الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب
جزء التالي صفحة
السابق

[ ص: 5 ] بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله وحده والصلاة والسلام على من لا نبي بعده . سورة الإخلاص سئل شيخ الإسلام تقي الدين أبو العباس أحمد ابن تيمية رضي الله عنه عما ورد في سورة { قل هو الله أحد } أنها تعدل ثلث القرآن وكذلك ورد في سورة ( الزلزلة و { قل يا أيها الكافرون } و ( الفاتحة هل ما ورد في هذه المعادلة ثابت في المجموع أم في البعض ؟ ومن روى ذلك ؟ وما ثبت من ذلك ؟ وما معنى هذه المعادلة وكلام الله واحد بالنسبة إليه عز وجل ؟ وهل هذه المفاضلة - بتقدير [ ص: 6 ] ثبوتها - متعدية إلى الأسماء والصفات أم لا ؟ والصفات القديمة والأسماء القديمة هل يجوز المفاضلة بينها مع أنها قديمة ؟ ومن القائل بذلك وفي أي كتبه قال ذلك ووجه الترجيح في ذلك بما يمكن من دليل عقلي ونقلي ؟

التالي السابق


ولهذا تنازع أهل السنة والحديث في التلاوة والقرآن هل هي القرآن المتلو أم لا ؟ وقد تفطن ابن قتيبة وغيره لما يناسب هذا المعنى وتكلم عليه وسبب الاشتباه أن المتلو هو القرآن نفسه الذي هو الكلام والتلاوة قد يراد بها هذا وقد يراد بها نفس حركة التالي [ ص: 35 ] وفعله وقد يراد بها الأمران جميعا فمن قال : التلاوة هي المتلو أراد بالتلاوة نفس القرآن المسموع وذلك هو المتلو ومن قال غيره أراد بالتلاوة حركة العبد وفعله وتلك ليست هي القرآن ومن نهى عن أن يقال التلاوة هي المتلو أو غير المتلو فلأن لفظ التلاوة يجمع الأمرين كما نهى الإمام أحمد وغيره عن أن يقال : لفظي بالقرآن مخلوق أو غير مخلوق ; لأن اللفظ يراد به الملفوظ نفسه الذي هو كلام الله ويراد به مصدر لفظ يلفظ لفظا وهو فعل العبد وأطلق قوم من أهل الحديث أن لفظي بالقرآن غير مخلوق وأطلق ناس آخرون أن لفظي به مخلوق قال ابن قتيبة : لم يتنازع أهل الحديث في شيء من أقوالهم إلا في مسألة اللفظ وهذا كان تنازع أهل الحديث والسنة الذين كانوا في زمن أحمد بن حنبل وأصحابه الذين أدركوه . ثم جاء بعد هؤلاء طائفة قالوا : التلاوة غير المتلو وأرادوا بالتلاوة نفس كلام الله العربي الذي هو القرآن وأرادوا بالمتلو معنى واحدا قائما بذات الله .

وقال آخرون : التلاوة هي المتلو وأرادوا بالتلاوة نفس الأصوات المسموعة من القرآن جعلوا ما سمع من الأصوات هو نفس الكلام الذي ليس بمخلوق ولم يميزوا بين سماع الكلام من المتكلم وبين سماعه من المبلغ له عنه فزاد كل من هؤلاء وهؤلاء من البدع ما لم يكن يقوله أحد من أهل السنة والعلم فلم يكن من أهل [ ص: 36 ] السنة من يقول : إن القرآن العربي ليس هو كلام الله ولا يجعل المتلو مجرد معنى ولا كان فيهم من يقول : إن أصوات العباد - وغيرها من خصائصهم - غير مخلوق بل هم كلهم متفقون على أن القرآن المتلو هو القرآن العربي الذي نزله روح القدس من الله بالحق وهو كلام الله الذي تكلم به . ولكن تنازعوا في تلاوة العباد له : هل هي القرآن نفسه أم هي الفعل الذي يقرأ به القرآن ؟ . والتحقيق أن لفظ " التلاوة " يراد به هذا وهذا ولفظ " القرآن " يراد به المصدر ويراد به الكلام قال الله تعالى : { إن علينا جمعه وقرآنه } { فإذا قرأناه فاتبع قرآنه } { ثم إن علينا بيانه } وفي الصحيحين عن ابن عباس قال : إن علينا أن نجمعه في قلبك وتقرأه بلسانك . وقال أهل العربية : يقال قرأت الكتاب قراءة وقرآنا ومنه قول حسان :

ضحوا بأشمط عنوان السجود به يقطع الليل تسبيحا وقرآنا

وقد قال تعالى : { فإذا قرأت القرآن فاستعذ بالله من الشيطان الرجيم } وقال تعالى : { وإذا قرأت القرآن جعلنا بينك وبين الذين لا يؤمنون بالآخرة حجابا مستورا } وقال تعالى : { وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له وأنصتوا } وهم إنما يستمعون الكلام نفسه ولا يستمعون [ ص: 37 ] مسمى المصدر الذي هو الفعل فإن ذلك لا يسمع فقوله { نحن نقص عليك أحسن القصص } من هذا الباب من باب نقرأ عليك أحسن القصص ونتلو عليك أحسن القصص كما قال تعالى : { نتلوا عليك من نبإ موسى وفرعون بالحق } وقال : { فإذا قرأناه } قال ابن عباس أي قراءة جبريل { فاتبع قرآنه } فاستمع له حتى يقضي قراءته .

والمشهور في قوله { وإذا قرأت القرآن } أنه منصوب على المفعول به فكذلك أحسن القصص لكن في كلاهما معنى المصدر أيضا كما تقدم ففيه معنى المفعول به ومعنى المصدر جميعا وقد يغلب هذا كما في قوله { إن علينا جمعه وقرآنه } فالمراد هنا نفس مسمى المصدر وقد يغلب هذا تارة كما في قوله : { فاستمعوا له وأنصتوا } وقوله : { قل لئن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله } وقوله : { إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم } وغالب ما يذكر لفظ " القرآن " إنما يراد به نفس الكلام لا يراد به التكلم بالكلام الذي هو مسمى المصدر . ومثل هذا كثير في اللغة يكون أمران متلازمان إما دائما وإما غالبا فيطلق الاسم عليهما ويغلب هذا تارة وهذا تارة وقد يقع على أحدهما مفردا كلفظ " النهر " و " القرية " و " الميزاب " ونحو ذلك مما فيه حال ومحل فالاسم يتناول مجرى الماء والماء الجاري وكذلك لفظ [ ص: 38 ] القرية يتناول المساكن والسكان ثم تقول : حفر النهر فالمراد به المجرى وتقول جرى النهر فالمراد به الماء وتقول جرى الميزاب تعني الماء ونصب الميزاب تعني الخشب .

وقال تعالى { وضرب الله مثلا قرية كانت آمنة مطمئنة يأتيها رزقها رغدا من كل مكان فكفرت بأنعم الله فأذاقها الله لباس الجوع } والمراد السكان في المكان وقال تعالى { وكم من قرية أهلكناها فجاءها بأسنا بياتا أو هم قائلون } وقال تعالى { واسأل القرية التي كنا فيها والعير التي أقبلنا فيها } وقال تعالى : { وتلك القرى أهلكناهم لما ظلموا } وقال تعالى { وكذلك أخذ ربك إذا أخذ القرى وهي ظالمة } وقال تعالى : { لتنذر أم القرى ومن حولها } وقال تعالى : { فكأين من قرية أهلكناها وهي ظالمة فهي خاوية على عروشها وبئر معطلة وقصر مشيد } والخاوي على عروشه المكان لا السكان وقال تعالى : { أو كالذي مر على قرية وهي خاوية على عروشها } لما كان المقصود بالقرية هم السكان كان إرادتهم أكثر في كتاب الله وكذلك لفظ النهر لما كان المقصود هو الماء كان إرادته أكثر كقوله : { وجعلنا الأنهار تجري من تحتهم } وقوله : { وفجرنا خلالهما نهرا } فهذا كثير أكثر من قولهم حفرنا النهر . وكذلك إطلاق لفظ القرآن على نفس الكلام أكثر من إطلاقه على نفس التكلم . وكذلك لفظ الكلام والقول والقصص وسائر أنواع [ ص: 39 ] الكلام يراد بها نفس الكلام أكثر مما يراد بها فعل المتكلم وهذه الأمور لبسطها موضع آخر .

تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث