الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

فصل إثبات صفات الكمال له طرق

[ ص: 356 ] فصل إثبات صفات الكمال له طرق . أحدها ما نبهنا عليه من أن الفعل مستلزم للقدرة ولغيرها . فمن النظار من يثبت أولا القدرة ومنهم من يثبت أولا العلم ومنهم من يثبت أولا الإرادة . وهذه طرق كثير من أهل الكلام .

وهذه يستدل عليها بجنس الفعل وهي طريقة من لا يميز بين مفعول ومفعول كجهم بن صفوان ومن اتبعه .

وهؤلاء لا يثبتون حكمة ولا رحمة إذ كان جنس الفعل لا يستلزم ذلك . لكن هم أثبتوا بالفعل المحكم المتقن العلم . وكذلك تثبت بالفعل النافع الرحمة وبالغايات المحمودة الحكمة .

ولكن هم متناقضون في الاستدلال بالإحكام والإتقان على العلم إذ كان ذلك إنما يدل إذا كان فاعلا لغاية يقصدها . وهم يقولون إنه يفعل لا لحكمة ثم يستدلون بالإحكام على العلم وهو تناقض .

كما تناقضوا في المعجزات حيث جعلوها دالة على صدق النبي إما [ ص: 357 ] للعلم الضروري بذلك ; وإما لكونه لو لم تدل لزم العجز . وهي إنما تدل إذا كان الفاعل يقصد إظهارها ليدل بها على صدق الأنبياء . فإذا قالوا إنه لا يفعل شيئا لشيء تناقضوا .

وأما الطريق الأخرى في إثبات الصفات [ و ] هي الاستدلال بالأثر على المؤثر وأن من فعل الكامل فهو أحق بالكمال .

والثالثة طريقة قياس الأولى وهي الترجيح والتفضيل وهو أن الكمال إذا ثبت للمحدث الممكن المخلوق فهو للواجب القديم الخالق أولى .

والقرآن يستدل بهذه وهذه وهذه .

فالاستدلال بالأثر على المؤثر أكمل كقوله تعالى { وقالوا من أشد منا قوة } قال الله تعالى { أولم يروا أن الله الذي خلقهم هو أشد منهم قوة

} وهكذا كل ما في المخلوقات من قوة وشدة تدل على أن الله أقوى وأشد وما فيها من علم يدل على أن الله أعلم وما فيها من علم وحياة يدل على أن الله أولى بالعلم والحياة .

[ ص: 358 ] وهذه طريقة يقر بها عامة العقلاء حتى الفلاسفة يقولون : كل كمال في المعلول فهو من العلة .

وأما الاستدلال بطريق الأولى فكقوله { ولله المثل الأعلى } ومثل قوله : { ضرب لكم مثلا من أنفسكم هل لكم من ما ملكت أيمانكم من شركاء في ما رزقناكم فأنتم فيه سواء تخافونهم كخيفتكم أنفسكم } وأمثال ذلك مما يدل على أن كل كمال لا نقص فيه يثبت للمحدث المخلوق الممكن فهو للقديم الواجب الخالق أولى من جهة أنه أحق بالكمال لأنه أفضل .

وذاك من جهة أنه هو جعله كاملا وأعطاه تلك الصفات .

واسمه " العلي " يفسر بهذين المعنيين يفسر بأنه أعلى من غيره قدرا فهو أحق بصفات الكمال ; ويفسر بأنه العالي عليهم بالقهر والغلبة فيعود إلى أنه القادر عليهم وهم المقدورون . وهذا يتضمن كونه خالقا لهم وربا لهم .

وكلاهما يتضمن أنه نفسه فوق كل شيء فلا شيء فوقه كما قال النبي صلى الله عليه وسلم { أنت الأول فليس قبلك شيء وأنت الآخر فليس بعدك شيء . وأنت الظاهر فليس فوقك شيء وأنت الباطن فليس دونك شيء } [ ص: 359 ] فلا يكون شيء قبله ولا بعده ولا فوقه ولا دونه كما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم وأثنى به على ربه . وإلا فلو قدر أنه تحت بعض المخلوقات كان ذلك نقصا وكان ذلك أعلى منه .

وإن قيل : إنه لا داخل العالم ولا خارجه كان ذلك تعطيلا له فهو منزه عن هذا .

وهذا هو العلي الأعلى مع أن لفظ " العلي " و " العلو " لم يستعمل في القرآن عند الإطلاق إلا في هذا وهو مستلزم لذينك لم يستعمل في مجرد القدرة ولا في مجرد الفضيلة .

ولفظ " العلو " يتضمن الاستعلاء وغير ذلك من الأفعال إذا عدي بحرف الاستعلاء دل على العلو كقوله { ثم استوى على العرش } فهو يدل على علوه على العرش .

والسلف فسروا " الاستواء " بما يتضمن الارتفاع فوق العرش كما ذكره البخاري في صحيحه عن أبي العالية في قوله { ثم استوى } قال : ارتفع . وكذلك رواه ابن أبي حاتم وغيره بأسانيدهم رواه من حديث آدم بن أبي إياس عن أبي جعفر عن أبي الربيع عن أبي العالية : { ثم استوى } قال : ارتفع .

[ ص: 360 ] وقال البخاري : وقال مجاهد في قوله { ثم استوى على العرش } علا على العرش . ولكن يقال : " علا على كذا " و " علا عن كذا " وهذا الثاني جاء في القرآن في مواضع لكن بلفظ " تعالى " كقوله { سبحانه وتعالى عما يقولون علوا كبيرا } { عالم الغيب والشهادة فتعالى عما يشركون } وبسط هذا له موضع آخر .

والمقصود هنا أن كل واحد من ذكر أنه خلق وأنه الأكرم الذي علم بالقلم يدل على هاتين الطريقتين من إثبات الصفات كما دلنا على الطريقة الأولى طريقة الاستدلال بالفعل .

فإن قوله { الأكرم } يقتضي أنه أفضل من غيره في الكرم والكرم اسم جامع لجميع المحاسن . فيقتضي أنه أحق بجميع المحامد والمحامد هي صفات الكمال فيقتضي أنه أحق بالإحسان إلى الخلق والرحمة وأحق بالحكمة وأحق بالقدرة والعلم والحياة وغير ذلك .

وكذلك قوله { خلق } . فإن الخالق قديم أزلي مستغن بنفسه واجب الوجود بنفسه قيوم . ومعلوم أنه أحق بصفات الكمال من المخلوق المحدث الممكن .

فهذا من جهة قياس الأولى . ومن جهة الأثر فإن الخالق لغيره [ ص: 361 ] الذي جعله حيا عالما قادرا سميعا بصيرا هو أولى بأن يكون حيا عالما قديرا سميعا بصيرا .

و { الأكرم } { الذي علم بالقلم } { علم الإنسان ما لم يعلم } . فجعله عليما والعليم لا يكون إلا حيا . وكرمه أيضا أن يكون قديرا سميعا بصيرا . والأكرم الذي جعل غيره عليما هو أولى أن يكون عليما . وكذلك في سائر صفات الكمال والمحامد .

فهذا استدلال بالمخلوق الخاص والأول استدلال بجنس الخلق . ولهذا دل هذا على ثبوت الصفات بالضرورة من غير تكلف وكذلك طريقة التفضيل والأولى وأن يكون الرب أولى بالكمال من المخلوق .

وهذه الطرق لظهورها يسلكها غير المسلمين من أهل الملل وغيرهم كالنصارى فإنهم أثبتوا أن الله قائم بنفسه حتى يتكلم بهذه الطريق لكن سموه " جوهرا " وضلوا في جعل الصفات ثلاثة وهي الأقانيم .

فقالوا : وجدنا الأشياء تنقسم إلى جوهر وغير جوهر والجوهر أعلى النوعين فقلنا : هو جوهر . ثم وجدنا الجوهر ينقسم إلى حي وغير حي ووجدنا الحي أكمل فقلنا : هو حي . ووجدنا الحي ينقسم إلى ناطق وغير ناطق فقلنا : هو ناطق .

[ ص: 362 ] وكذلك يقال لهم في سائر صفات الكمال : إن الأشياء تنقسم إلى قادر وغير قادر والقادر أكمل . وقد بسط ما في كلامهم من صواب وخطأ في الكتاب الذي سميناه " الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح " .

والمقصود هنا التنبيه على دلالة هذه الآية وهذه الآيات التي هي أول ما نزل على أصول الدين .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث