيه وجه نفي التناقض .

فنقول : قوله : { ما لا يضره وما لا ينفعه } هو نفي لكون المدعو المعبود من دون الله يملك نفعا أو ضرا وهذا يتناول كل ما سوى [ ص: 271 ] الله من الملائكة والبشر والجن والكواكب والأوثان كلها فإنما سوى الله لا يملك لا لنفسه ولا لغيره ضرا ولا نفعا . كما قال تعالى في سياق نهيه عن عبادة المسيح : { لقد كفر الذين قالوا إن الله هو المسيح ابن مريم وقال المسيح يا بني إسرائيل اعبدوا الله ربي وربكم إنه من يشرك بالله فقد حرم الله عليه الجنة ومأواه النار وما للظالمين من أنصار } { لقد كفر الذين قالوا إن الله ثالث ثلاثة وما من إله إلا إله واحد وإن لم ينتهوا عما يقولون ليمسن الذين كفروا منهم عذاب أليم } { أفلا يتوبون إلى الله ويستغفرونه والله غفور رحيم } { ما المسيح ابن مريم إلا رسول قد خلت من قبله الرسل وأمه صديقة كانا يأكلان الطعام انظر كيف نبين لهم الآيات ثم انظر أنى يؤفكون } { قل أتعبدون من دون الله ما لا يملك لكم ضرا ولا نفعا والله هو السميع العليم } وقد قال لخاتم الرسل : { قل لا أملك لنفسي نفعا ولا ضرا إلا ما شاء الله } وقال : { قل إني لا أملك لكم ضرا ولا رشدا } وقال على العموم : { ما يفتح الله للناس من رحمة فلا ممسك لها وما يمسك فلا مرسل له من بعده } وقال : { وإن يمسسك الله بضر فلا كاشف له إلا هو وإن يردك بخير فلا راد لفضله } وقال : { قل أفرأيتم ما تدعون من دون الله إن أرادني الله بضر هل هن كاشفات ضره أو أرادني برحمة هل هن ممسكات رحمته قل حسبي الله عليه يتوكل المتوكلون } وقال صاحب يس : { وما لي لا أعبد الذي فطرني وإليه ترجعون } { [ ص: 272 ] أأتخذ من دونه آلهة إن يردن الرحمن بضر لا تغن عني شفاعتهم شيئا ولا ينقذون } { إني إذا لفي ضلال مبين } { إني آمنت بربكم فاسمعون } .

وقوله : { يدعو من دون الله ما لا يضره وما لا ينفعه } نفي عام كما في قوله : { لا يملك لهم ضرا ولا نفعا } فهو لا يقدر أن يضر أحدا سواء عبده أو لم يعبده ولا ينفع أحدا سواء عبده أو لم يعبده ; وقول من قال : لا ينفع إن عبد ولا يضر إن لم يعبد بيان لانتفاء الرغبة والرهبة من جهته ; بخلاف الرب الذي يكرم عابديه ويرحمهم ويهين من لم يعبده ويعاقبه .

والتحقيق أنه لا ينفع ولا يضر مطلقا فإن الله سبحانه وسعت رحمته كل شيء وهو ينعم على كثير من خلقه وإن لم يعبدوه فنفعه للعباد لا يختص بعابديه وإن كان في هذا تفصيل ليس هذا موضعه وما دونه لا ينفع لا من عبده ولا من لم يعبده ; وهو سبحانه الضار النافع : قادر على أن يضر من يشاء وإن كان ما ينزله من الضر بعابديه هو رحمة في حقهم كما قال أيوب : { مسني الضر وأنت أرحم الراحمين } وقال تعالى : { وإن يمسسك الله بضر فلا كاشف له إلا هو } وقال أيضا لرسوله محمد صلى الله عليه وسلم { قل لا أملك لنفسي نفعا ولا ضرا إلا ما شاء الله } وقال تعالى : { والصابرين في البأساء والضراء وحين البأس } وهو سبحانه يحدث ما يحدثه من الضرر بمن لا يوصف بمعصية من الأطفال والمجانين والبهائم ; لما في ذلك من الحكمة والنعمة [ ص: 273 ] والرحمة كما هو مبسوط في غير هذا الموضع .

فإن المقصود هنا أن نفي الضر والنفع عمن سواه عام لا يجب أن يخص هذا بمن عبده وهذا بمن لم يعبده ; وإن كان هذا التخصيص حقا باعتبار صحيح ; وجواب من أجاب بأن معناه لا يضر ترك عبادته وضره بعبادته أقرب من نفعه مبني على هذا التخصيص .

وإذا كان كذلك فنقول : المنفي قدرة من سواه على الضر والنفع . وأما قوله : { ضره أقرب من نفعه } فنقول أولا : المنفي هو فعلهم بقوله : { ما لا يضره وما لا ينفعه } والمثبت اسم مضاف إليه فإنه لم يقل : يضر أعظم مما ينفع ; بل قال : { لمن ضره أقرب من نفعه } والشيء يضاف إلى الشيء بأدنى ملابسة فلا يجب أن يكون الضر والنفع المضافين من باب إضافة المصدر إلى الفاعل بل قد يضاف المصدر من جهة كونه اسما كما تضاف سائر الأسماء وقد يضاف إلى محله وزمانه ومكانه وسبب حدوثه وإن لم يكن فاعلا كقوله : { بل مكر الليل والنهار } ولا ريب أن بين المعبود من دون الله وبين ضرر عابديه تعلق يقتضي الإضافة كأنه قيل : لمن شره أقرب من خيره وخسارته أقرب من ربحه ; فتدبر هذا .

ولو جعل هو فاعل الضر بهذا لأنه سبب فيه لا لأنه هو الذي [ ص: 274 ] فعل الضرر وهذا كقول الخليل عن الأصنام : { رب إنهن أضللن كثيرا من الناس } فنسب الإضلال إليهن والإضلال هو ضرر لمن أضللنه وكذلك قوله : { وما زادوهم غير تتبيب } وهذا كما يقال : أهلك الناس الدرهم والدينار وأهلك النساء الأحمران الذهب والحرير ; وكما يقال للمحبوب المعشوق الذي تضر محبته وعشقه : إنه عذب هذا وأهلكه وأفسده وقتله وعثره ; وإن كان ذاك المحبوب قد لا يكون شاعرا بحال هذا ألبتة وكذلك يقال في المحسود ; إنه يعذب حاسديه وإن كان لا شعور له بهم .

وفي الصحيحين عن عمرو بن عوف عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : { والله ما الفقر أخشى عليكم ولكن أخاف أن تبسط عليكم الدنيا كما بسطت على من كان قبلكم فتتنافسوا فيها كما تنافسوا فيها وتهلككم كما أهلكتهم } فجعل الدنيا المبسوطة هي المهلكة لهم : وذلك بسبب حبها والحرص عليها والمنافسة فيها وإن كانت مفعولا بها لا اختيار لها فهكذا المدعو المعبود من دون الله الذي لم يأمر بعبادة نفسه : إما لكونه جمادا وإما لكونه عبدا مطيعا لله من الملائكة والأنبياء والصالحين من الإنس والجن فما يدعى من دون الله هو لا ينفع ولا يضر لكن هو السبب في دعاء الداعي له وعبادته إياه . وعبادة ذاك ودعاؤه هو الذي ضره فهذا الضر المضاف إليه غير الضر المنفي عنه [ ص: 275 ] فضرر العابد له بعبادته يحصل في الدنيا والآخرة .

وإن كان عذاب الآخرة أشد فالمشركون الذين عبدوا غير الله حصل لهم بسبب شركهم بهؤلاء من عذاب الله في الدنيا ما جعله الله عبرة لأولي الأبصار قال الله تعالى : { ذلك من أنباء القرى نقصه عليك منها قائم وحصيد } { وما ظلمناهم ولكن ظلموا أنفسهم فما أغنت عنهم آلهتهم التي يدعون من دون الله من شيء لما جاء أمر ربك وما زادوهم غير تتبيب } فبين أنهم لم تنفعهم بل ما زادتهم إلا شرا .

وقد قيل في هذا كما قيل في الضر . قيل : ما زادتهم عبادتها وقيل : إنها في القيامة تكون عونا عليهم فتزيدهم شرا وهذا كقوله : { واتخذوا من دون الله آلهة ليكونوا لهم عزا } { كلا سيكفرون بعبادتهم ويكونون عليهم ضدا } والتتبيب : عبر عنه الأكثرون : بأنه التخسير كقوله تعالى : { تبت يدا أبي لهب وتب } وقيل : التثبير والإهلاك وقيل : ما زادوهم إلا شرا ; وقوله : { فما أغنت عنهم آلهتهم التي يدعون من دون الله من شيء لما جاء أمر ربك وما زادوهم غير تتبيب } فعل ماض يدل على أن هذا كان في الدنيا ; وقد يقال : فالشر كله من جهتهم فلم قيل : فما زادوهم فيقال : بل عذبوا على كفرهم بالله ولو لم يعبدوهم فلما عبدوهم مع ذلك ازدادوا بذلك كفرا وعذابا فما زادوهم إلا خسارة وشرا ; ما زادوهم ربحا وخيرا .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث