الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


[ ص: 5 ] بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله وحده والصلاة والسلام على من لا نبي بعده . سورة الإخلاص سئل شيخ الإسلام تقي الدين أبو العباس أحمد ابن تيمية رضي الله عنه عما ورد في سورة { قل هو الله أحد } أنها تعدل ثلث القرآن وكذلك ورد في سورة ( الزلزلة و { قل يا أيها الكافرون } و ( الفاتحة هل ما ورد في هذه المعادلة ثابت في المجموع أم في البعض ؟ ومن روى ذلك ؟ وما ثبت من ذلك ؟ وما معنى هذه المعادلة وكلام الله واحد بالنسبة إليه عز وجل ؟ وهل هذه المفاضلة - بتقدير [ ص: 6 ] ثبوتها - متعدية إلى الأسماء والصفات أم لا ؟ والصفات القديمة والأسماء القديمة هل يجوز المفاضلة بينها مع أنها قديمة ؟ ومن القائل بذلك وفي أي كتبه قال ذلك ووجه الترجيح في ذلك بما يمكن من دليل عقلي ونقلي ؟

التالي السابق


فأجاب رضي الله عنه الحمد لله . أما الذي أخرجه أصحاب الصحيح - كالبخاري ومسلم - فأخرجوا فضل ( { قل هو الله أحد } وروي عن الدارقطني أنه قال : لم يصح في فضل سورة أكثر مما صح في فضلها . وكذلك أخرجوا فضل ( فاتحة الكتاب قال صلى الله عليه وسلم فيها { إنه لم ينزل في التوراة ولا في الإنجيل ولا في القرآن مثلها } لم يذكر فيها أنها تعدل جزءا من القرآن كما { قال في { قل هو الله أحد } إنها تعدل ثلث القرآن } ففي صحيح البخاري عن الضحاك المشرقي عن أبي سعيد الخدري قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأصحابه : { أيعجز أحدكم أن يقرأ بثلث القرآن في ليلة ؟ فشق ذلك عليهم وقالوا : أينا يطيق ذلك يا رسول الله ؟ قال الله الواحد الصمد ثلث القرآن } . وفي صحيح مسلم عن معدان بن أبي طلحة عن أبي الدرداء عن { النبي صلى الله عليه وسلم قال أيعجز أحدكم أن يقرأ في ليلة ثلث القرآن ؟ [ ص: 7 ] قالوا : وكيف يقرأ ثلث القرآن ؟ قال { قل هو الله أحد } تعدل ثلث القرآن } . وروى مسلم أيضا عن أبي الدرداء عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : { إن الله جزأ القرآن ثلاثة أجزاء فجعل { قل هو الله أحد } جزءا من أجزاء القرآن } . وفي صحيح البخاري عن عبد الرحمن بن عبد الله بن أبي صعصعة عن { أبي سعيد أن رجلا سمع رجلا يقرأ { قل هو الله أحد } يرددها فلما أصبح جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فذكر ذلك له وكان الرجل يتقالها فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم والذي نفسي بيده إنها لتعدل ثلث القرآن } . وأخرج عن أبي سعيد قال : أخبرني أخي قتادة بن النعمان { أن رجلا قام في زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأ من السحر { قل هو الله أحد } لا يزيد عليها . . الحديث } بنحوه .

وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة قال : { قال رسول الله صلى الله عليه وسلم احشدوا فإني سأقرأ عليكم ثلث القرآن قال : فحشد من حشد ثم خرج نبي الله صلى الله عليه وسلم فقرأ { قل هو الله أحد } ثم دخل فقال بعضنا لبعض : إني أرى هذا خبرا جاءه من السماء فذاك الذي أدخله . ثم خرج نبي الله صلى الله عليه وسلم فقال إني قلت لكم سأقرأ عليكم ثلث القرآن ألا إنها تعدل ثلث القرآن } وفي لفظ له { قال : خرج علينا رسول الله [ ص: 8 ] صلى الله عليه وسلم فقال أقرأ عليكم ثلث القرآن فقرأ { قل هو الله أحد } { الله الصمد } حتى ختمها . } وأما حديث " الزلزلة " و ( { قل يا أيها الكافرون } فروى الترمذي عن أنس بن مالك قال : { قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من قرأ إذا زلزلت عدلت له نصف القرآن . ومن قرأ قل يا أيها الكافرون عدلت له ربع القرآن } . وعن ابن عباس قال : { قال رسول الله صلى الله عليه وسلم { إذا زلزلت } تعدل نصف القرآن و { قل يا أيها الكافرون } تعدل ربع القرآن } رواهما الترمذي وقال عن كل منهما : غريب . وأما حديث ( الفاتحة فروى البخاري في صحيحه { عن أبي سعيد ابن المعلى قال : كنت أصلي في المسجد فدعاني رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم أجبه فقلت : يا رسول الله إني كنت أصلي . قال ألم يقل الله : { استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم } ثم قال لأعلمنك سورة هي أعظم سورة في القرآن قال { الحمد لله رب العالمين } هي السبع المثاني والقرآن العظيم } . وفي السنن والمسانيد من حديث العلاء بن عبد الرحمن عن أبيه عن أبي هريرة { أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لأبي بن كعب ألا أعلمك سورة ما أنزل في التوراة ولا في الإنجيل ولا في الزبور ولا في الفرقان مثلها - قال - فإني أرجو [ ص: 9 ] أن لا تخرج من هذا الباب حتى تعلمها وقال فيه كيف تقرأ في الصلاة ؟ فقرأت عليه أم القرآن فقال والذي نفسي بيده ما أنزل في التوراة ولا في الإنجيل ولا في الزبور ولا في القرآن مثلها إنها السبع المثاني والقرآن العظيم الذي أعطيته } . ورواه مالك في الموطأ عن العلاء بن عبد الرحمن عن أبي سعيد مولى عامر بن كريز مرسلا .

وفي صحيح مسلم عن عقبة بن عامر قال : { قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ألم تر آيات أنزلت الليلة لم ير مثلهن قط { قل أعوذ برب الفلق } و { قل أعوذ برب الناس } } . وفي لفظ : { قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم أنزل علي آيات لم ير مثلهن قط المعوذتان } فقد أخبر في هذا الحديث الصحيح أنه لم ير مثل المعوذتين كما أخبر أنه لم ينزل في التوراة ولا في الإنجيل ولا في الزبور ولا في القرآن مثل الفاتحة وهذا مما يبين فضل بعض القرآن على بعض .



فصل وأما السؤال عن معنى هذه المعادلة مع الاشتراك في كون الجميع كلام الله فهذا السؤال يتضمن شيئين : أحدهما : أن كلام الله هل بعضه أفضل من بعض أم لا ؟ والثاني : ما معنى كون ( { قل هو الله أحد } تعدل ثلث القرآن ؟ وما سبب ذلك ؟ [ ص: 10 ] فنقول : أما الأول فهو " مسألة كبيرة " والناس متنازعون فيها نزاعا منتشرا فطوائف يقولون : بعض كلام الله أفضل من بعض كما نطقت به النصوص النبوية : حيث أخبر عن ( الفاتحة أنه لم ينزل في الكتب الثلاثة مثلها . وأخبر عن سورة ( الإخلاص أنها تعدل ثلث القرآن وعدلها لثلثه يمنع مساواتها لمقدارها في الحروف . وجعل ( آية الكرسي أعظم آية في القرآن كما ثبت ذلك في الصحيح أيضا وكما ثبت ذلك في صحيح مسلم أن { النبي صلى الله عليه وسلم قال لأبي بن كعب يا أبا المنذر أتدري أي آية في كتاب الله معك أعظم ؟ قال : قلت : الله ورسوله أعلم . قال : يا أبا المنذر أتدري أي آية من كتاب الله أعظم ؟ قال : فقلت : { الله لا إله إلا هو الحي القيوم } قال : فضرب في صدري وقال : ليهنك العلم أبا المنذر } .

ورواه ابن أبي شيبة في مسنده بإسناد مسلم وزاد فيه { والذي نفسي بيده إن لهذه الآية لسانا وشفتين تقدس الملك عند ساق العرش } . وروي أنها { سيدة آي القرآن . } وقال في المعوذتين : { لم ير مثلهن قط } وقد قال تعالى { ما ننسخ من آية أو ننسها نأت بخير منها أو مثلها } فأخبر أنه يأتي بخير منها أو مثلها . وهذا بيان من الله لكون تلك الآية قد يأتي بمثلها تارة أو خير منها أخرى فدل ذلك على أن [ ص: 11 ] الآيات تتماثل تارة وتتفاضل أخرى . وأيضا فالتوراة والإنجيل والقرآن جميعها كلام الله مع علم المسلمين بأن القرآن أفضل الكتب الثلاثة . قال تعالى : { وأنزلنا إليك الكتاب بالحق مصدقا لما بين يديه من الكتاب ومهيمنا عليه } . وقال تعالى : { إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون } وقال تعالى : { قل لئن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا } وقال تعالى : { الله نزل أحسن الحديث كتابا متشابها مثاني تقشعر منه جلود الذين يخشون ربهم ثم تلين جلودهم وقلوبهم إلى ذكر الله } فأخبر أنه أحسن الحديث فدل على أنه أحسن من سائر الأحاديث المنزلة من عند الله وغير المنزلة . وقال تعالى { ولقد آتيناك سبعا من المثاني والقرآن العظيم } . وسواء كان المراد بذلك الفاتحة أو القرآن كله فإنه يدل على أن القرآن العظيم له اختصاص بهذا الوصف على ما ليس كذلك .

وقد سمى الله القرآن كله مجيدا وكريما وعزيزا . وقد تحدى الخلق بأن يأتوا بمثله أو بمثل عشر سور منه أو بمثل سورة منه فقال : { فليأتوا بحديث مثله إن كانوا صادقين } . وقال { فأتوا بعشر سور مثله مفتريات } . وقال : { فأتوا بسورة من مثله } وخصه بأنه لا يقرأ في الصلاة إلا هو فليس لأحد أن يقرأ غيره مع قراءته ولا بدون قراءته ولا يصلي بلا قرآن فلا يقوم غيره [ ص: 12 ] مقامه مع القدرة عليه . وكذلك لا يقوم غير الفاتحة مقامها من كل وجه باتفاق المسلمين سواء قيل بأنها فرض تعاد الصلاة بتركها أو قيل بأنها واجبة يأثم تاركها ولا إعادة عليه أو قيل إنها سنة فلم يقل أحد إن قراءة غيرها مساو لقراءتها من كل وجه . وخص القرآن بأنه لا يمس مصحفه إلا طاهر كما ثبت ذلك عن الصحابة - مثل سعد وسلمان وابن عمر - وجماهير السلف والخلف الفقهاء الأربعة وغيرهم . ومضت به سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم في كتابه الذي كتبه لعمرو بن حزم الذي لا ريب في أنه كتبه له ودل على ذلك كتاب الله . وكذلك لا يقرأ الجنب القرآن عند جماهير العلماء الفقهاء الأربعة وغيرهم كما دلت على ذلك السنة . وتفضيل أحد الكلامين بأحكام توجب تشريفه يدل على أنه أفضل في نفسه وإن كان ذلك ترجيحا لأحد المتماثلين بلا مرجح وهذا خلاف ما علم من سنة الرب تعالى في شرعه بل وفي خلقه وخلاف ما تدل عليه الدلائل العقلية مع الشرعية . وأيضا فقد قال تعالى : { واتبعوا أحسن ما أنزل إليكم من ربكم } وقال تعالى : { فبشر عبادي } { الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه } وقال تعالى : { فخذها بقوة وأمر قومك يأخذوا بأحسنها } . فدل على [ ص: 13 ] أن فيما أنزل حسن وأحسن سواء كان الأحسن هو والناسخ الذي يجب الأخذ به دون المنسوخ إذ كان لا ينسخ آية إلا يأتي بخير منها أو مثلها أو كان غير ذلك .

والقول بأن كلام الله بعضه أفضل من بعض هو القول المأثور عن السلف وهو الذي عليه أئمة الفقهاء من الطوائف الأربعة وغيرهم وكلام القائلين بذلك كثير منتشر في كتب كثيرة مثل ما سيأتي ذكره عن أبي العباس ابن سريج في تفسيره لهذا الحديث بأن الله أنزل القرآن على ثلاثة أقسام : ثلث منه أحكام وثلث منه وعد ووعيد وثلث منه الأسماء والصفات . وهذه السورة جمعت الأسماء والصفات . ومثل ما ذكره أصحاب الشافعي وأحمد في مسألة تعيين الفاتحة في الصلاة قال أبو المظفر منصور بن محمد السمعاني الشافعي في كتابه " الاصطلام " وأما قولهم : إن سائر الأحكام المتعلقة بالقرآن لا تختص بالفاتحة قلت : سائر الأحكام قد تعلقت بالقرآن على العموم وهذا على الخصوص بدليل أن عندنا قراءة الفاتحة على التعيين مشروعة على الوجوب وعندكم على السنة . قال : وقد قال أصحابنا إن قراءة الفاتحة لما وجبت في الصلاة وجب أن تتعين الفاتحة لأن القرآن امتاز عن غيره بالإعجاز وأقل ما يحصل به الإعجاز سورة وهذه السورة أشرف السور لأنها السبع المثاني ولأنها تصلح عوضا عن جميع السور ولا [ ص: 14 ] تصلح جميع السور عوضا عنها ولأنها تشتمل على ما لا تشتمل سورة ما على قدرها من الآيات وذلك من الثناء والتحميد للرب والاستعانة والاستعاذة والدعاء من العبد . فإذا صارت هذه السورة أشرف السور وكانت الصلاة أشرف الحالات فتعينت أشرف السور في أشرف الحالات . هذا لفظه فقد نقل عن أصحاب الشافعي أن هذه السورة أشرف السور كما أن الصلاة أشرف الحالات وبينوا من شرفها على غيرها ما ذكروه . وكذلك ذكر ذلك من ذكره من أصحاب أحمد كالقاضي أبي يعلى بن القاضي أبي حازم بن القاضي أبي يعلى بن الفراء قال في تعليقه - ومن خطه نقلت - قال في مسألة كون قراءة الفاتحة ركنا في الصلاة : أما الطريق المعتمد في المسألة فهو أنا نقول : الصلاة أشرف العبادات وجبت فيها القراءة فوجب أن يتعين لها أشرف السور والفاتحة أشرف السور فوجب أن تتعين .

قال : واعلم أنا نحتاج في تمهيد هذه الطريقة إلى شيئين : أحدهما : أن الصلاة أشرف العبادات والثاني : أن الحمد أشرف السور . واستدل على ذلك بما ذكره قال : وأما الدليل على أن فاتحة الكتاب أشرف فالنص والمعنى والحكم : أما النص فما تقدم من أنها عوض من غيرها . وعن أبي سعيد [ ص: 15 ] الخدري عن { النبي صلى الله عليه وسلم قال : فاتحة الكتاب شفاء من السم } . وقال الحسن البصري : أنزل الله مائة كتاب وأربعة كتب من السماء أودع علومها أربعة منها : التوراة والإنجيل والزبور والفرقان ثم أودع علوم هذه الأربعة الفرقان ثم أودع علوم القرآن المفصل ثم أودع علوم المفصل فاتحة الكتاب . فمن علم تفسيرها كان كمن علم تفسير جميع كتب الله المنزلة ومن قرأها فكأنما قرأ التوراة والإنجيل والزبور والقرآن . وأما المعنى فهو أن الله قابلها بجميع القرآن فقال : { ولقد آتيناك سبعا من المثاني والقرآن العظيم } . وهذه حقيقة لا يدانيها غيرها فيها قلت : هذا على قول من جعلها هي السبع المثاني وجعل القرآن العظيم جميع القرآن . قال : ولأنها تسمى " أم القرآن " وأم الشيء أصله ومادته ولهذا سمى الله مكة " أم القرى " لشرفها عليهن . ولأنها السبع المثاني ولأنها تشتمل على ما لا تشتمل عليه سورة من الثناء والتحميد للرب تعالى والاستعانة به والاستعاذة والدعاء من العبد على ما { قال النبي صلى الله عليه وسلم يقول الله تعالى : قسمت الصلاة بيني وبين عبدي } الحديث المشهور . قال : ولأنه لم ينزل مثلها في التوراة ولا في الإنجيل ولا في الزبور ولا في شيء من الكتب يدل عليه أنها تيسر قراءتها على كل أحد ما لا يتيسر غيرها من القرآن . [ ص: 16 ] وتضرب بها الأمثال ولهذا يقال : فلان يحفظ الشيء مثل الفاتحة وإذا كانت بهذه المثابة فغيرها لا يساويها في هذا فاختصت بالشرف ولأنها السبع المثاني قال أهل التفسير : معنى ذلك أنها تثنى قراءتها في كل ركعة . قال بعضهم : ثني نزولها على النبي صلى الله عليه وسلم قلت : وفيه أقوال أخر . قال : وأما الحكم فلأنه تستحب قراءتها في كل ركعة ويكره الإخلال بها ولولا أنها أشرف لما اختصت بهذا المعنى يدل عليه أن عند المنازعين - يعني أصحاب أبي حنيفة - أن من أخل بقراءتها وجب عليه سجود السهو .

فنقول : لا يخلو إما أن تكون ركنا أو ليست بركن فإن كانت ركنا وجب أن لا تجبر بالسجود وإن لم تكن ركنا وجب أن لا يجب عليه سجود . قلت : يعني بذلك أن السجود لا يجب إلا بترك واجب في حال العمد فإذا سها عنه وجب له السجود وما كان واجبا فإذا تعمد تركه وجب أن تبطل صلاته لأنه لم يفعل ما أمر به بخلاف من سها عن بعض الواجبات فإن هذا يمكن أن يجبر ما تركه بسجود السهو . ومذهب مالك وأحمد وأبي حنيفة أن سجود السهو واجب لأن من الواجبات عندهم ما إذا تركه سهوا لم تبطل الصلاة . كما لا تبطل بالزيادة سهوا باتفاق العلماء ولو زاد عمدا لبطلت الصلاة . لكن مالكا وأحمد في المشهور عنهما يقولان : [ ص: 17 ] ما كان واجبا إذا تركه عمدا بطلت صلاته وإذا تركه سهوا فمنه ما يبطل الصلاة ومنه ما ينجبر بسجود السهو فترك الركوع والسجود والقراءة يبطل الصلاة مطلقا وترك التشهد الأول عندهما يبطل الصلاة عمده ويجب السجود لسهوه . وأما أبو حنيفة فيقول : الواجب الذي ليس بفرض - كالفاتحة - إذا تركه كان مسيئا ولا يبطل الصلاة . والشافعي لا يفرق في الصلاة بين الركن والواجب . ولكن فرق بينهما في الحج هو وسائر الأئمة . والمقصود هنا ذكر بعض من قال إن الفاتحة أشرف من غيرها . وقال أبو عمر بن عبد البر : وأما { قول النبي صلى الله عليه وسلم لأبي . هل تعلم سورة ما أنزل الله لا في التوراة ولا في الإنجيل ولا في الزبور ولا في القرآن مثلها ؟ } فمعناه مثلها في جمعها لمعاني الخير لأن فيها الثناء على الله عز وجل بما هو أهله وما يستحقه من الحمد الذي هو له حقيقة لا لغيره لأن كل نعمة وخير منه لا من سواه فهو الخالق الرازق لا مانع لما أعطى ولا معطي لما منع وهو محمود على ذلك وإن حمد غيره فإليه يعود الحمد . وفيها التعظيم له وأنه الرب للعالم أجمع ومالك الدنيا والآخرة وهو المعبود والمستعان . وفيها تعليم الدعاء والهدى ومجانبة طريق من ضل وغوى . والدعاء لباب العبادة فهي أجمع سورة للخير ليس في الكتب مثلها على هذه [ ص: 18 ] الوجوه . قال : وقد قيل إن معنى ذلك أنها تجزئ الصلاة بها دون غيرها ولا يجزئ غيرها عنها . وليس هذا بتأويل مجتمع عليه . قلت : يعني بذلك أن في هذا نزاعا بين العلماء وهو كون الصلاة لا تجزئ إلا بها وهذا يدل على أن الوصف الأول متفق عليه بين العلماء وهو أنها أفضل السور .



ومن هذا الباب ما في الكتاب والسنة من تفضيل القرآن على غيره من كلام الله التوراة والإنجيل وسائر الكتب وأن السلف كلهم كانوا مقرين بذلك ليس فيهم من يقول الجميع كلام الله فلا يفضل القرآن على غيره قال الله تعالى : { الله نزل أحسن الحديث كتابا متشابها مثاني } فأخبر أنه أحسن الحديث وقال تعالى : { نحن نقص عليك أحسن القصص بما أوحينا إليك هذا القرآن وإن كنت من قبله لمن الغافلين } . " وأحسن القصص " قيل إنه مصدر وقيل إنه مفعول به . قيل : المعنى نحن نقص عليك أحسن الاقتصاص كما يقال نكلمك أحسن التكليم ونبين لك أحسن البيان . قال الزجاج : نحن نبين لك أحسن البيان . والقاص الذي يأتي بالقصة على حقيقتها . قال وقوله : { بما أوحينا إليك هذا القرآن } أي بوحينا إليك هذا القرآن ومن قال هذا قال بما أوحينا إليك هذا القرآن وعلى هذا القول فهو كقوله : نقرأ [ ص: 19 ] عليك أحسن القراءة ونتلوا عليك أحسن التلاوة والثاني أن المعنى نقص عليك أحسن ما يقص أي أحسن الأخبار المقصوصات كما قال في السورة الأخرى : { الله نزل أحسن الحديث } وقال : { ومن أصدق من الله قيلا } . ويدل على ذلك قوله في قصة موسى : { فلما جاءه وقص عليه القصص } وقوله : { لقد كان في قصصهم عبرة لأولي الألباب } المراد خبرهم ونبؤهم وحديثهم ليس المراد مجرد المصدر . والقولان متلازمان في المعنى كما سنبينه ولهذا يجوز أن يكون هذا المنصوب قد جمع معنى المصدر ومعنى المفعول به لأن فيه كلا المعنيين بخلاف المواضع التي يباين فيها الفعل المفعول به فإنه إذا انتصب بهذا المعنى امتنع المعنى الآخر .

ومن رجح الأول من النحاة - كالزجاج وغيره - قالوا : القصص مصدر يقال قص أثره يقصه قصصا ومنه قوله تعالى : { فارتدا على آثارهما قصصا } . وكذلك اقتص أثره وتقصص وقد اقتصصت الحديث : رويته على وجهه وقد اقتص عليه الخبر قصصا . وليس القصص بالفتح جمع قصة كما يظنه بعض العامة . فإن ذلك يقال في قصص بالكسر واحده قصة والقصة هي الأمر والحديث الذي يقص فعلة بمعنى مفعول وجمعه قصص بالكسر . وقوله : { نحن نقص عليك أحسن القصص } بالفتح لم يقل أحسن القصص بالكسر ولكن [ ص: 20 ] بعض الناس ظنوا أن المراد أحسن القصص بالكسر وأن تلك القصة قصة يوسف وذكر هذا طائفة من المفسرين . ثم ذكروا : لم سميت أحسن القصص ؟ فقيل : لأنه ليس في القرآن قصة تتضمن من العبر والحكم والنكت ما تتضمن هذه القصة . وقيل : لامتداد الأوقات بين مبتداها ومنتهاها . وقيل لحسن محاورة يوسف وإخوته وصبره على أذاهم وإغضائه عن ذكر ما تعاطوه عند اللقاء وكرمه في العفو . وقيل لأن فيها ذكر الأنبياء والصالحين والملائكة والشياطين والإنس والجن والأنعام والطير وسير الملوك والمماليك والتجار والعلماء والجهال والرجال والنساء ومكرهن وحيلهن وفيها أيضا ذكر التوحيد والفقه والسير وتعبير الرؤيا والسياسة والمعاشرة وتدبير المعاش فصارت أحسن القصص لما فيها من المعاني والفوائد التي تصلح للدين والدنيا . وقيل فيها ذكر الحبيب والمحبوب . وقيل " أحسن " بمعنى أعجب . والذين يجعلون قصة يوسف أحسن القصص منهم من يعلم أن " القصص " بالفتح هو النبأ والخبر ويقولون هي أحسن الأخبار والأنباء وكثير منهم يظن أن المراد أحسن القصص بالكسر وهؤلاء جهال بالعربية وكلا القولين خطأ وليس المراد بقوله : ( أحسن القصص قصة يوسف وحدها بل هي مما قصه الله ومما يدخل في أحسن القصص [ ص: 21 ] ولهذا قال تعالى في آخر السورة : { وما أرسلنا من قبلك إلا رجالا نوحي إليهم من أهل القرى أفلم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم ولدار الآخرة خير للذين اتقوا أفلا تعقلون } { حتى إذا استيئس الرسل وظنوا أنهم قد كذبوا جاءهم نصرنا فنجي من نشاء ولا يرد بأسنا عن القوم المجرمين } { لقد كان في قصصهم عبرة لأولي الألباب ما كان حديثا يفترى ولكن تصديق الذي بين يديه وتفصيل كل شيء وهدى ورحمة لقوم يؤمنون } فبين أن العبرة في قصص المرسلين وأمر بالنظر في عاقبة من كذبهم وعاقبتهم بالنصر .

ومن المعلوم أن قصة موسى وما جرى له مع فرعون وغيره أعظم وأشرف من قصة يوسف بكثير كثير ولهذا هي أعظم قصص الأنبياء التي تذكر في القرآن ثناها الله أكثر من غيرها وبسطها وطولها أكثر من غيرها ; بل قصص سائر الأنبياء - كنوح وهود وصالح وشعيب وغيرهم من المرسلين - أعظم من قصة يوسف ولهذا ثنى الله تلك القصص في القرآن ولم يثن قصة يوسف وذلك لأن الذين عادوا يوسف لم يعادوه على الدين بل عادوه عداوة دنيوية وحسدوه على محبة أبيه له وظلموه فصبر واتقى الله وابتلي صلوات الله عليه بمن ظلمه وبمن دعاه إلى الفاحشة فصبر واتقى الله في هذا وفي هذا وابتلي أيضا بالملك فابتلي بالسراء والضراء فصبر واتقى الله في هذا وهذا فكانت قصته من أحسن القصص وهي [ ص: 22 ] أحسن من القصص التي لم تقص في القرآن فإن الناس قد يظلمون ويحسدون ويدعون إلى الفاحشة ويبتلون بالملك لكن ليس من لم يذكر في القرآن ممن اتقى الله وصبر مثل يوسف ولا فيهم من كانت عاقبته أحسن العواقب في الدنيا والآخرة مثل يوسف . وهذا كما أن قصة أهل الكهف وقصة ذي القرنين كل منهما هي في جنسها أحسن من غيرها . فقصة ذي القرنين أحسن قصص الملوك وقصة أهل الكهف أحسن قصص أولياء الله الذين كانوا في زمن الفترة . فقوله تعالى : { نحن نقص عليك أحسن القصص } يتناول كل ما قصه في كتابه فهو أحسن مما لم يقصه ليس المراد أن قصة يوسف أحسن ما قص في القرآن . وأين ما جرى ليوسف مما جرى لموسى ونوح وإبراهيم وغيرهم من الرسل وأين ما عودي أولئك مما عودي فيه يوسف وأين فضل أولئك عند الله وعلو درجتهم من يوسف - صلوات الله عليهم أجمعين ؟ وأين نصر أولئك من نصر يوسف ؟ فإن يوسف كما قال الله تعالى : { وكذلك مكنا ليوسف في الأرض يتبوأ منها حيث يشاء نصيب برحمتنا من نشاء ولا نضيع أجر المحسنين } وأذل الله الذين ظلموه ثم تابوا فكان فيها من العبرة أن المظلوم المحسود إذا صبر واتقى الله كانت له العاقبة وأن الظالم الحاسد قد [ ص: 23 ] يتوب الله عليه ويعفو عنه وأن المظلوم ينبغي له العفو عن ظالمه إذا قدر عليه . وبهذا { اعتبر النبي صلى الله عليه وسلم يوم فتح مكة لما قام على باب الكعبة وقد أذل الله له الذين عادوه وحاربوه من الطلقاء - فقال : ماذا أنتم قائلون ؟ فقالوا : نقول أخ كريم وابن عم كريم . فقال : إني قائل لكم كما قال يوسف لإخوته : { لا تثريب عليكم اليوم يغفر الله لكم وهو أرحم الراحمين } } . وكذلك { عائشة لما ظلمت وافتري عليها وقيل لها : إن كنت ألممت بذنب فاستغفري الله وتوبي إليه فقالت في كلامها : أقول كما قال أبو يوسف { فصبر جميل والله المستعان على ما تصفون } } .

ففي قصة يوسف أنواع من العبرة للمظلوم والمحسود والمبتلى بدواعي الفواحش والذنوب وغير ذلك . لكن أين قصة نوح وإبراهيم وموسى والمسيح ونحوهم ممن كانت قصته أنه دعا الخلق إلى عبادة الله وحده لا شريك له فكذبوه وآذوه وآذوا من آمن به ؟ فإن هؤلاء أوذوا اختيارا منهم لعبادة الله فعودوا وأوذوا في محبة الله وعبادته باختيارهم فإنهم لولا إيمانهم ودعوتهم الخلق إلى عبادة الله لما أوذوا وهذا بخلاف من أوذي بغير اختياره كما أخذ يوسف من أبيه بغير اختياره ولهذا كانت محنة يوسف بالنسوة وامرأة العزيز واختياره السجن على معصية الله [ ص: 24 ] أعظم من إيمانه ودرجته عند الله وأجره من صبره على ظلم إخوته له ; ولهذا يعظم يوسف بهذا أعظم مما يعظم بذلك ولهذا قال تعالى فيه : { كذلك لنصرف عنه السوء والفحشاء إنه من عبادنا المخلصين } وهذا كالصبر عن المعاصي مع الصبر على المصائب فالأول أعظم وهو صبر المتقين أولياء الله . قال سهل بن عبد الله التستري : أفعال البر يفعلها البر والفاجر ولن يصبر عن المعاصي إلا صديق ويوسف صلوات الله عليه كان صديقا نبيا . وأما من يظلم بغير اختياره ويصبر فهذا كثير ومن لم يصبر صبر الكرام سلا سلو البهائم . وكذلك إذا مكن المظلوم وقهر ظالمه فتاب الظالم وخضع له فعفوه عنه من المحاسن والفضائل لكن هذا يفعله خلق كثير من أهل الدين وعقلاء الدنيا فإن حلم الملوك والولاة أجمع لأمرهم وطاعة الناس لهم وتأليفهم لقلوب الناس وكان معاوية من أحلم الناس وكان المأمون حليما حتى كان يقول : لو علم الناس محبتي في العفو تقربوا إلي بالذنوب ولهذا لما قدر على من نازعه في الملك - وهو عمه إبراهيم بن المهدي - عفا عنه . وأما الصبر عن الشهوات والهوى الغالب لله لا رجاء لمخلوق ولا خوفا منه مع كثرة الدواعي إلى فعل الفاحشة واختياره الحبس الطويل على ذلك كما قال يوسف : { رب السجن أحب إلي مما يدعونني إليه } فهذا لا يوجد نظيره إلا في خيار عباد الله الصالحين وأوليائه [ ص: 25 ] المتقين كما قال تعالى : { كذلك لنصرف عنه السوء والفحشاء إنه من عبادنا المخلصين } فهذا من عباد الله المخلصين الذين قال الله تعالى فيهم : { إن عبادي ليس لك عليهم سلطان } ولهذا لم يصدر من يوسف الصديق ذنب أصلا بل الهم الذي هم به لما تركه لله كتب له به حسنة ولهذا لم يذكر عنه سبحانه توبة واستغفارا كما ذكر توبة الأنبياء كآدم وداود ونوح وغيرهم وإن لم يذكر عن أولئك الأنبياء فاحشة ولله الحمد وإنما كانت توباتهم من أمور أخر هي حسنات بالنسبة إلى غيرهم ولهذا لا يعرف ليوسف نظير فيما ابتلي به من دواعي الفاحشة وتقواه وصبره في ذلك .

وإنما يعرف لغيره ما هو دون ذلك كما في الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال { سبعة يظلهم الله تحت ظل عرشه يوم لا ظل إلا ظله : إمام عادل وشاب نشأ في عبادة الله ورجل معلق قلبه بالمسجد إذا خرج حتى يعود إليه ورجلان تحابا في الله اجتمعا على ذلك وتفرقا عليه ورجل دعته امرأة ذات منصب وجمال فقال : إني أخاف الله ورجل ذكر الله خاليا ففاضت عيناه ورجل تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه } وإذا كان الصبر على الأذى لئلا يفعل الفاحشة أعظم من صبره على ظلم إخوته فكيف بصبر الرسل على أذى المكذبين لئلا يتركوا ما أمروا به من دعوتهم إلى عبادة الله وحده وأمرهم بالمعروف ونهيهم عن [ ص: 26 ] المنكر ؟ فهذا الصبر هو من جنس الجهاد في سبيل الله إذ كان الجهاد مقصودا به أن تكون كلمة الله هي العليا وأن الدين كله لله فالجهاد والصبر فيه أفضل الأعمال كما قال النبي صلى الله عليه وسلم { رأس الأمر الإسلام وعموده الصلاة وذروة سنامه الجهاد في سبيل الله } وهو حديث صحيح رواه الإمام أحمد والترمذي وصححه وهو من حديث معاذ بن جبل الطويل - وهو أحب الأعمال إلى الله - فالصبر على تلك المعصية صبر المهاجر الذي هجر ما نهي عنه وصبر المجاهد الذي جاهد نفسه في الله وجاهد عدو الله الظاهر والباطن والمهاجر الصابر على ترك الذنب إنما جاهد نفسه وشيطانه ثم يجاهد عدو الله الظاهر لتكون كلمة الله هي العليا ويكون الدين كله لله وصبر المظلوم صبر المصاب . لكن المصاب بمصيبة سماوية تصبر نفسه ما لا تصبر نفس من ظلمه الناس فإن ذاك يستشعر أن الله هو الذي فعل به هذا فتيأس نفسه من الدفع والمعاقبة وأخذ الثأر بخلاف المظلوم الذي ظلمه الناس فإن نفسه تستشعر أن ظالمه يمكن دفعه وعقوبته وأخذ ثأره منه فالصبر على هذه المصيبة أفضل وأعظم كصبر يوسف صلوات الله عليه وسلامه وهذا يكون لأن صاحبه يعلم أن الله قدر ذلك فيصبر على ذلك كالمصائب السماوية ويكون أيضا لينال ثواب الكاظمين الغيظ والعافين عن [ ص: 27 ] الناس والله يحب المحسنين وليسلم قلبه من الغل للناس وكلا النوعين يشترك في أن صاحبه يستشعر أن ذلك بذنوبه وهو مما يكفر الله به سيئاته ويستغفر ويتوب وأيضا فيرى أن ذلك الصبر واجب عليه وأن الجزع مما يعاقب عليه . وإن ارتقى إلى الرضا رأى أن الرضا جنة الدنيا ومستراح العابدين وباب الله الأعظم . وإن رأى ذلك نعمة لما فيه من صلاح قلبه ودينه وقربه إلى الله وتكفير سيئاته وصونه عن ذنوب تدعوه إليها شياطين الإنس والجن شكر الله على هذه النعم . فالمصائب السماوية والآدمية تشترك في هذه الأمور ومعرفة الناس بهذه الأمور وعلمهم بها هو من فضل الله يمن به على من يشاء من عباده ; ولهذا كانت أحوال الناس في المصائب وغيرها متباينة تباينا عظيما . ثم إذا شهد العبد القدر وأن هذا أمر قدره الله وقضاه وهو الخالق له فهو مع الصبر يسلم للرب القادر المالك الذي يفعل ما يشاء وهذا حال الصابر وقد يسلم تسليمه للرب المحسن المدبر له بحسن اختياره الذي { لا يقضي للمؤمن قضاء إلا كان خيرا له : إن أصابته سراء شكر فكان خيرا له وإن أصابته ضراء صبر فكان خيرا له } كما رواه مسلم في صحيحه عن صهيب عن النبي صلى الله عليه وسلم .

وهذا تسليم راض لعلمه بحسن اختيار الله له وهذا يورث الشكر . وقد يسلم تسليمه للرب المحسن إليه المتفضل عليه بنعم عظيمة . وإن لم [ ص: 28 ] ير هذا نعمة فيكون تسليمه تسليم راض غير شاكر . وقد يسلم تسليمه لله الذي لا إله إلا هو المستحق لأن يعبد لذاته وهو محمود على كل ما يفعله فإنه عليم حكيم رحيم لا يفعل شيئا إلا لحكمة وهو مستحق لمحبته وعبادته وحمده على كل ما خلقه . فهذا تسليم عبد عابد حامد وهذا من الحامدين الذين هم أول من يدعى إلى الجنة ومن بينهم صاحب لواء الحمد وآدم فمن دونه تحت لوائه . وهذا يكون القضاء خيرا له ونعمة من الله عليه . لكن يكون حمده لله ورضاه بقضائه من حيث عرف الله وأحبه وعبده لاستحقاقه الألوهية وحده لا شريك له فيكون صبره ورضاه وحمده من عبادته الصادرة عن هذه المعرفة والشهادة وهذا يشهد بقلبه أنه لا إله إلا الله والإله عنده هو المستحق للعبادة بخلاف من لم يشهد إلا مجرد ربوبيته ومشيئته وقدرته أو مجرد إحسانه ونعمته فإنهما مشهدان ناقصان قاصران وإنما يقتصر عليهما من نقص علمه بالله وبدينه الذي بعث به رسله وأنزل به كتبه كأهل البدع من الجهمية والقدرية الجبرية والقدرية المعتزلة فإن الأول مشهد أولئك والثاني مشهد هؤلاء وشهود ربوبيته وقدرته ومشيئته مع شهود رحمته وإحسانه وفضله مع شهود إلهيته ومحبته ورضاه وحمده والثناء عليه ومجده هو مشهد أهل العلم والإيمان من أهل السنة والجماعة التابعين بإحسان [ ص: 29 ] للسابقين الأولين من المهاجرين والأنصار . وهذه الأمور لبسطها موضع آخر . والمقصود هنا أن هذا يكون للمؤمن في عموم المصائب وما يكون بأفعال المؤمنين فله فيه كظم الغيظ والعفو عن الناس . ويوسف الصديق صلوات الله عليه كان له هذا وأعلى من ذلك الصبر عن الفاحشة مع قوة الداعي إليها فهذا الصبر أعظم من ذلك الصبر بل وأعظم من الصبر على الطاعة .

ولهذا قال سبحانه في وصف المتقين الذين أعد لهم الجنة : { وسارعوا إلى مغفرة من ربكم وجنة عرضها السماوات والأرض أعدت للمتقين } { الذين ينفقون في السراء والضراء والكاظمين الغيظ والعافين عن الناس والله يحب المحسنين } { والذين إذا فعلوا فاحشة أو ظلموا أنفسهم ذكروا الله فاستغفروا لذنوبهم ومن يغفر الذنوب إلا الله ولم يصروا على ما فعلوا وهم يعلمون } { أولئك جزاؤهم مغفرة من ربهم وجنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها ونعم أجر العاملين } فوصفهم بالكرم والحلم وبالإنفاق وكظم الغيظ والعفو عن الناس . ثم لما جاءت الشهوات المحرمات وصفهم بالتوبة منها فقال { والذين إذا فعلوا فاحشة أو ظلموا أنفسهم ذكروا الله فاستغفروا لذنوبهم ومن يغفر الذنوب إلا الله ولم يصروا على ما فعلوا } فوصفهم بالتوبة منها وترك الإصرار عليها لا بترك ذلك بالكلية ; فإن النبي صلى الله عليه وسلم قال في الحديث الصحيح { كتب على ابن آدم حظه من الزنا أدرك ذلك لا محالة : فالعينان تزنيان وزناهما النظر والأذن تزني وزناها السمع واللسان يزني وزناه المنطق واليد تزني وزناها البطش والرجل تزني وزناها المشي والقلب يتمنى ويشتهي والفرج يصدق ذلك أو يكذبه } . وفي الحديث { كل بني آدم خطاء وخير الخطائين التوابون } . فلا بد للإنسان من مقدمات الكبيرة وكثير منهم يقع في الكبيرة فيؤمر بالتوبة ويؤمرون أن لا يصروا على صغيرة فإنه لا صغيرة مع إصرار ولا كبيرة مع استغفار . ويوسف صلى الله عليه وسلم صبر على الذنب مطلقا ولم يوجد منه إلا هم تركه لله كتب له به حسنة . وقد ذكر طائفة من المفسرين أنه وجد منه بعض المقدمات مثل حل السراويل والجلوس مجلس الخاتن ونحو ذلك لكن ليس هذا منقولا نقلا يصدق به فإن هذا لم ينقل عن النبي صلى الله عليه وسلم . ومثل هذه الإسرائيليات إذا لم تنقل عن النبي صلى الله عليه وسلم لم يعرف صدقها ولهذا لا يجوز تصديقها ولا تكذيبها إلا بدليل والله تعالى يقول في القرآن : { كذلك لنصرف عنه السوء والفحشاء } فدل القرآن على أنه صرف عنه السوء [ ص: 31 ] والفحشاء مطلقا ولو كان قد فعل صغيرة لتاب منها . والقرآن ليس فيه ذكر توبته . ومن وقع منه بعض أنواع السوء والفحشاء لم يكن ذلك قد صرف عنه بل يكون قد وقع وتاب الله عليه منه والقرآن يدل على خلاف هذا .

وقد شهدت النسوة له أنهن ما علمن عليه من سوء ولو كان قد بدت منه هذه المقدمات لكانت المرأة قد رأت ذلك وهي من النسوة اللاتي شهدن وقلن ما علمنا عليه من سوء وقالت مع ذلك : { ولقد راودته عن نفسه فاستعصم } وقالت : { أنا راودته عن نفسه وإنه لمن الصادقين } . وقوله ( سوء نكرة في سياق النفي فدل ذلك على أن المرأة لم تر منه سوءا فإن الهم في القلب لم تطلع عليه ولو اطلعت عليه فإنه إذا تركه لله كان حسنة ولو تركه مطلقا لم يكن حسنة ولا سيئة فإنه لا إثم فيه إلا مع القول أو العمل . وأما قصة نوح وإبراهيم وموسى وعيسى وغيرهم صلوات الله عليهم فتلك أعظم والواقع فيها من الجانبين فما فعلته الأنبياء من الدعوة إلى توحيد الله وعبادته ودينه وإظهار آياته وأمره ونهيه ووعده ووعيده ومجاهدة المكذبين لهم والصبر على أذاهم هو أعظم عند الله ولهذا كانوا أفضل من يوسف صلوات الله عليهم أجمعين وما صبروا عليه وعنه أعظم من الذي صبر يوسف عليه وعنه وعبادتهم لله [ ص: 32 ] وطاعتهم وتقواهم وصبرهم بما فعلوه أعظم من طاعة يوسف وعبادته وتقواه أولئك أولوا العزم الذين خصهم الله بالذكر في قوله : { وإذ أخذنا من النبيين ميثاقهم ومنك ومن نوح وإبراهيم وموسى وعيسى ابن مريم } وقال تعالى : { شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا والذي أوحينا إليك وما وصينا به إبراهيم وموسى وعيسى أن أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه } وهم يوم القيامة الذين تطلب منهم الأمم الشفاعة وبهم أمر خاتم الرسل أن يقتدى في الصبر فقيل له : { فاصبر كما صبر أولو العزم من الرسل ولا تستعجل لهم } فقصصهم أحسن من قصة يوسف ; ولهذا ثناها الله في القرآن لا سيما قصة موسى . قال الإمام أحمد بن حنبل : أحسن أحاديث الأنبياء حديث تكليم الله لموسى .



والمقصود هنا أن قوله : { أحسن القصص } قد قيل إنه مصدر وقيل إنه مفعول به والقولان متلازمان . لكن الصحيح أن القصص مفعول به وإن كان أصله مصدرا فقد غلب استعماله في المقصوص كما في لفظ الخبر والنبأ والاستعمال يدل على ذلك كما تقدم ذكره وقد اعترف بذلك أهل اللغة قال الجوهري : وقد قص عليه الخبر قصصا والاسم أيضا القصص بالفتح وضع موضع المصدر حتى صار أغلب عليه فقوله أحسن القصص كقوله : نخبرك أحسن الخبر وننبئك أحسن النبأ [ ص: 33 ] ونحدثك أحسن الحديث . ولفظ " الكلام " يراد به مصدر كلمه تكليما ويراد به نفس القول فإن القول فيه فعل من القائل هو مسمى المصدر والقول ينشأ عن ذلك الفعل ولهذا تارة يجعل القول نوعا من الفعل لأنه حاصل بعمل وتارة يجعل قسيما له يقال : القول والعمل وكذلك قد يقال في لفظ " القصص " و " البيان " و " الحديث " و " الخبر " ونحو ذلك . فإذا أريد بالقصص ونحوه المصدر الذي مسماه الفعل فهو مستلزم للقول والقول تابع وإذا أريد به نفس الكلام والقول فهو مستلزم للفعل تابع للفعل . فالمصادر الجارية على سنن الأفعال يراد بها الفعل كقولك كلمته تكليما وأخبرته إخبارا وأما ما لم يجر على سنن الفعل - مثل الكلام والخبر ونحو ذلك - فإن هذا إذا أطلق أريد به القول وكذلك قد يقال في لفظ القصص فإن مصدره القياسي قصا مثل عده عدا ومده مدا وكذلك قصه قصا وأما قصص فليس هو قياس مصدر المضعف ولم يذكروا على كونه مصدرا إلا قوله { فارتدا على آثارهما قصصا } وهذا لا يدل على أنه مصدر .

بل قد يكون اسم مصدر أقيم مقامه كقوله : { والله أنبتكم من الأرض نباتا } وإن جعل مصدر قص الأثر لم يلزم أن يكون مصدر قص الحديث ; لأن الحديث خبر ونبأ فكان لفظ قصص كلفظ خبر ونبأ وكلام . [ ص: 34 ] وأسماء المصادر في باب الكلام تتضمن القول نفسه وتدل على فعل القائل بطريق التضمن واللزوم فإنك إذا قلت : الكلام والخبر والحديث والنبأ والقصص لم يكن مثل قولك : التكليم والإنباء والإخبار والتحديث ولهذا يقال إنه منصوب على المفعول به واسم المصدر ينتصب على المصدر كما في قوله { والله أنبتكم من الأرض نباتا } فإذا قال : كلمته كلاما حسنا وحدثته حديثا طيبا وأخبرته أخبارا سارة وقصصت عليه قصصا صادقة ونحو ذلك كان هذا منصوبا على المفعول به لم يكن هذا كقولك كلمته تكليما وأنبأته إنباء . فتبين أن قوله { أحسن القصص } منصوب على المفعول وكل ما قصه الله فهو أحسن القصص ولكن هذا إذا كان يتضمن معنى المصدر ومعنى المفعول به جاز أن ينتصب على المعنيين جميعا فإنهما متلازمان تقول : قلت قولا حسنا وقد أسمعته قولا ولم يسمع الفعل الذي هو مسمى المصدر وإنما سمع الصوت وتقول قال يقول قولا فتجعله مصدرا والصوت نفسه ليس هو مسمى المصدر إنما مسمى المصدر الفعل المستلزم للصوت ولكن هما متلازمان .



ولهذا تنازع أهل السنة والحديث في التلاوة والقرآن هل هي القرآن المتلو أم لا ؟ وقد تفطن ابن قتيبة وغيره لما يناسب هذا المعنى وتكلم عليه وسبب الاشتباه أن المتلو هو القرآن نفسه الذي هو الكلام والتلاوة قد يراد بها هذا وقد يراد بها نفس حركة التالي [ ص: 35 ] وفعله وقد يراد بها الأمران جميعا فمن قال : التلاوة هي المتلو أراد بالتلاوة نفس القرآن المسموع وذلك هو المتلو ومن قال غيره أراد بالتلاوة حركة العبد وفعله وتلك ليست هي القرآن ومن نهى عن أن يقال التلاوة هي المتلو أو غير المتلو فلأن لفظ التلاوة يجمع الأمرين كما نهى الإمام أحمد وغيره عن أن يقال : لفظي بالقرآن مخلوق أو غير مخلوق ; لأن اللفظ يراد به الملفوظ نفسه الذي هو كلام الله ويراد به مصدر لفظ يلفظ لفظا وهو فعل العبد وأطلق قوم من أهل الحديث أن لفظي بالقرآن غير مخلوق وأطلق ناس آخرون أن لفظي به مخلوق قال ابن قتيبة : لم يتنازع أهل الحديث في شيء من أقوالهم إلا في مسألة اللفظ وهذا كان تنازع أهل الحديث والسنة الذين كانوا في زمن أحمد بن حنبل وأصحابه الذين أدركوه . ثم جاء بعد هؤلاء طائفة قالوا : التلاوة غير المتلو وأرادوا بالتلاوة نفس كلام الله العربي الذي هو القرآن وأرادوا بالمتلو معنى واحدا قائما بذات الله .

وقال آخرون : التلاوة هي المتلو وأرادوا بالتلاوة نفس الأصوات المسموعة من القرآن جعلوا ما سمع من الأصوات هو نفس الكلام الذي ليس بمخلوق ولم يميزوا بين سماع الكلام من المتكلم وبين سماعه من المبلغ له عنه فزاد كل من هؤلاء وهؤلاء من البدع ما لم يكن يقوله أحد من أهل السنة والعلم فلم يكن من أهل [ ص: 36 ] السنة من يقول : إن القرآن العربي ليس هو كلام الله ولا يجعل المتلو مجرد معنى ولا كان فيهم من يقول : إن أصوات العباد - وغيرها من خصائصهم - غير مخلوق بل هم كلهم متفقون على أن القرآن المتلو هو القرآن العربي الذي نزله روح القدس من الله بالحق وهو كلام الله الذي تكلم به . ولكن تنازعوا في تلاوة العباد له : هل هي القرآن نفسه أم هي الفعل الذي يقرأ به القرآن ؟ . والتحقيق أن لفظ " التلاوة " يراد به هذا وهذا ولفظ " القرآن " يراد به المصدر ويراد به الكلام قال الله تعالى : { إن علينا جمعه وقرآنه } { فإذا قرأناه فاتبع قرآنه } { ثم إن علينا بيانه } وفي الصحيحين عن ابن عباس قال : إن علينا أن نجمعه في قلبك وتقرأه بلسانك . وقال أهل العربية : يقال قرأت الكتاب قراءة وقرآنا ومنه قول حسان :

ضحوا بأشمط عنوان السجود به يقطع الليل تسبيحا وقرآنا

وقد قال تعالى : { فإذا قرأت القرآن فاستعذ بالله من الشيطان الرجيم } وقال تعالى : { وإذا قرأت القرآن جعلنا بينك وبين الذين لا يؤمنون بالآخرة حجابا مستورا } وقال تعالى : { وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له وأنصتوا } وهم إنما يستمعون الكلام نفسه ولا يستمعون [ ص: 37 ] مسمى المصدر الذي هو الفعل فإن ذلك لا يسمع فقوله { نحن نقص عليك أحسن القصص } من هذا الباب من باب نقرأ عليك أحسن القصص ونتلو عليك أحسن القصص كما قال تعالى : { نتلوا عليك من نبإ موسى وفرعون بالحق } وقال : { فإذا قرأناه } قال ابن عباس أي قراءة جبريل { فاتبع قرآنه } فاستمع له حتى يقضي قراءته .

والمشهور في قوله { وإذا قرأت القرآن } أنه منصوب على المفعول به فكذلك أحسن القصص لكن في كلاهما معنى المصدر أيضا كما تقدم ففيه معنى المفعول به ومعنى المصدر جميعا وقد يغلب هذا كما في قوله { إن علينا جمعه وقرآنه } فالمراد هنا نفس مسمى المصدر وقد يغلب هذا تارة كما في قوله : { فاستمعوا له وأنصتوا } وقوله : { قل لئن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله } وقوله : { إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم } وغالب ما يذكر لفظ " القرآن " إنما يراد به نفس الكلام لا يراد به التكلم بالكلام الذي هو مسمى المصدر . ومثل هذا كثير في اللغة يكون أمران متلازمان إما دائما وإما غالبا فيطلق الاسم عليهما ويغلب هذا تارة وهذا تارة وقد يقع على أحدهما مفردا كلفظ " النهر " و " القرية " و " الميزاب " ونحو ذلك مما فيه حال ومحل فالاسم يتناول مجرى الماء والماء الجاري وكذلك لفظ [ ص: 38 ] القرية يتناول المساكن والسكان ثم تقول : حفر النهر فالمراد به المجرى وتقول جرى النهر فالمراد به الماء وتقول جرى الميزاب تعني الماء ونصب الميزاب تعني الخشب .

وقال تعالى { وضرب الله مثلا قرية كانت آمنة مطمئنة يأتيها رزقها رغدا من كل مكان فكفرت بأنعم الله فأذاقها الله لباس الجوع } والمراد السكان في المكان وقال تعالى { وكم من قرية أهلكناها فجاءها بأسنا بياتا أو هم قائلون } وقال تعالى { واسأل القرية التي كنا فيها والعير التي أقبلنا فيها } وقال تعالى : { وتلك القرى أهلكناهم لما ظلموا } وقال تعالى { وكذلك أخذ ربك إذا أخذ القرى وهي ظالمة } وقال تعالى : { لتنذر أم القرى ومن حولها } وقال تعالى : { فكأين من قرية أهلكناها وهي ظالمة فهي خاوية على عروشها وبئر معطلة وقصر مشيد } والخاوي على عروشه المكان لا السكان وقال تعالى : { أو كالذي مر على قرية وهي خاوية على عروشها } لما كان المقصود بالقرية هم السكان كان إرادتهم أكثر في كتاب الله وكذلك لفظ النهر لما كان المقصود هو الماء كان إرادته أكثر كقوله : { وجعلنا الأنهار تجري من تحتهم } وقوله : { وفجرنا خلالهما نهرا } فهذا كثير أكثر من قولهم حفرنا النهر . وكذلك إطلاق لفظ القرآن على نفس الكلام أكثر من إطلاقه على نفس التكلم . وكذلك لفظ الكلام والقول والقصص وسائر أنواع [ ص: 39 ] الكلام يراد بها نفس الكلام أكثر مما يراد بها فعل المتكلم وهذه الأمور لبسطها موضع آخر .



والمقصود هنا أن قوله تعالى : { نحن نقص عليك أحسن القصص } المراد الكلام الذي هو أحسن القصص وهو عام في كل ما قصه الله لم يخص به سورة يوسف ; ولهذا قال : { بما أوحينا إليك هذا القرآن } ولم يقل بما أوحينا إليك هذه السورة والآثار المأثورة في ذلك عن السلف تدل كلها على ذلك وعلى أنهم كانوا يعتقدون أن القرآن أفضل من سائر الكتب وهو المراد . والمراد من هذا حاصل على كل تقدير فسواء كان أحسن القصص مصدرا أو مفعولا أو جامعا للأمرين فهو يدل على أن القرآن وما في القرآن من القصص أحسن من غيره فإنا قد ذكرنا أنهما متلازمان فأيهما كان أحسن كان الآخر أحسن . فتبين أن قوله تعالى { أحسن القصص } كقوله : { الله نزل أحسن الحديث } والآثار السلفية تدل على ذلك . والسلف كانوا مقرين بأن القرآن أحسن الحديث وأحسن القصص كما أنه المهيمن على ما بين يديه من كتب السماء فكيف يقال : إن كلام الله كله لا فضل لبعضه على بعض روى ابن أبي حاتم عن المسعودي { عن القاسم أن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ملوا ملة فقالوا : حدثنا يا رسول الله فأنزل الله : { نحن نقص عليك أحسن القصص } [ ص: 40 ] ثم ملوا ملة فقالوا : حدثنا يا رسول الله فنزلت : { الله نزل أحسن الحديث } ثم ملوا ملة فقالوا : حدثنا يا رسول الله فأنزل الله : { ألم يأن للذين آمنوا أن تخشع قلوبهم لذكر الله وما نزل من الحق } } . وقد روى أبو عبيد في " فضائل القرآن " عن بعض التابعين فقال حدثنا حجاج عن المسعودي عن { عون بن عبد الله بن عتبة قال : مل أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ملة فقالوا : يا رسول الله حدثنا فأنزل الله تعالى : { الله نزل أحسن الحديث } قال : ثم نعته فقال : { كتابا متشابها مثاني تقشعر منه جلود الذين يخشون ربهم ثم تلين جلودهم وقلوبهم إلى ذكر الله } إلى آخر الآية قال : ثم ملوا ملة أخرى فقالوا : يا رسول الله حدثنا شيئا فوق الحديث ودون القرآن يعنون القصص فأنزل الله : { الر تلك آيات الكتاب المبين } - إلى قوله - { نحن نقص عليك أحسن القصص بما أوحينا إليك هذا القرآن وإن كنت من قبله لمن الغافلين } قال : فإن أرادوا الحديث دلهم على أحسن الحديث وإن أرادوا القصص دلهم على أحسن القصص .

} ورواه ابن أبي حاتم بإسناد حسن مرفوعا عن مصعب بن سعد { عن سعد قال : نزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم القرآن فتلاه عليهم زمانا . فقالوا : يا رسول الله لو قصصت علينا . فأنزل الله تعالى : { الر } { تلك آيات الكتاب المبين } { نحن نقص عليك أحسن القصص } فتلاه عليهم زمانا . } ولما كان القرآن أحسن الكلام نهوا عن اتباع ما سواه قال تعالى : { أولم يكفهم أنا أنزلنا عليك الكتاب يتلى عليهم } . وروى النسائي وغيره { عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه رأى بيد عمر بن الخطاب [ شيئا من التوراة فقال ] : لو كان موسى حيا ثم اتبعتموه وتركتموني لضللتم . } وفي رواية { ما وسعه إلا اتباعي . } وفي لفظ : { فتغير وجه النبي صلى الله عليه وسلم لما عرض عليه عمر ذلك فقال له بعض الأنصار : يا ابن الخطاب ألا ترى إلى وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ فقال عمر : رضينا بالله ربا وبالإسلام دينا وبمحمد نبيا . } ولهذا كان الصحابة ينهون عن اتباع كتب غير القرآن . وعمر انتفع بهذا حتى أنه لما فتحت الإسكندرية وجد فيها كتب كثيرة من كتب الروم فكتبوا فيها إلى عمر فأمر بها أن تحرق وقال : حسبنا كتاب الله . وروى ابن أبي حاتم حدثنا أبي حدثنا إسماعيل بن خليل حدثنا علي بن مسهر حدثنا عبد الرحمن بن إسحاق عن خليفة بن قيس عن خالد بن عرفطة قال : كنت عند عمر بن الخطاب إذ أتي برجل من عبد القيس مسكنه بالسوس . فقال له عمر : أنت فلان بن فلان العبدي ؟ قال : نعم . قال : وأنت النازل بالسوس ؟ قال : نعم . فضربه بقناة معه فقال له : ما ذنبي ؟ قال [ ص: 42 ] فقرأ عليه { الر } { تلك آيات الكتاب المبين } { نحن نقص عليك أحسن القصص بما أوحينا إليك هذا القرآن وإن كنت من قبله لمن الغافلين } فقرأها عليه ثلاث مرات وضربه ثلاث ضربات ثم قال له عمر : أنت الذي انتسخت كتاب دانيال ؟ قال : نعم .

قال : اذهب فامحه بالحميم والصوف الأبيض ولا تقرأه ولا تقرئه أحدا من الناس . فقرأ عليه عمر هذه الآية ليبين له أن القرآن أحسن القصص فلا يحتاج معه إلى غيره . وهذا يدل على أن القصص عام لا يختص بسورة يوسف ويدل على أنهم كانوا يعلمون أن القرآن أفضل من كتاب دانيال ونحوه من كتب الأنبياء . وكذلك مثل هذه القصة مأثورة عن ابن مسعود لما أتي بما كتب من الكتب محاه وذكر فضيلة القرآن كما فعل عمر رضي الله عنهما . وروى ابن أبي حاتم عن قتادة { نحن نقص عليك أحسن القصص } قال : من الكتب الماضية وأمور الله السالفة في الأمم { بما أوحينا إليك هذا القرآن } . وهذا يدل على أن أحسن القصص يعم هذا كله ; بل لفظ " القصص " يتناول ما قصه الأنبياء من آيات الله غير أخبار الأمم كقوله تعالى : { ألم يأتكم رسل منكم يقصون عليكم آياتي وينذرونكم لقاء يومكم هذا قالوا شهدنا على أنفسنا } وقال في موضع آخر : { يتلون عليكم آيات ربكم } وقد قال تعالى : { وأنزلنا إليك الكتاب بالحق مصدقا لما بين يديه من الكتاب ومهيمنا عليه } . وروى ابن أبي حاتم بالإسناد المعروف عن ابن عباس قال : مؤتمنا عليه . قال : وروي عن عكرمة والحسن وسعيد بن جبير وعطاء الخراساني أنه الأمين . وروي من تفسير الوالبي عن ابن عباس قال : المهيمن الأمين قال : على كل كتاب قبله وكذلك عن الحسن قال : مصدقا بهذه الكتب وأمينا عليها . ومن تفسير الوالبي أيضا عن ابن عباس ومهيمنا عليه قال : شهيدا وكذلك قال السدي عن ابن عباس وقال في قوله : " ومهيمنا عليه " على كل كتاب قبله . قال : وروي عن سعيد بن جبير وعكرمة وعطية وعطاء الخراساني ومحمد بن كعب وقتادة والسدي وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم نحو ذلك . وابن أبي حاتم قد ذكر في أول كتابه في التفسير أنه طلب منه إخراج تفسير القرآن مختصرا بأصح الأسانيد وأنه تحرى إخراجه بأصح الأخبار إسنادا وأشبعها متنا وذكر إسناده عن كل من نقل عنه شيئا .

فالسلف كلهم متفقون على أن القرآن هو المهيمن المؤتمن الشاهد على ما بين يديه من الكتب ومعلوم أن المهيمن على الشيء أعلى منه مرتبة . ومن أسماء الله " المهيمن " ويسمى الحاكم على الناس القائم بأمورهم " المهيمن " . قال المبرد والجوهري وغيرهما : المهيمن في اللغة المؤتمن . وقال الخليل : الرقيب الحافظ وقال الخطابي : المهيمن [ ص: 44 ] الشهيد . قال وقال بعض أهل اللغة : الهيمنة القيام على الشيء والرعاية له وأنشد :

ألا إن خير الناس بعد نبيهم مهيمنه التاليه في العرف والنكر

يريد القائم على الناس بالرعاية لهم . وفي مهيمن قولان : قيل أصله مؤيمن والهاء مبدلة من الهمزة وقيل بل الهاء أصلية . وهكذا القرآن فإنه قرر ما في الكتب المتقدمة من الخبر عن الله وعن اليوم الآخر وزاد ذلك بيانا وتفصيلا . وبين الأدلة والبراهين على ذلك وقرر نبوة الأنبياء كلهم ورسالة المرسلين وقرر الشرائع الكلية التي بعثت بها الرسل كلهم . وجادل المكذبين بالكتب والرسل بأنواع الحجج والبراهين وبين عقوبات الله لهم ونصره لأهل الكتب المتبعين لها وبين ما حرف منها وبدل وما فعله أهل الكتاب في الكتب المتقدمة وبين أيضا ما كتموه مما أمر الله ببيانه وكل ما جاءت به النبوات بأحسن الشرائع والمناهج التي نزل بها القرآن فصارت له الهيمنة على ما بين يديه من الكتب من وجوه متعددة فهو شاهد بصدقها وشاهد بكذب ما حرف منها وهو حاكم بإقرار ما أقره الله ونسخ ما نسخه فهو شاهد في الخبريات حاكم في الأمريات . [ ص: 45 ] وكذلك معنى " الشهادة " و " الحكم " يتضمن إثبات ما أثبته الله من صدق ومحكم وإبطال ما أبطله من كذب ومنسوخ وليس الإنجيل مع التوراة ولا الزبور بهذه المثابة بل هي متبعة لشريعة التوراة إلا يسيرا نسخه الله بالإنجيل ; بخلاف القرآن . ثم إنه معجز في نفسه لا يقدر الخلائق أن يأتوا بمثله ففيه دعوة الرسول وهو آية الرسول وبرهانه على صدقه ونبوته وفيه ما جاء به الرسول وهو نفسه برهان على ما جاء به .

وفيه أيضا من ضرب الأمثال وبيان الآيات على تفضيل ما جاء به الرسول ما لو جمع إليه علوم جميع العلماء لم يكن ما عندهم إلا بعض ما في القرآن . ومن تأمل ما تكلم به الأولون والآخرون في أصول الدين والعلوم الإلهية وأمور المعاد والنبوات والأخلاق والسياسات والعبادات وسائر ما فيه كمال النفوس وصلاحها وسعادتها ونجاتها لم يجد عند الأولين والآخرين من أهل النبوات ومن أهل الرأي كالمتفلسفة وغيرهم إلا بعض ما جاء به القرآن . ولهذا لم تحتج الأمة مع رسولها وكتابها إلى نبي آخر وكتاب آخر ; فضلا عن أن تحتاج إلى شيء لا يستقل بنفسه غيره سواء كان من علم المحدثين والملهمين أو من علم أرباب النظر والقياس الذين لا يعتصمون مع ذلك بكتاب منزل من السماء . ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم [ ص: 46 ] في الحديث الصحيح { إنه كان في الأمم قبلكم محدثون فإن يكن في أمتي أحد فعمر } . فعلق ذلك تعليقا في أمته مع جزمه به فيمن تقدم لأن الأمم قبلنا كانوا محتاجين إلى المحدثين كما كانوا محتاجين إلى نبي بعد نبي وأما أمة محمد صلى الله عليه وسلم فأغناهم الله برسولهم وكتابهم عن كل ما سواه حتى أن المحدث منهم كعمر بن الخطاب رضي الله عنه إنما يؤخذ منه ما وافق الكتاب والسنة وإذا حدث شيئا في قلبه لم يكن له أن يقبله حتى يعرضه على الكتاب والسنة . وكذلك لا يقبله إلا إن وافق الكتاب والسنة . وهذا باب واسع في فضائل القرآن على ما سواه . والمقصود أن نبين أن مثل هذا هو من العلم المستقر في نفوس الأمة السابقين والتابعين ولم يعرف قط أحد من السلف رد مثل هذا ولا قال : لا يكون كلام الله بعضه أشرف من بعض فإنه كله من صفات الله ونحو ذلك إنما حدث هذا الإنكار لما ظهرت بدع الجهمية الذين اختلفوا في الكتاب وجعلوه عضين .



وممن ذكر " تفضيل بعض القرآن على بعض في نفسه " أصحاب الشافعي وأحمد وغيرهما كالشيخ أبي حامد الإسفرائيني والقاضي أبي الطيب وأبي إسحاق الشيرازي وغيرهم ومثل القاضي أبي يعلى والحلواني الكبير وابنه عبد الرحمن وابن عقيل قال أبو الوفاء ابن عقيل في [ ص: 47 ] " كتاب الواضح في أصول الفقه " في احتجاجه على أن القرآن لا ينسخ بالسنة قال : فمن ذلك قوله : { ما ننسخ من آية أو ننسها نأت بخير منها أو مثلها } وليست السنة مثل القرآن ولا خيرا منه فبطل النسخ بها لأنه يؤدي إلى المحال وهو كون خبره بخلاف مخبره وذلك محال على الله فما أدى إليه فهو محال .

قال : فإن قيل : أصل استدلالكم مبني على أن المراد بالخير الفضل وليس المراد به ذلك وإنما المراد نأت بخير منها لكم وذلك يرجع إلى أحد أمرين في حقنا : إما سهولة في التكليف فهو خير عاجل أو أكثر ثوابا لكونه أثقل وأشق ويكون نفعا في الآجل والعاقبة وكلاهما قد يتحقق بطريق السنة .

ويحتمل : نأت بخير منها لا ناسخا لها بل يكون تكليفا مبتدأ هو خير لكم وإن لم يكن طريقه القرآن الناسخ ولا السنة الناسخة . قالوا : يوضح هذه التأويلات أن القرآن نفسه ليس بعضه خيرا من بعض فلا بد أن يصرفوا اللفظ عن ظاهره من خير يعود إلى التكليف لا إلى الطريق .

وقال في الجواب : قولهم : الخير يرجع إلى ما يخصنا من سهولة أو ثواب لا يصح ; لأنه لو أراد ذلك لقال : " لكم " . فلما حذف ذلك دل على ما يقتضيه الإطلاق وهو كون الناسخ خيرا من جهة نفسه وذاته ومن جهة الانتفاع به في العاجل والآجل على أن ظاهره يقتضي : [ ص: 48 ] بآيات خير منها فإن ذلك يعود إلى الجنس كما إذا قال القائل : ما آخذ منك دينارا إلا أعطيك خيرا منه لا يعقل بالإطلاق إلا دينارا خيرا منه فيتخير من الجنس أولا ثم النفع فإما أن يرجع ذلك إلى ثوب أو عرض غير الدينار فلا وفي آخر الآية ما يشهد بأنه أراد به القرآن لأنه قال : { ألم تعلم أن الله على كل شيء قدير } ووصفه لنفسه بالقدرة يدل على أن الذي يأتي به هو أمر يرجع إليه دون غيره

وكذلك قوله { أو مثلها } يشهد لما ذكرناه لأن المماثلة يقتضي إطلاقها من كل وجه لا سيما وقد أنثها تأنيث الآية فكأنه قال : نأت بآية خير منها أو بآية مثلها . " قلت " : وأيضا فلا يجوز أن يراد بالخير من جهة كونه أخف عملا أو أشق وأكثر ثوابا لأن هذين الوصفين ثابتان لكل ما أمر الله به مبتدأ وناسخا فإنه إما أن يكون أيسر من غيره في الدنيا وإما أن يكون أشق فيكون ثوابه أكثر فإذا كانت هذه الصفة لازمة لجميع الأحكام لم يحسن أن يقال ما ننسخ من حكم نأت بخير منه أو مثله فإن المنسوخ أيضا يكون خيرا ومثلا بهذا الاعتبار فإنهم إن فسروا الخير بكونه أسهل فقد يكون المنسوخ أسهل فيكون خيرا وإن فسروه بكونه أعظم أجرا لمشقته فقد يكون المنسوخ كذلك والله قد أخبر أنه لا بد أن يأتي بخير مما ينسخه أو مثله فلا يأتي بما هو دونه .

[ ص: 49 ] وأيضا فعلى ما قالوه لا يكون شيء خيرا من شيء بل إن كان خيرا من جهة السهولة فذلك خير من جهة كثرة الأجر . قال ابن عقيل : وأما قولهم إن القرآن في نفسه لا يتخاير ولا يتفاضل فعلم أنه لم يرد به الخير الذي هو الأفضلية فليس كذلك فإن توحيد الله الذي في " سورة الإخلاص " وما ضمنها من نفي التجزؤ والانقسام أفضل من " تبت " المتضمنة ذم أبي لهب وذم زوجته إن شئت في كون المدح أفضل من القدح وإن شئت في الإعجاز فإن تلاوة غيرها من الآيات التي تظهر منها الفصاحة والبيان أفضل وليس من حيث كان المتكلم واحدا لا يكون التفاضل لمعنى يعود إلى الكلام ثانيا كما أن المرسل واحد لذي النون وإبراهيم وإبراهيم أفضل من ذي النون . قال : وأما قولهم : { نأت بخير منها } لا يكون ناسخا بل مبتدأ فلا يصح لأنه خرج مخرج الجزاء مجزوما وهذا يعطي البدلية والمقابلة مثل قولهم : إن تكرمني أكرمك وإن أطعتني أطعتك يقتضي أن يكون الجزاء مقابلة وبدلا لا فعلا مبتدأ . قلت : المقصد هنا ذكر ما نصره - من كون القرآن في نفسه بعضه خيرا من بعض - ليس المقصود الكلام في مسألة النسخ وكذلك غير هؤلاء صرحوا بأن بعض القرآن قد يكون خيرا من بعض وممن ذكر ذلك أبو حامد الغزالي في كتابه " جواهر القرآن " قال : [ ص: 50 ] لعلك تقول قد توجه قصدك في هذه التنبيهات إلى تفضيل بعض آيات القرآن على بعض والكل كلام الله فكيف يفارق بعضها بعضا ؟ وكيف يكون بعضها أشرف من بعض ؟ فاعلم أن نور البصيرة إن كان لا يرشدك إلى الفرق بين آية الكرسي وآية المداينات وبين سورة الإخلاص وسورة تبت وترتاع من اعتقاد الفرق نفسك الخوارة المستغرقة في التقليد فقلد صاحب الشرع صلوات الله عليه وسلامه فهو الذي أنزل عليه القرآن وقال : { قلب القرآن يس } وقد دلت الأخبار على شرف بعضه على بعض فقال : { فاتحة الكتاب أفضل سور القرآن } وقال : { آية الكرسي سيدة آي القرآن } وقال : { قل هو الله أحد تعدل ثلث القرآن } والأخبار الواردة في فضائل قوارع القرآن وتخصص بعض السور والآيات بالفضل وكثرة الثواب في تلاوتها لا تحصى فاطلبه من كتب الحديث إن أردت .

وننبهك الآن على معنى هذه الأخبار الأربعة في تفضيل هذه السور . قلت : وسنذكر إن شاء الله ما ذكره في تفضيل ( { قل هو الله أحد } . وممن ذكر كلام الناس في ذلك وحكى هذا القول عمن حكاه من السلف القاضي عياض في " شرح مسلم " قال في { قول النبي صلى الله عليه وسلم لأبي : أتدري أي آية من كتاب الله أعظم ؟ وذكر آية الكرسي } فيه حجة لتفضيل بعض القرآن على بعض [ ص: 51 ] وتفضيل القرآن على سائر كتب الله عند من اختاره : منهم إسحاق بن راهويه وغيره من العلماء والمتكلمين . قال : وذلك راجع إلى عظم أجر قارئي ذلك وجزيل ثوابه على بعضه أكثر من سائره . قال : وهذا مما اختلف أهل العلم فيه فأبى ذلك الأشعري وابن الباقلاني وجماعة من الفقهاء وأهل العلم لأن مقتضى الأفضل نقص المفضول عنه وكلام الله لا يتبعض . قالوا : وما ورد من ذلك بقوله : " أفضل " و " أعظم " لبعض الآي والسور فمعناه عظيم وفاضل . قال : وقيل : كانت آية الكرسي أعظم لأنها جمعت أصول الأسماء والصفات من الإلهية والحياة والوحدانية والعلم والملك والقدرة والإرادة وهذه السبعة قالوا هي أصول الأسماء والصفات . قلت : المقصود ما ذكره من كلام العلماء وأما قول القائل إن هذه السبعة هي أصول الأسماء . فهذه السبعة عند كثير من المتكلمين هي المعروفة بالعقل وما سواها قالوا إنما يعلم بالسمع وهذا أمر يرجع إلى طريق علمنا لا إلى أمر حقيقي ثابت لها في نفس الأمر فكيف والجمهور على أن ما سواها قد يعلم بالعقل أيضا كالمحبة والرضا والأمر والنهي ومذهب ابن كلاب وأكثر قدماء الصفاتية أن العلو من الصفات العقلية وهو مذهب أبي العباس القلانسي والحارث المحاسبي ومذهب طوائف من أهل الكلام والحديث والفقه وهو آخر قولي [ ص: 52 ] القاضي أبي يعلى وأبي الحسن بن الزاغوني وغيره ومذهب ابن كرام وأصحابه وهو قول عامة أئمة الحديث والفقه والتصوف . وكذلك ما فسره القاضي عياض من قول المفضلين إن المراد كثرة الثواب فهذا لا ينازع فيه الأشعري وابن الباقلاني فإن الثواب مخلوق من مخلوقات الله تعالى فلا ينازع أحد في أن بعضه أفضل من بعض وإنما النزاع في نفس كلام الله الذي هو كلامه فحكايته النزاع يناقض ما فسر به قول المثبتة . وقد بين مأخذ الممتنعين عن التفضيل : منهم من نفي التفاضل في الصفات مطلقا بناء على أن القديم لا يتفاضل والقرآن من الصفات . ومنهم من خص القرآن بأنه واحد على أصله فلا يعقل فيه معنيان فضلا أن يعقل فيه فاضل ومفضول وهذا أصل أبي الحسن ومن وافقه كما سنبينه إن شاء الله تعالى .

وهؤلاء الذين ذكرنا أقوالهم في أن كلام الله يكون بعضه أفضل من بعض ليس فيهم أحد من القائلين بأن كلام الله مخلوق - كما يقول ذلك من يقوله من أهل البدع كالجهمية والمعتزلة - بل كل هؤلاء يقولون : إن كلام الله غير مخلوق ولو تتبع ذكر من قال ذلك لكثروا فإن هذا قول جماهير المسلمين من السلف والخلف أهل السنة وأهل البدعة أما السلف - كالصحابة والتابعين لهم بإحسان - فلم يعرف لهم في هذا الأصل تنازع بل الآثار متواترة عنهم به . [ ص: 53 ] واشتهر القول بإنكار تفاضله بعد المائتين لما أظهرت الجهمية القول بأن القرآن مخلوق . واتفق أئمة السنة وجماهير الأمة على إنكار ذلك ورده عليهم . وظنت طائفة كثيرة - مثل أبي محمد بن كلاب ومن وافقه - أن هذا القول لا يمكن رده إلا إذا قيل إن الله لم يتكلم بمشيئته وقدرته ولا كلم موسى حين أتاه ولا قال للملائكة اسجدوا لآدم بعد أن خلقه ولا يغضب على أحد بعد أن يكفر به ولا يرضى عنه بعد أن يطيعه ولا يحبه بعد أن يتقرب إليه بالنوافل ولا يتكلم بكلام بعد كلام فتكون كلماته لا نهاية لها إلى غير ذلك مما ظنوا انتفاءه عن الله . وقالوا إنما يمكن مخالفة هؤلاء إذا قيل بأن القرآن وغيره من الكلام لازم لذات الله تعالى لم يزل ولا يزال يتكلم بكل كلام له كقوله : يا آدم يا نوح . وصاروا طائفتين : طائفة تقول إنه معنى واحد قائم بذاته وطائفة تقول إنه حروف أو حروف وأصوات مقترن بعضها ببعض أزلا وأبدا وإن كانت مترتبة في ذاتها ترتبا ذاتيا لا ترتبا وجوديا كما قد بين مقالات الناس في كلام الله في غير هذا الموضع . والأولون عندهم كلام الله شيء واحد لا بعض له فضلا عن أن يقال بعضه أفضل من بعض . والآخرون يقولون : هو قديم لازم لذاته والقديم لا يتفاضل . وربما نقل عن بعض السلف في قوله تعالى : { نأت بخير منها } أنه قال : [ ص: 54 ] خيرا لكم منها أو أنفع لكم . فيظن الظان أن ذلك القائل موافق لهؤلاء . وليس كذلك بل مقصوده بيان وجه كونه خيرا وهو أن يكون أنفع للعباد فإن ما كان أكثر من الكلام نفعا للعباد كان في نفسه أفضل كما بين في موضعه . وصار من سلك مسلك الكلابية من متأخري أصحاب أحمد ومالك والشافعي وغيرهم يظنون أن القول بتفاضل كلام الله بعضه على بعض إنما يمكن على قول المعتزلة ونحوهم الذين يقولون إنه مخلوق فإن القائلين بأنه مخلوق يرون فضل بعضه على بعض فضل مخلوق على مخلوق وتفضيل بعض المخلوقات على بعض لا ينكره أحد . فإذا ظن أولئك أن القول بتفضيل بعض كلام الله على بعض مستلزم لكون القرآن مخلوقا فروا من ذلك وأنكروا القول به لأجل ما ظنوه من التلازم وليس الأمر كما ظنوه بل سلف الأمة وجمهورها يقولون : إن القرآن كلام الله غير مخلوق وكذلك سائر كلام الله غير مخلوق . ويقولون مع ذلك : إن كلام الله بعضه أفضل من بعض كما نطق بذلك الكتاب والسنة وآثار الصحابة والتابعين من غير خلاف يعرف في ذلك عنهم . وحدثنا أبي عن جدنا أبي البركات وصاحبه أبي عبد الله بن عبد الوهاب أنهما نظرا فيما ذكره بعض المفسرين من الأقوال في قوله : { نأت بخير منها أو مثلها } وأظنه كان نظرهم في تفسير أبي عبد [ ص: 55 ] الله محمد بن تيمية فلما رأيا تلك الأقوال قالا : هذا إنما يجيء على قول المعتزلة . وزار مرة أبو عبد الله بن عبد الوهاب هذا لشيخنا أبي زكريا بن الصيرفي وكان مريضا فدعا أبو زكريا بدعاء مأثور عن الإمام أحمد يقول فيه " أسألك - بقدرتك التي قدرت بها أن تقول للسموات والأرض ائتيا طوعا أو كرها قالتا أتينا طائعين - أن تفعل بنا كذا وكذا " فلما خرج الناس من عنده قال له : ما هذا الدعاء الذي دعوت به ؟ هذا إنما يجيء على قول المعتزلة الذين يقولون القرآن مخلوق فأما أهل السنة فلا يقال عندهم قدر أن يتكلم أو يقول فإن كلامه قديم لازم لذاته لا يتعلق بمشيئته وقدرته .

وكان أبو عبد الله بن عبد الوهاب رحمه الله قد تلقى هذا عن البحوث التي يذكرها أبو الحسن بن الزاغوني وأمثاله وقبله أبو الوفاء ابن عقيل وأمثاله وقبلهما القاضي أبو يعلى ونحوه فإن هؤلاء وأمثالهم من أصحاب مالك والشافعي - كأبي الوليد الباجي وأبي المعالي الجويني - وطائفة من أصحاب أبي حنيفة يوافقون ابن كلاب على قوله : إن الله لا يتكلم بمشيئته وقدرته وعلى قوله : إن القرآن لازم لذات الله بل يظنون أن هذا قول السلف - قول أحمد بن حنبل ومالك والشافعي وسائر السلف - الذين يقولون : القرآن غير مخلوق حتى إن من سلك مسلك السالمية من هؤلاء - كالقاضي وابن عقيل وابن [ ص: 56 ] الزاغوني - يصرحون بأن مذهب أحمد أن القرآن قديم وأنه حروف وأصوات وأحمد بن حنبل وغيره من الأئمة الأربعة لم يقولوا هذا قط ولا ناظروا عليه ولكنهم وغيرهم من أتباع الأئمة الأربعة لم يعرفوا أقوالهم في بعض المسائل . ولكن الذين ظنوا أن قول ابن كلاب وأتباعه هو مذهب السلف ومن أن القرآن غير مخلوق هم الذين صاروا يقولون : إن كلام الله بعضه أفضل إنما يجيء على قول أهل البدعالجهمية والمعتزلة كما صار يقول ذلك طوائف من أتباع الأئمة كما سنذكره من أقوال بعض أصحاب مالك والشافعي ولم يعلموا أن السلف لم يقل أحد منهم بهذا بل أنكروا على ابن كلاب هذا الأصل وأمر أحمد بن حنبل وغيره بهجر الكلابية على هذا الأصل حتى هجر الحارث المحاسبي لأنه كان صاحب ابن كلاب وكان قد وافقه على هذا الأصل ثم روي عنه أنه رجع عن ذلك وكان أحمد يحذر عن الكلابية . وكان قد وقع بين أبي بكر بن خزيمة الملقب بإمام الأئمة وبين بعض أصحابه مشاجرة على هذا الأصل لأنهم كانوا يقولون بقول ابن كلاب وقد ذكر قصتهم الحاكم أبو عبد الله النيسابوري في ( تاريخ نيسابور وبسط الكلام على هذا الأصل له موضع آخر وإنما نبهنا على المآخذ التي تعرف بها حقائق الأقوال .



[ ص: 57 ] فصل وفي الجملة : فدلالة النصوص النبوية والآثار السلفية والأحكام الشرعية والحجج العقلية على أن كلام الله بعضه أفضل من بعض هو من الدلالات الظاهرة المشهورة . وأيضا فإن القرآن وإن كان كله كلام الله وكذلك التوراة والإنجيل والأحاديث الإلهية التي يحكيها الرسول عن الله تبارك وتعالى كقوله : { يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرما فلا تظالموا } الحديث وكقوله : { من ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي } وأمثال ذلك هي وإن اشتركت في كونها كلام الله فمعلوم أن الكلام له نسبتان : نسبة إلى المتكلم به ونسبة إلى المتكلم فيه . فهو يتفاضل باعتبار النسبتين وباعتبار نفسه أيضا مثل الكلام الخبري له نسبتان : نسبة إلى المتكلم المخبر ونسبة إلى المخبر عنه المتكلم فيه . ف { قل هو الله أحد } و { تبت يدا أبي لهب } كلاهما كلام الله وهما مشتركان من هذه الجهة لكنهما متفاضلان من جهة المتكلم فيه المخبر عنه . فهذه كلام الله وخبره الذي يخبر به عن نفسه وصفته التي يصف بها نفسه [ ص: 58 ] وكلامه الذي يتكلم به عن نفسه . وهذه كلام الله الذي يتكلم به عن بعض خلقه ويخبر به عنه ويصف به حاله وهما في هذه الجهة متفاضلان بحسب تفاضل المعنى المقصود بالكلامين . ألا ترى أن المخلوق يتكلم بكلام هو كله كلامه لكن كلامه الذي يذكر به ربه أعظم من كلامه الذي يذكر به بعض المخلوقات والجميع كلامه فاشتراك الكلامين بالنسبة إلى المتكلم لا يمنع تفاضلهما بالنسبة إلى المتكلم فيه سواء كانت النسبتان أو إحداهما توجب التفضيل أو لا توجبه .

فكلام الأنبياء ثم العلماء والخطباء والشعراء بعضه أفضل من بعض وإن كان المتكلم واحدا وكذلك كلام الملائكة والجن وسواء أريد بالكلام المعاني فقط أو الألفاظ فقط أو كلاهما أو كل منهما فلا ريب في تفاضل الألفاظ والمعاني من المتكلم الواحد فدل ذلك على أن مجرد اتفاق الكلامين في أن المتكلم بهما واحد لا يوجب تماثلهما من سائر الجهات . فتفاضل الكلام من جهة المتكلم فيه سواء كان خبرا أو إنشاء أمر معلوم بالفطرة والشرعة فليس الخبر المتضمن للحمد لله والثناء عليه بأسمائه الحسنى كالخبر المتضمن لذكر أبي لهب وفرعون وإبليس وإن كان هذا كلاما عظيما معظما تكلم الله به وكذلك ليس الأمر بالتوحيد والإيمان بالله ورسوله وغير ذلك من أصول الدين الذي أمرت [ ص: 59 ] به الشرائع كلها وغير ذلك مما يتضمن الأمر بالمأمورات العظيمة والنهي عن الشرك وقتل النفس والزنا ونحو ذلك مما حرمته الشرائع كلها وما يحصل معه فساد عظيم كالأمر بلعق الأصابع وإماطة الأذى عن اللقمة الساقطة والنهي عن القران في التمر ولو كان الأمران واجبين فليس الأمر بالإيمان بالله ورسوله كالأمر بأخذ الزينة عند كل مسجد والأمر بالإنفاق على الحامل وإيتائها أجرها إذا أرضعت . ولهذا ذهب جمهور الفقهاء إلى تفاضل أنواع الإيجاب والتحريم وقالوا : إن إيجاب أحد الفعلين قد يكون أبلغ من إيجاب الآخر وتحريمه أشد من تحريم الآخر فهذا أعظم إيجابا وهذا أعظم تحريما ولكن طائفة من أهل الكلام نازعوا في ذلك كابن عقيل وغيره فقالوا : التفاضل ليس في نفس الإيجاب والتحريم لكن في متعلق ذلك وهو كثرة الثواب والعقاب . والجمهور يقولون : بل التفاضل في الأمرين والتفاضل في المسببات دليل على التفاضل في الأسباب وكون أحد الفعلين ثوابه أعظم وعقابه أعظم : دليل على أن الأمر به والنهي عنه أوكد وكون أحد الأمرين والنهيين مخصوصا بالتوكيد دون الثاني مما لا يستريب فيه عاقل ولو تساويا من كل وجه لامتنع الاختصاص بتوكيد أو غيره من أسباب الترجيح فإن التسوية والتفضيل متضادان .

وجمهور أئمة الفقهاء على التفاضل في الإيجاب والتحريم وإطلاق [ ص: 60 ] ذلك هو قول جماهير المتأخرين من أصحاب الأئمة الأربعة . وهو قول القاضي أبي يعلى وأبي الخطاب والقاضي يعقوب البرزيني وعبد الرحمن الحلواني وأبي الحسن بن الزاغوني وغيرهم لكن من هؤلاء من يفسر التفاضل بتفاضل الثواب والعقاب ونحو ذلك مما لا ينازع فيه النفاة . والتحقيق أن نفس المحبة والرضا والبغض والإرادة والكرامة والطلب والاقتضاء ونحو ذلك من المعاني تتفاضل وتتفاضل الألفاظ الدالة عليها . ونفس حب العباد لربهم يتفاضل كما قال تعالى : { والذين آمنوا أشد حبا لله } . ونفس حب الله لهم يتفاضل أيضا فإن الخليلين إبراهيم ومحمدا أحب إليه ممن سواهما وبعض الأعمال أحب إلى الله من بعض والقول بأن هذا الفعل أحب إلي من هذا مشهور ومستفيض في الآثار النبوية وكلام خير البرية كقول بعض الصحابة : لو علمنا أي الأعمال أحب إلى الله لفعلناه فأنزل الله سورة الصف وهو مشهور ثابت رواه الترمذي وغيره . وكون هذا أحب إلى الله من هذا هو داخل في تفضيل بعض الأعمال وبعض الأشخاص على بعض . وبعض الأمكنة والأزمنة على بعض وقد { قال النبي صلى الله عليه وسلم لمكة : والله إنك لخير أرض الله وأحب أرض الله إلى الله . ولولا أن قومي أخرجوني منك لما خرجت } قال الترمذي : حديث حسن صحيح رواه من [ ص: 61 ] حديث عبد الله بن عدي بن الحمراء . وكذلك تفضيل حبه وبغضه على حب غيره وبغضه كما في الصحيحين { عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : لا أحد أحب إليه المدح من الله من أجل ذلك مدح نفسه . ولا أحد أحب إليه العذر من الله من أجل ذلك بعث الرسل مبشرين ومنذرين } .

وقال { لا أحد أغير من الله } وهذا في الصحيحين . وقال تعالى : { لمقت الله أكبر من مقتكم أنفسكم } الآية . ومن المعلوم بالاضطرار تفاضل المأمورات : فبعضها أفضل من بعض وبعض المنهيات شر من بعض وحينئذ فطلب الأفضل يكون في نفسه أكمل من طلب المفضول والطالب إذا كان حكيما يكون طلبه لهذا أوكد . ففي الجملة من المستقر في فطر العقلاء أن كلا من الخبر والأمر يلحقهما التفاضل من جهة المخبر عنه والمأمور به فإذا كان المخبر به أكمل وأفضل كان الخبر به أفضل وإذا كان المأمور به أفضل كان الأمر به أفضل . ولهذا كان الخبر بما فيه نجاة النفوس من العذاب وحصول السعادة الأبدية أفضل من الخبر بما فيه نيل منزلة أو حصول دراهم والرؤيا التي تتضمن أفضل الخبرين أعظم من الرؤيا التي تتضمن أدناهما وهذا أمر مستقر في فطر العقلاء قاطبة . وإذا قدر أميران أمر أحدهما بعدل عام عمر به البلاد ودفع به الفساد كان هذا الأمر أعظم من أمر أمير [ ص: 62 ] يعدل بين خصمين في ميراث بعض الأموات . وأيضا فالخبر يتضمن العلم بالمخبر به والأمر يتضمن طلبا وإرادة للمأمور به وإن لم يكن ذلك إرادة فعل الأمر والله تعالى أمر العباد بما أمرهم به ولكن أعان أهل الطاعة فصار مريدا لأن يخلق أفعالهم ولم يعن أهل المعصية فلم يرد أن يخلق أفعالهم . فهذه الإرادة الخلقية القدرية لا تستلزم الأمر وأما الإرادة بمعنى أنه يحب فعل ما أمر به ويرضاه إذا فعل ويريد من المأمور أن يفعله من حيث هو مأمور فهذه لا بد منها في الأمر . ولهذا أثبت الله هذه الإرادة في الأمر دون الأولى . ولكن في الناس من غلط فنفى الإرادة مطلقا وكلا الفريقين لم يميز بين الإرادة الخلقية والإرادة الأمرية .

والقرآن فرق بين الإرادتين فقال في الأولى : { فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام ومن يرد أن يضله يجعل صدره ضيقا حرجا } وقال نوح : { ولا ينفعكم نصحي إن أردت أن أنصح لكم إن كان الله يريد أن يغويكم } وقال : { ولو شاء الله ما اقتتلوا ولكن الله يفعل ما يريد } وقال : { ولولا إذ دخلت جنتك قلت ما شاء الله لا قوة إلا بالله } ولهذا قال المسلمون : ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن وقال في الثانية : { يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر } وقال : { إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا } وقال : { ما يريد الله ليجعل عليكم من حرج ولكن يريد ليطهركم وليتم نعمته } [ ص: 63 ] وقال : { يريد الله ليبين لكم ويهديكم سنن الذين من قبلكم ويتوب عليكم والله عليم حكيم } { والله يريد أن يتوب عليكم ويريد الذين يتبعون الشهوات أن تميلوا ميلا عظيما } { يريد الله أن يخفف عنكم وخلق الإنسان ضعيفا } . وهذا مبسوط في موضع آخر . والمقصود هنا : أنه لا بد في الأمر من طلب واستدعاء واقتضاء سواء قيل : إن هناك إرادة شرعية وأنه لا إرادة للرب متعلقة بأفعال العباد سواها كما تقوله المعتزلة ونحوهم من القدرية أو قيل : لا إرادة للرب إلا الإرادة الخلقية القدرية التي يقال فيها ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن وأن إرادته عين نفس محبته ورضاه وأن إرادته ومحبته ورضاه متعلقة بكل ما يوجد من إيمان وكفر ولا تتعلق بما لا يوجد سواء كان إيمانا أو كفرا وأنه ليس للعبد قدرة لها أثر في وجود مقدوره وليس في المخلوقات قوى وأسباب يخلق بها ولا لله حكمة يخلق ويأمر لأجلها كما يقول هذا وما يشبهه جهم بن صفوان رأس الجبرية هو ومن وافقه على ذلك أو بعضه من طوائف أهل الكلام وبعض متأخري الفقهاء وغيرهم المثبتين للقدر على هذه الطريقة لا على طريقة السلف والأئمة كأبي الحسن وغيره ; فإن هؤلاء ناقضوا القدرية المعتزلة مناقضة ألجأتهم إلى إنكار حقيقة الأمر والنهي والوعد والوعيد وإن كان من يقول ببعض ذلك يتناقض وقد يثبت أحدهم من ذلك ما لا حقيقة له في المعنى .

[ ص: 64 ] وأما السلف وأئمة الفقهاء وجمهور المسلمين فيثبتون الخلق والأمر والإرادة الخلقية القدرية الشاملة لكل حادث والإرادة الأمرية الشرعية المتناولة لكل ما يحبه الله ويرضاه لعباده وهو ما أمرت به الرسل وهو ما ينفع العباد ويصلحهم ويكون له العاقبة الحميدة النافعة في المعاد الدافعة للفساد .

فهذه الإرادة الأمرية الشرعية متعلقة بإلهيته المتضمنة لربوبيته كما أن تلك الإرادة الخلقية القدرية متعلقة بربوبيته . ولهذا كان من نظر إلى هذه فقط وراعى هذه الخلقية الكونية القدرية دون تلك يكون له بداية بلا نهاية فيكون من الأخسرين أعمالا يحصل لهم بعض مطالبهم في الدنيا لاستعانتهم بالله إذ شهدوا ربوبيته ولا خلاق لهم في الآخرة إذ لم يعبدوا الله مخلصين له الدين . وقد وقع في هذا طوائف من أهل التصوف والكلام .

ومن نظر إلى الحقيقة الشرعية الأمرية دون تلك فإنه قد يكون له عاقبة حميدة وقد يراعى الأمر ; لكنه يكون عاجزا مخذولا حيث لم يشهد ربوبية الله وفقره إليه ليكون متوكلا عليه بريا من الحول والقوة إلا به .

فهذا قد يقصد أن يعبده ولا يقصد حقيقة الاستعانة به وهي حال القدرية من المعتزلة ونحوهم الذين يقرون أن الله ليس خالقا أفعال العباد ولا مريدا للكائنات ولهذا قال أبو سليمان الداراني : إنما يعجب بفعله القدري لأنه لا يرى أنه هو الخالق لفعله .

فأما أهل السنة الذين [ ص: 65 ] يقرون أن الله خالق أفعالهم وأن لله المنة عليهم في ذلك فكيف يعجبون بها ؟ أو كما قال . والأول قد يقصد أن يستعينه ويسأله ويتوكل عليه ويبرأ من الحول والقوة إلا به ولكن لا يقصد أن يعبده بفعل ما أمر به وترك ما نهى عنه على ألسن رسله ولا يشهد أن الله يحب أن يعبد ويطاع وأنه يفرح بتوبة التائبين ويحب المتقين ويغضب على الكفار والمنافقين بل ينسلخ من الدين أو بعضه لا سيما في نهاية أمره .

وهذه الحال إن طردها صاحبها كان شرا من حال المعتزلة القدرية بل إن طردها طردا حقيقيا أخرجته من الدين خروج الشعرة من العجين وهي حال المشركين . وأما من هداه الله فإنه يحقق قوله { إياك نعبد وإياك نستعين } ويعلم أن كل عمل لا يراد به وجه الله ولا يوافق أمره فهو مردود على صاحبه وكل قاصد لم يعنه الله فهو مصدود من مآربه فإنه يشهد أن لا إله إلا الله فيعبد الله مخلصا له الدين مستعينا بالله على ذلك مؤمنا بخلقه وأمره : بقدره وشرعه فيستعين الله على طاعته ويشكره عليها ويعلم أنها منة من الله عليه ويستعيذ بالله من شر نفسه وسيئات عمله ويعلم أن ما أصابه من سيئة فمن نفسه مع علمه بأن كل شيء بقضاء الله وقدره وأن لله الحجة البالغة على خلقه وأن له في خلقه وأمره حكمة بالغة ورحمة سابغة .

وهذه الأمور أصول عظيمة لبسطها موضع آخر . [ ص: 66 ] والمقصود هنا أن الخبر الصادق يتضمن جنس العلم والاعتقاد والأمر يتضمن جنس الطلب باتفاق العقلاء .

ثم هل مدلول الخبر جنس من المعاني غير جنس العلم ومدلول الأمر جنس من المعاني غير جنس الإرادة كما يقول ذلك طائفة من النظار مثل ابن كلاب ومن وافقه ؟ أو المدلول من جنس العلم والإرادة ؟ كما يقوله جمهور نظار أهل السنة الذين يثبتون الصفات والقدر . فيقولون : إن القرآن كلام الله غير مخلوق ويقولون : إن الله خالق أفعال العباد . والمعتزلة وغيرهم ممن يخالف أهل السنة في هذين الأصلين فإن هؤلاء يخالفون ابن كلاب ومن وافقه في ذينك الأصلين . ولهذا يقال : إنه لم يوافقه أحد من الطوائف على ما أحدثه من القول في الكلام والصفات وإن كان قوله خيرا من قول المعتزلة والجهمية المحضة . وأما جمهور المسلمين من الفقهاء وأهل الحديث والصوفية وطوائف النظار فلا يقولون بقول المعتزلة ولا الكلابية كما ذكر ذلك فقهاء الطوائف من أصحاب أبي حنيفة ومالك والشافعي وأحمد وغيرهم في أصول الفقه فضلا عن غيرها من الكتب . والمقصود هنا أن الناس متفقون على أن كلا من أنواع الخبر والأمر لها معان : سواء سمي طلبا أو إرادة أو علما أو حكما أو كلاما نفسانيا . وهذه المعاني تتفاضل في نفسها فليس علمنا بالله وأسمائه [ ص: 67 ] كعلمنا بحال أبي لهب . وليس الطلب القائم بنا إذا أمرنا بالإيمان بالله ورسوله كالطلب القائم بنا إذا أمرنا برفع اليدين في الصلاة والأكل باليمين وإخراج الدرهم من الزكاة .

فعلم بذلك أن معاني الكلام قد تتفاضل في نفسها كما قد تتماثل وتبين بذلك أن ما تضمنه الأمر والنهي من المعاني التي تدل عليها صيغة الأمر - سواء سميت طلبا أو اقتضاء أو استدعاء أو إرادة أو محبة أو رضا أو غير ذلك - فإنها متفاضلة بحسب تفاضل المأمور به وما تضمنه الخبر من أنواع العلوم والاعتقادات والأحكام النفسانية فهي متفاضلة في نفسها بحسب تفاضل المخبر عنه . فهذا نوع من تفاضل الكلام من جهة المتكلم فيه وإن كان المتكلم به واحدا . وهو أيضا متفاضل من جهة المتكلم به وإن كان المتكلم فيه واحدا كما قال تعالى : { وما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحيا أو من وراء حجاب أو يرسل رسولا فيوحي بإذنه ما يشاء } ومعلوم أن تكليمه من وراء حجاب أفضل من تكليمه بالإيحاء وبإرسال رسول ولهذا كان من فضائل موسى عليه السلام أن الله كلمه تكليما وقال : { إني اصطفيتك على الناس برسالاتي وبكلامي } وقال : { تلك الرسل فضلنا بعضهم على بعض منهم من كلم الله ورفع بعضهم درجات } والذي يجد الناس من أنفسهم أن الشخص الواحد تتفاضل أحواله [ ص: 68 ] في أنواع الكلام بل وفي الكلام الواحد يتفاضل ما يقوم بقلبه من المعاني وما يقوم بلسانه من الألفاظ بحيث قد يكون إذا كان طالبا هو أشد رغبة ومحبة وطلبا لأحد الأمرين منه للآخر ويكون صوته به أقوى ولفظه به أفصح وحاله في الطلب أقوى وأشد تأثيرا ; ولهذا يكون للكلمة الواحدة من الموعظة بل للآية الواحدة إذا سمعت من اثنين من ظهور التفاضل ما لا يخفى على عاقل والأمر في ذلك أظهر وأشهر من أن يحتاج إلى تمثيل .

وكذلك في الخبر قد يقوم بقلبه من المعرفة والعلم وتصور المعلوم وشهود القلب إياه باللسان من حسن التعبير عنه لفظا وصوتا ما لا يقاربه ما يقوم بالقلب واللسان إذا أخبر عن غيره . فهذا نوع إشارة إلى قول من يقول بتفضيل بعض كلام الله على بعض موافقا لما دل عليه الكتاب والسنة وكلام السلف والأئمة . والطائفة الثانية تقول : إن كلام الله لا يفضل بعضه على بعض ثم لهؤلاء في تأويل النصوص الواردة في التفضيل قولان : أحدهما أنه إنما يقع التفاضل في متعلقه مثل كون بعضه أنفع للناس من بعض لكون الثواب عليه أكثر أو العمل به أخف مع التماثل في الأجر وتأولوا قوله : { نأت بخير منها } أي نأت بخير منها لكم لا أنها في نفسها خير من تلك . وهذا قول طائفة من المفسرين كمحمد بن جرير الطبري قال . نأت بحكم خير لكم من حكم الآية المنسوخة : إما في العاجل لخفته [ ص: 69 ] عليكم وإما في الآخرة لعظم ثوابه من أجل مشقة حمله . قال : والمراد ما ننسخ من حكم آية كقوله : { وأشربوا في قلوبهم العجل بكفرهم } أي حبه قال : ودل على أن ذلك كذلك قوله : { نأت بخير منها أو مثلها } وغير جائز أن يكون من القرآن شيء خيرا من شيء . لأن جميعه كلام الله ولا يجوز في صفات الله تعالى أن يقال : بعضها أفضل من بعض أو بعضها خير من بعض . وطرد ذلك في أسماء الله فمنع أن يكون بعض أسمائه أعظم أو أفضل أو أكبر من بعض . وقال : معنى الاسم الأعظم : العظيم وكلها سواء في العظمة وإنما يتفاضل حال الناس حين الدعاء فيكون الأعظم بحسب حال الدعاء لا أنه في نفسه أعظم . وهذا القول الذي قاله في أسماء الله نظير القول الثاني في تفضيل بعض كلام الله على بعض فإن القول الثاني لمن منع تفضيله أن المراد يكون هذا أفضل أو خيرا كونه فاضلا في نفسه ; لا أنه أفضل من غيره . وهذا القول يحكى عن أبي الحسن الأشعري ومن وافقه قالوا : إن معنى ذلك أنه عظيم فاضل وقالوا : مقتضى الأفضل تقصير المفضول عنه وكلام الله لا يتبعض وهذا يقولونه في الكلام لأنه واحد بالعين عندهم يمتنع فيه تماثل أو تفاضل وأما في الصفات بعضها على بعض فلامتناع التغاير ولا يقولون هذا في القرآن العربي فإن القرآن العربي عندهم مخلوق وليس هو كلام الله على قول الجمهور منهم قالوا : لأن الكلام [ ص: 70 ] يمتنع قيامه بغير المتكلم كسائر الصفات والقرآن العربي يمتنع عندهم قيامه بذات الله تعالى ولو جوزوا أن يكون كلام الله قائما بغيره لبطل أصلهم الذي اتفقوا عليه هم وسائر أهل السنة وردوا به على المعتزلة في قولهم إن القرآن مخلوق وهؤلاء يسلمون أن القرآن العربي بعضه أفضل من بعض لأنه مخلوق عندهم ولكن ليس هو كلام الله عند جماهيرهم .

وبعض متأخريهم يقول : إن لفظ " كلام الله " يقع بالاشتراك على المعنى القائم بالنفس وعلى الكلام العربي المخلوق الدال عليه . وأما كلام الله الذي ليس بمخلوق عندهم فهو ذلك المعنى وهو الذي يمتنع تفاضله عندهم . وأصل هؤلاء أن كلام الله هو المعاني بل هو المعنى الواحد فقط وأن معاني كتاب الله هي شيء واحد لا يتعدد ولا يتبعض . فمعنى آية الكرسي وآية الدين والفاتحة وقل هو الله أحد وتبت ومعنى التوراة والإنجيل وكل حديث إلهي وكل ما يكلم به الرب عباده يوم القيامة وكل ما يكلم به الملائكة والأنبياء : إنما هي معنى واحد بالعين لا بالنوع . ولا يتعدد ولا يتبعض وأن القرآن العربي ليس هو كلام الله بل كلام غيره : جبريل أو محمد أو مخلوق من مخلوقاته عبر به عن ذلك الواحد وذلك الواحد هو الأمر بكل ما أمر به والنهي عن كل ما نهى عنه والإخبار بكل ما أخبر به وأن الأمر والنهي والخبر ليست أنواعا للكلام وأقساما له فإن الواحد بالعين لا يقبل [ ص: 71 ] التنويع والتقسيم ; بخلاف الواحد بالنوع فإنه يقبل التنويع والتقسيم وإنما هي صفات لذلك الواحد بالعين وهي صفات إضافية له فإذا تعلق بما يطلب من أفعال العباد كان أمرا وإذا تعلق بما ينهى عنه كان نهيا وإذا تعلق بما يخبر عنه كان خبرا . وجمهور العقلاء يقولون : فساد هذا معلوم بالاضطرار فإنا نعلم أن معاني { قل هو الله أحد } ليست هي معاني { تبت يدا أبي لهب } ولا معاني آية الدين معاني آية الكرسي ولا معاني الخبر عن صفات الله هي معاني الخبر عن مخلوقات الله وأن تعلق ذلك المعنى بالحقائق المخبر عنها والأفعال التي تعلق بها الأمر والنهي إن كان أمرا وجوديا فلا بد له من محل فإن قام بذات الله فقد تعددت معاني الكلام القائمة بذاته وإن قام بذات غيره كان صفة لذلك الغير لا لله وإن قام لا بمحل كان ممتنعا ; فإن المعاني لا تقوم بأنفسها ; وإن كان تعلق ذلك المعنى بالحقائق أمرا عدميا لم يكن هناك ما يميز بين الخبر والأمر والنهي بل لا يميز بين خبر الله عن نفسه وعن قوم نوح وعاد إذ كان المعنى الواحد لا تعدد فيه فضلا عن أن يمتاز بعضه عن بعض .

والحقائق المخبر عنها والمأمور بها والمنهي عنها لا تكون بأنفسها مخبرا بها ومأمورا بها ومنهيا عنها بل الخبر عنها والأمر بها والنهي عنها هو غير ذواتها فإذا لم يكن هنا أمر موجود غير ذلك المعنى الذي لا امتياز فيه ولا تعدد وغير المخلوقات التي لا تميز بين الأمر والنهي والخبر : لم [ ص: 72 ] يكن هنا ما يميز بين النهي والخبر ولا ما يجعل معاني آية الوضوء غير معاني آية الدين فإن الحروف المخلوقة الدالة على ذلك المعنى إن لم تدل إلا عليه فلا تعدد فيه ولا تنويع وإن دلت على التعلقات التي هي عدمية فالعدم ليس بشيء حتى يكون أمرا ونهيا وخبرا وليس عند هؤلاء إلا ذلك المعنى وتعلقه بالحقائق المخبر عنها والمأمور بها ونفس القرآن العربي المخلوق عندهم هو الدال على ذلك المعنى فالمدلول إن كان هو ذلك المعنى فلا يتميز فيه أمر عن خبر ولا أمر بصلاة عن أمر بزكاة ولا نهي عن الكفر عن إخبار بتوحيد . وإن كانت التعلقات عدمية فالمعدوم ليس بشيء ولا يكون العدم أمرا ونهيا وخبرا ولا يكون مدلول التوراة والإنجيل والقرآن وسائر كتب الله أمورا عدمية لا وجود لها ولا تكون الأمور العدمية هي التي بها وجبت الصلاة وحرم الظلم ولا يكون المعنى الواحد بتلك الأمور العدمية إلا صفات إضافية وهي من معنى السلبية فإنها إن لم تكن سلب أمر موجود فهي تعلق ليس بموجود . فحقيقة الأمر - على قول هؤلاء - أنه ليس لله كلام لا معان ولا حروف إلا بمعنى واحد لا حقيقة له موجودة ولا معلومة .

ومن حجة هؤلاء أنه إذا قيل بعضه أفضل من بعض كان المفضول ناقصا عن الفاضل وصفات الله كاملة لا نقص فيها والقرآن [ ص: 73 ] من صفاته . قال هؤلاء : صفات الله كلها متوافرة في الكمال متناهية إلى غاية التمام لا يلحق شيئا منها نقص بحال . ثم لما اعتقد هؤلاء أن التفاضل في صفات الله ممتنع ظنوا أن القول بتفضيل بعض كلامه على بعض لا يمكن إلا على قول الجهمية من المعتزلة وغيرهم القائلين بأنه مخلوق فإنه إذا قيل إنه مخلوق أمكن القول بتفضيل بعض المخلوقات على بعض فيجوز أن يكون بعضه أفضل من بعض . قالوا : وأما على قول أهل السنة والجماعة الذين أجمعوا على أن القرآن كلام الله غير مخلوق فيمتنع أن يقع التفاضل في صفات الله القائمة بذاته . ولأجل هذا الاعتقاد صار من يعتقده يذكر إجماع أهل السنة على امتناع التفضيل في القرآن كما قال أبو عبد الله بن الدراج في مصنف صنفه في هذه المسألة قال : " أجمع أهل السنة على أن ما ورد في الشرع مما ظاهره المفاضلة بين آي القرآن وسوره ليس المراد به تفضيل ذوات بعضها على بعض ; إذ هو كله كلام الله وصفة من صفاته بل هو كله لله فاضل كسائر صفاته الواجب لها نعت الكمال " . وهذا النقل للإجماع هو بحسب ما ظنه لازما لأهل السنة فلما علم أنهم يقولون : القرآن كلام الله ليس بمخلوق وظن هو أن المفاضلة إنما تقع في المخلوقات لا في الصفات قال ما قال . وإلا فلا ينقل عن أحد من السلف والأئمة أنه أنكر فضل كلام الله بعضه على [ ص: 74 ] بعض : لا في نفسه ولا في لوازمه ومتعلقاته ; فضلا عن أن يكون هذا إجماعا . وليس هو لازما لابن كلاب ومن وافقه كالأشعري وأتباعه ; فإن هؤلاء يجوزون وقوع المفاضلة في القرآن العربي وهو مخلوق عندهم وهذا المخلوق يسمى " كتاب الله " والمعنى القديم يسمى " كلام الله " ولفظ " القرآن " يراد به عندهم ذلك المعنى القديم والقرآن العربي المخلوق . وحينئذ فهم يتأولون ما ورد من تفضيل بعض القرآن على بعض على القرآن المخلوق عندهم .

وإنما القول المتواتر عن أئمة السلف أنهم قالوا : القرآن كلام الله غير مخلوق وأنهم أنكروا مقالة الجهمية الذين جعلوا القرآن مخلوقا منفصلا عن الله بل كفروا من قال ذلك والكتب الموجودة فيها ألفاظهم بأسانيدها وغير أسانيدها كثيرة : مثل : ( كتاب الرد على الجهمية للإمام أبي محمد عبد الرحمن بن أبي حاتم و ( الرد على الجهمية لعبد الله بن محمد الجعفي شيخ البخاري و ( الرد على الجهمية للحكم بن معبد الخزاعي و ( كتاب السنة لعبد الله بن أحمد بن حنبل و ( السنة لحنبل ابن عم الإمام أحمد و ( السنة لأبي داود السجستاني و ( السنة للأثرم و ( السنة لأبي بكر الخلال و ( السنة والرد على أهل الأهواء لخشيش بن أصرم [ ص: 75 ] ( والرد على الجهمية لعثمان بن سعيد الدارمي . و ( نقض عثمان بن سعيد على الجهمي الكاذب العنيد فيما افترى على الله في التوحيد و ( كتاب التوحيد لابن خزيمة و ( السنة للطبراني ولأبي الشيخ الأصبهاني و ( شرح أصول السنة لأبي القاسم اللالكائي و ( الإبانة لأبي عبد الله بن بطة وكتب أبي عبد الله بن منده و ( السنة لأبي ذر الهروي و ( الأسماء والصفات للبيهقي و ( الأصول لأبي عمر الطلمنكي و ( الفاروق لأبي إسماعيل الأنصاري و ( الحجة لأبي القاسم التيمي .

إلى غير ذلك من المصنفات التي يطول تعدادها : التي يذكر مصنفوها العلماء الثقات مذاهب السلف بالأسانيد الثابتة عنهم بألفاظهم الكثيرة المتواترة التي تعرف منها أقوالهم مع أنه من حين محنة الجهمية لأهل السنة - التي جرت في زمن أحمد بن حنبل لما صبر فيها الإمام أحمد وقام بإظهار السنة والصبر على محنة الجهمية حتى نصر الله الإسلام والسنة وأطفأ نار تلك الفتنة - ظهر في ديار الإسلام وانتشر بين الخاص والعام أن مذهب أهل السنة والحديث المتبعين للسلف من الصحابة والتابعين : أن القرآن كلام الله غير مخلوق وأن الذين أحدثوا في الإسلام القول بأن القرآن مخلوق هم الجعد بن درهم والجهم بن صفوان ومن اتبعه من المعتزلة وغيرهم من أصناف الجهمية لم يقل هذا القول أحد من الصحابة ولا التابعين لهم بإحسان . فهذا القول هو القول المعروف عن أهل السنة والجماعة وهو القول بأن القرآن [ ص: 76 ] كلام الله وهو غير مخلوق . أما كونه لا يفضل بعضه على بعض فهذا القول لم ينقل عن أحد من سلف الأمة وأئمة السنة الذين كانوا أئمة المحنة كأحمد بن حنبل وأمثاله ولا عن أحد قبلهم ولو قدر أنه نقل عن عدد من أئمة السنة لم يجز أن يجعل ذلك إجماعا منهم فكيف إذا لم ينقل عن أحد منهم وإنما هذا نقل لما يظنه الناقل لازما لمذهبهم . فلما كان مذهب أهل السنة أن القرآن من صفات الله لا من مخلوقات الله وظن هذا الناقل أن التفاضل يمتنع في صفات الخالق نقل امتناع التفاضل عنهم بناء على هذا التلازم . ولكن يقال له : أما المقدمة الأولى فمنقولة عنهم بلا ريب .

وأما المقدمة الثانية وهي أن صفات الرب لا تتفاضل فهل يمكنك أن تنقل عن أحد من السلف قولا بذلك فضلا عن أن تنقل إجماعهم على ذلك ما علمت أحدا يمكنه أن يثبت عن أحد من السلف أنه قال ما يدل على هذا المعنى لا بهذا اللفظ ولا بغيره فضلا عن أن يكون هذا إجماعا . ولكن إن كان قال قائل ذلك ولم يبلغنا قوله فالله أعلم . لكن الذي أقطع به ويقطع به كل من له خبرة بكلام السلف أن القول بهذا لم يكن مشهورا بين السلف ولا قاله واحد واشتهر قوله عند الباقين فسكتوا عنه ولا هو معروف في الكتب التي نقل [ ص: 77 ] فيها ألفاظهم بأعيانها بل المنقول الثابت عنهم - أو عن كثير منهم - يدل على أنهم كانوا يرون تفاضل صفات الله تعالى وهكذا من قال من أصحاب مالك أو الشافعي أو أحمد عن أهل السنة : أن القرآن لا يفضل بعضه على بعض فإنما مستندهم أن أهل السنة متفقون على أن القرآن كلام الله غير مخلوق وأن كلامه من صفاته القائمة بنفسه ليس من مخلوقاته وهذا أيضا صحيح عن أهل السنة . ثم ظنوا أن التفاضل إنما يقع في المخلوق لا في الصفات وهذا الظن لم ينقلوه عن أحد من أئمة الإسلام كمالك والشافعي وأحمد وأبي حنيفة والثوري والأوزاعي ولا من قبل هؤلاء ولهذا شنع هؤلاء على من ظن فضل بعضه على بعض كما دلت عليه النصوص والآثار لظنهم أن ذلك مستلزم لخلاف مذهب أهل السنة كما قال أبو عبد الله بن المرابط في الكلام على حديث البخاري في رده لتأويل من تأول هذا الحديث على أن هذه السورة إذا عدلت بثلث القرآن أنها تفضل الربع منه وخمسه وما دون الثلث فهو التفاضل في كتاب الله تعالى وهو صفة من صفات الله جل جلاله وقال : فهذا لولا عذر الجهالة لحكم على قائله بالكفر إذ لا يصح التفاضل إلا في المخلوقات ; إذ صفاته كلها فاضلة في غاية الفضيلة ونهاية العلو والكرامة فمن تنقص شيئا منها عن سائرها فقد ألحد فيها ألا تسمعه منع ذلك بقوله تعالى : { الذين جعلوا القرآن عضين } .

[ ص: 78 ] قال : وقد أجمع أهل السنة على أن القرآن صفة من صفات الله لا من صفة خلقه . قال : وإنما أوقعهم في تأويل ذلك قوله تعالى : { نأت بخير منها أو مثلها } ولا يخلو معنى ذلك من أحد وجهين : إما أن تكون الناسخة خيرا من المنسوخة في ذاتها وإما أن تكون خيرا منها لمن تعبد بها إذ محال أن يتفاضل القرآن في ذاته على ما ذهب إليه أهل السنة والاستقامة ; إذ كل من عند الله ; لأن القرآن العزيز صفة الله وأسماء الله وصفاته كلها متوافرة في الكمال متناهية إلى غاية التمام لا يلحق شيئا منها نقص بحال . فلما استحال أن تكون آية خيرا من آية في ذاتها علمنا أن المراد بخير منها إنما هو للمتعبدين بها لم ينقل عباده من تخفيف إلى تثقيل ولكنه نقلهم بالنسخ من تحريم إلى تحليل ومن إيجاب إلى تخيير ومن تطهير إلى تطهير والشاهد لنا قوله : { يريد الله أن يخفف عنكم وخلق الإنسان ضعيفا } . فيقال : أما قول القائل : " لولا عذر الجهالة لحكم على مثبت المفاضلة بالكفر " فهم يقابلونه بمثل ذلك وحجتهم أقوى . وذلك لأن الكفر حكم شرعي وإنما يثبت بالأدلة الشرعية ومن أنكر شيئا لم يدل عليه الشرع بل علم بمجرد العقل لم يكن كافرا وإنما الكافر من أنكر ما جاء به الرسول ومعلوم أنه ليس في الكتاب والسنة نص يمنع تفضيل بعض كلام الله على بعض بل ولا يمنع تفاضل صفاته [ ص: 79 ] تعالى بل ولا نقل هذا النفي عن أحد من الصحابة والتابعين لهم بإحسان ولا عن أئمة المسلمين الذين لهم لسان صدق في الأمة بحيث جعلوا أعلاما للسنة وأئمة للأمة .



وأما تفضيل بعض كلام الله على بعض ; بل تفضيل بعض صفاته على بعض : فدلالة الكتاب والسنة والأحكام الشرعية والآثار السلفية كثيرة على ذلك فلو قدر أن الحق في نفس الأمر أنها لا تتفاضل لم يكن نفي تفاضلها معلوما إلا بالعقل لا بدليل شرعي وإذا قدر أنها تتفاضل فالدال على ذلك هو الأدلة الشرعية مع العقلية فإذا قدر أن الحق في نفس الأمر هو التفضيل لكان كفر جاحد ذلك أولى من كفر من يثبت التفضيل إذا لم يكن حقا في نفس الأمر لأن ذلك جحد موجب الأدلة الشرعية بغير دليل شرعي ; بل لما رآه بعقله وأخطأ فيه ; إذ نحن نتكلم في هذا التقدير . ومعلوم أن من خالف ما جاءت به الرسل عن الله بمجرد عقله فهو أولى بالكفر ممن لم يخالف ما جاءت به الرسل عن الله وإنما خالف ما علم بالعقل إن كان ذلك حقا . ونظير هذا قول بعض نفاة الصفات لما تأمل حال أصحابه وحال مثبتيها قال : لا ريب أن حال هؤلاء عند الله خير من حالنا فإن هؤلاء إن كانوا مصيبين فقد نالوا الدرجات العلى والرضوان الأكبر وإن كانوا مخطئين فإنهم يقولون : نحن يا رب صدقنا ما دل عليه كتابك [ ص: 80 ] وسنة رسولك إذ لم تبين لنا بالكتاب والسنة نفي الصفات كما دل كلامك على إثباتها فنحن أثبتنا ما دل عليه كلامك وكلام رسولك فإن كان الحق في خلاف ذلك فلم يبين الرسول ما يخالف ذلك ولم يكن خلاف ذلك مما يعلم ببداهة العقول بل إن قدر أنه حق فلا يعلمه إلا الأفراد فكيف وعامة المنتهين في خلاف ذلك إلى الغاية يقرون بالحيرة والارتياب . قال النافي : وإن كنا نحن مصيبين فإنه يقال لنا : أنتم قلتم شيئا لم آمركم بقوله وطلبتم علما لم آمركم بطلبه . فالثواب إنما يكون لأهل الطاعة وأنتم لم تمتثلوا أمري . قال : وإن كنا مخطئين فقد خسرنا خسرانا مبينا .

وهذا حال من أثبت المفاضلة في كلام الله وصفاته ومن نفاها فإن المثبت معتصم بالكتاب والسنة والآثار ومعه من المعقولات الصريحة التي تبين صحة قوله وفساد قول منازعه ما لا يتوجه إليها طعن صحيح . وأما النافي فليس معه آية من كتاب الله ولا حديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا قول أحد من سلف الأمة وإنما معه مجرد رأي يزعم أن عقله دل عليه ومنازعه يبين أن العقل إنما دل على نقيضه وأن خطأه معلوم بصريح المعقول كما هو معلوم بصحيح المنقول . واحتجاج المحتج على نفي التفاضل بقوله : { جعلوا القرآن عضين } في غاية الفساد ; فإن الآية لا تدل على هذا بوجه من الوجوه سواء [ ص: 81 ] أريد بها من آمن ببعضه وكفر ببعضه أو أريد بها من عضهه فقال : هو سحر وشعر ونحو ذلك ; بل من نفى فضل { قل هو الله أحد } على { تبت يدا أبي لهب } فهو أولى بأن يكون ممن جعله عضين ; إن دلت الآية على هذه المسألة .

وذلك أن من آمن بما وصف الله به كلامه فأقر بأنه جميعه كلام الله وأقر به كله فلم يكفر بحرف منه وعلم أن كلام الله أفضل من كل كلام وأن خير الكلام كلام الله وأنه لا أحسن من الله حديثا ولا أصدق منه قيلا وأقر بما أخبر الله به ورسوله من فضل بعض كلامه كفضل ( فاتحة الكتاب و ( آية الكرسي و ( { قل هو الله أحد } ونحو ذلك بل وتفضيل ( يس و ( تبارك والآيتين من آخر سورة البقرة بل وتفضيل ( البقرة و ( آل عمران وغير ذلك من السور والآيات التي نطقت النصوص بفضلها وأقر بأنه كلام الله ليس منه شيء كلاما لغيره لا معانيه ولا حروفه فهو أبعد عن جعله عضين ممن لم يؤمن بما فضل الله به بعضه على بعض ; بل آمن بفضله من جهة المتكلم ولم يؤمن بفضله من جهة المتكلم فيه ; فإن هذا في الحقيقة آمن به من وجه دون وجه .

وكذلك من قال : إنه معنى واحد وأن القرآن العربي لم يتكلم الله به ; بل هو مخلوق خلقه الله في الهواء أو أحدثه جبريل أو محمد فهذا [ ص: 82 ] أولى بأن يكون داخلا فيمن عضه القرآن ورماه بالإفك وجعل القرآن العربي كلام مخلوق : إما بشر وإما ملك وإما غيرهما فمن جعل القرآن كله كلام الله ليس بمخلوق ولا هو من إحداث مخلوق لا جبريل ولا محمد ولا شيء منه بل جبريل رسول ملك ومحمد رسول بشر والله يصطفي من الملائكة رسلا ومن الناس فاصطفى لكلامه الرسول الملكي فنزل به على الرسول البشري الذي اصطفاه وقد أضافه إلى كل من الرسولين لأنه بلغه وأداه ; لا لأنه أنشأه وابتداه قال تعالى : { إنه لقول رسول كريم } { ذي قوة عند ذي العرش مكين } { مطاع ثم أمين } فهذا نعت جبريل الذي قال فيه : { من كان عدوا لجبريل فإنه نزله على قلبك بإذن الله } وقال : { نزل به الروح الأمين } { على قلبك لتكون من المنذرين } { بلسان عربي مبين } وقال : { وإذا بدلنا آية مكان آية والله أعلم بما ينزل قالوا إنما أنت مفتر بل أكثرهم لا يعلمون } { قل نزله روح القدس من ربك بالحق } وقال في الآية الأخرى : { إنه لقول رسول كريم } { وما هو بقول شاعر قليلا ما تؤمنون } { ولا بقول كاهن قليلا ما تذكرون } { تنزيل من رب العالمين } { ولو تقول علينا بعض الأقاويل } { لأخذنا منه باليمين } { ثم لقطعنا منه الوتين } { فما منكم من أحد عنه حاجزين } فهذه صفة محمد صلى الله عليه وسلم .

وأضاف القول إلى كل منهما باسم الرسول فقال { لقول رسول } [ ص: 83 ] لأن الرسول يدل على المرسل فدل على أنه قول رسول بلغه عن مرسل . لم يقل : إنه لقول ملك ولا بشر بل كفر من جعله قول بشر بقوله : { ذرني ومن خلقت وحيدا } { وجعلت له مالا ممدودا } { وبنين شهودا } { ومهدت له تمهيدا } { ثم يطمع أن أزيد } { كلا إنه كان لآياتنا عنيدا } { سأرهقه صعودا } { إنه فكر وقدر } { فقتل كيف قدر } { ثم قتل كيف قدر } { ثم نظر } { ثم عبس وبسر } { ثم أدبر واستكبر } { فقال إن هذا إلا سحر يؤثر } { إن هذا إلا قول البشر } فمن قال إنه قول بشر أو قول مخلوق غير البشر فقد كفر ومن جعله قول رسول من البشر فقد صدق ; لأن الرسول ليس له فيه إلا التبليغ والأداء كما قال تعالى : { يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك } وفي سنن أبي داود عن جابر بن عبد الله { أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يعرض نفسه على الناس في الموسم ويقول : ألا رجل يحملني إلى قومه لأبلغ كلام ربي ؟ فإن قريشا قد منعوني أن أبلغ كلام ربي } . والذي اتفق عليه السلف أن القرآن كلام الله غير مخلوق وقال غير واحد منهم : منه بدأ وإليه يعود . قال أحمد بن حنبل وغيره : " منه بدأ " أي هو المتكلم به لم يبتد من غيره كما قالت الجهمية القائلون بأن القرآن مخلوق قالوا : خلقه في غيره فهو مبتدأ من ذلك المحل المخلوق ويلزمهم أن يكون كلاما لذلك المحل المخلوق لا لله [ ص: 84 ] تعالى ; لا سيما والجهمية كلهم يقولون بأن الله خالق أفعال العباد وهم غلاة في الجبر ولكن المعتزلة توافقهم على نفي الصفات والقول بخلق القرآن وتخالفهم في القدر والأسماء والأحكام فإذا كان الله خالق كل ما سواه لزمهم أن يكون كل كلام كلامه لأنه هو الذي خلقه ولذلك قال ابن عربي الطائي - وكان من غلاة هؤلاء الجهمية يقول بوحدة الوجود - قال :

وكل كلام في الوجود كلامه سواء علينا نثره ونظامه

ولهذا قال سليمان بن داود الهاشمي - نظير أحمد بن حنبل الذي قال الشافعي : ما رأيت أعقل من رجلين أحمد بن حنبل وسليمان بن داود الهاشمي - قال : من قال : { إنني أنا الله لا إله إلا أنا } مخلوق فهو كافر . وإن كان القرآن مخلوقا كما زعموا فلم صار فرعون أولى بأن يخلد في النار إذ قال : { أنا ربكم الأعلى } وزعموا أن هذا مخلوق ؟ . ومعنى ذلك كون قول فرعون : { أنا ربكم الأعلى } كلاما قائما بذات فرعون فإن كان قوله { إنني أنا الله لا إله إلا أنا } كلاما خلقه في الشجرة كانت الشجرة هي القائلة لذلك كما كان فرعون هو القائل لذلك وحينئذ فيكون جعل الشجرة إلها أعظم كفرا من جعل فرعون إلها .

[ ص: 85 ] والجهمية والمعتزلة لم يقم عندهم بذات الله لا طلب ولا إرادة ولا محبة ولا رضا ولا غضب ولا غير ذلك مما يجعل مدلول الأصوات المخلوقة . ولا قام بذاته عندهم إيجاب وإلزام ولا تحريم وحظر فلم يكن للكلام المخلوق في غيره معنى قائم بذاته يدل عليه ذلك المخلوق حتى يفرق بين ما خلقه في الجماد وما خلقه في الحيوان .

وكان مقصود السلف رضوان الله عليهم أن الله هو المتكلم بالقرآن وسائر كلامه . وأنه منه نزل لم ينزل من غيره كما قال تعالى : { والذين آتيناهم الكتاب يعلمون أنه منزل من ربك بالحق } وقال تعالى : { قل نزله روح القدس من ربك بالحق } لم يقل أحد من السلف : إن القرآن قديم وإنما قالوا هو كلام الله غير مخلوق وقالوا لم يزل الله متكلما إذا شاء ومتى شاء وكيف شاء وكما شاء ولا قال أحد منهم : إن الله في الأزل نادى موسى ولا قال : إن الله لم يزل ولا يزال يقول يا آدم يا نوح يا موسى يا إبليس ونحو ذلك مما أخبر أنه قال .

ولكن طائفة ممن اتبع السلف اعتقدوا أنه إذا كان غير مخلوق فلا بد أن يكون قديما إذ ليس عندهم إلا هذا وهذا وهؤلاء ينكرون أن يكون الله يتكلم بمشيئته وقدرته أو يغضب على الكفار إذا عصوه أو يرضى عن المؤمنين إذا أطاعوه أو يفرح بتوبة التائبين إذا تابوا أو يكون نادى موسى حين أتى الشجرة ونحو ذلك مما دل عليه [ ص: 86 ] الكتاب والسنة كقوله : { ذلك بأنهم اتبعوا ما أسخط الله وكرهوا رضوانه فأحبط أعمالهم } وقوله تعالى : { فلما آسفونا انتقمنا منهم } وقوله : { فلما أتاها نودي يا موسى } وقال تعالى : { ولقد خلقناكم ثم صورناكم ثم قلنا للملائكة اسجدوا لآدم } وقال تعالى : { إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم خلقه من تراب ثم قال له كن فيكون } .

وقد أخبر أن كلماته لا نفاد لها بقوله : { لو كان البحر مدادا لكلمات ربي لنفد البحر قبل أن تنفد كلمات ربي ولو جئنا بمثله مددا } وقال تعالى : { ولو أنما في الأرض من شجرة أقلام والبحر يمده من بعده سبعة أبحر ما نفدت كلمات الله إن الله عزيز حكيم } . وأتباع السلف يقولون : إن كلام الله قديم أي لم يزل متكلما إذا شاء لا يقولون : إن نفس الكلمة المعينة قديمة كندائه لموسى ونحو ذلك . لكن هؤلاء اعتقدوا أن القرآن وسائر كلام الله قديم العين وأن الله لا يتكلم بمشيئته وقدرته . ثم اختلفوا : فمنهم من قال القديم هو معنى واحد هو جميع معاني التوراة والإنجيل والقرآن وأن التوراة إذا عبر عنها بالعربية صارت قرآنا والقرآن إذا عبر عنه بالعبرية صار توراة : قالوا : والقرآن العربي لم يتكلم الله به بل إما أن يكون خلقه في بعض الأجسام وإما أن يكون أحدثه جبريل أو محمد فيكون كلاما لذلك الرسول ترجم به عن المعنى الواحد القائم بذات الرب الذي هو [ ص: 87 ] جميع معاني الكلام . ومنهم من قال : بل القرآن القديم هو حروف أو حروف وأصوات وهي قديمة أزلية قائمة بذات الرب أزلا وأبدا وهي متعاقبة في ذاتها وماهيتها لا في وجودها ; فإن القديم لا يكون بعضه متقدما على بعض ففرقوا بين ذات الكلام وبين وجوده وجعلوا التعاقب في ذاته لا في وجوده كما يفرق بين وجود الأشياء بأعيانها وماهياتها من يقول بذلك من المعتزلة والمتفلسفة وكلا الطائفتين تقول : إنه إذا كلم موسى أو الملائكة أو العباد يوم القيامة فإنه لا يكلمه بكلام يتكلم به بمشيئته وقدرته حين يكلمه ولكن يخلق له إدراكا يدرك ذلك الكلام القديم اللازم لذات الله أزلا وأبدا . وعندهم لم يزل ولا يزال يقول : { يا آدم اسكن أنت وزوجك } و : { يا نوح اهبط بسلام منا وبركات عليك } و { يا إبليس ما منعك أن تسجد لما خلقت بيدي } ونحو ذلك وقد بسط الكلام على هذه الأقوال وغيرها في مواضع . والمقصود أن هذين القولين لا يقدر أحد أن ينقل واحدا منهما عن أحد من السلف : أعني الصحابة والتابعين لهم بإحسان وسائر أئمة المسلمين المشهورين بالعلم والدين الذين لهم في الأمة لسان صدق في زمن أحمد بن حنبل ولا زمن الشافعي ولا زمن أبي حنيفة ولا قبلهم .

وأول من أحدث هذا الأصل هو أبو محمد عبد الله بن سعيد بن كلاب وعرف أن الحروف متعاقبة فيمتنع أن تكون قديمة الأعيان فإن المتأخر [ ص: 88 ] قد سبقه غيره والقديم لا يسبقه غيره والصوت المعين لا يبقى زمانين فكيف يكون قديما فقال بأن القديم هو المعنى ثم جعل المعنى واحدا لا يتعدد ولا يتبعض لامتناع اختصاصه بعدد معين وامتناع معان لا نهاية لها في آن واحد وجعل القرآن العربي ليس هو كلام الله . فلما شاع قوله وعرف جمهور المسلمين فساده شرعا وعقلا قالت طائفة أخرى - ممن وافقته على مذهب السلف - إن القرآن كلام الله غير مخلوق وعلى الأصل الذي أحدثه من القول بقدم القرآن - : إن القرآن قديم وهو مع ذلك الحروف المتعاقبة والأصوات المؤلفة . فصار قول هؤلاء مركبا من قول المعتزلة وقول الكلابية فإذا ناظروا المعتزلة على أن القرآن كلام الله غير مخلوق ناظروهم بطريقة ابن كلاب وإذا ناظرهم الكلابية على أن القرآن العربي كلام الله وأن القرآن الذي يقرأه المسلمون كلام الله ناظروهم بحجج المعتزلة . وليس شيء من هذه الأقوال قول أحد من السلف كما بسط في غير هذا الموضع ولا قال شيئا من هذه الأقوال لا الأئمة الأربعة ولا أصحابهم الذين أدركوهم وإنما قاله - ممن ينتسب إليهم - بعض المتأخرين الذين تلقوها عمن قالها من أهل الكلام ولم يكن لهم خبرة لا بأقوال السلف التي دل عليها الكتاب والسنة والعقل الصريح [ ص: 89 ] ولا بحقائق أقوال أهل الكلام الذي ذمه السلف ولم قالوا هذا وما الذي ألجأهم إلى هذا ؟ وقد شاع عند العامة والخاصة أن القرآن ليس بمخلوق والقول بأنه مخلوق قول مبتدع مذموم عند السلف والأئمة فصار من يطالع كتب الكلام التي لا يجد فيها إلا قول المعتزلة وقول من رد عليهم وانتسب إلى السنة يظن أنه ليس في المسألة إلا هذا القول وهذا وذاك قد عرف أنه قول مذموم عند السلف فيظن القول الآخر قول السلف كما يقع مثل ذلك في كثير من المسائل في غير هذه : لا يعرف الرجل في المسألة إلا قولين أو ثلاثة فيظن الصواب واحدا منها ويكون فيها قول لم يبلغه وهو الصواب دون تلك .

وهذا باب واسع في كثير من المسائل . والله يهدينا وسائر إخواننا المسلمين إلى ما يحبه ويرضاه من القول والعمل ومن اجتهد بقصد طاعة الله ورسوله بحسب اجتهاده لم يكلفه الله ما يعجز عنه بل يثيبه الله على ما فعله من طاعته ويغفر ما أخطأ فيه فعجز عن معرفته .



فصل والنصوص والآثار في تفضيل كلام الله - بل وتفضيل بعض صفاته - على بعض متعددة . وقول القائل " صفات الله كلها فاضلة [ ص: 90 ] في غاية التمام والكمال ليس فيها نقص " كلام صحيح لكن توهمه أنه إذا كان بعضها أفضل من بعض كان المفضول معيبا منقوصا خطأ منه فإن النصوص تدل على أن بعض أسمائه أفضل من بعض ولهذا يقال دعا الله باسمه الأعظم . وتدل على أن بعض صفاته أفضل من بعض وبعض أفعاله أفضل من بعض ففي الآثار ذكر اسمه العظيم واسمه الأعظم واسمه الكبير والأكبر كما في السنن ورواه أحمد وابن حبان في صحيحه { عن ابن بريدة عن أبيه قال : دخلت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم المسجد فإذا رجل يصلي يدعو : اللهم إني أسألك بأني أشهد أنك أنت الله لا إله إلا أنت الأحد الصمد الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد . فقال النبي صلى الله عليه وسلم والذي نفسي بيده لقد سأل الله باسمه الأعظم الذي إذا سئل به أعطى وإذا دعي به أجاب } . { وعن أنس قال : كنت جالسا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في الحلقة ورجل قائم يصلي فلما ركع وسجد تشهد ودعا فقال في في دعائه : اللهم إني أسألك بأن لك الحمد لا إله إلا أنت المنان بديع السموات والأرض يا ذا الجلال والإكرام يا حي يا قيوم فقال النبي صلى الله عليه وسلم والذي نفسي بيده لقد دعا باسم الله الأعظم الذي إذا دعي به أجاب وإذا سئل به أعطى } . وقد ثبت في الصحيح عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال { إن الله كتب [ ص: 91 ] في كتاب فهو موضوع عنده فوق العرش : إن رحمتي تغلب غضبي } وفي رواية { سبقت رحمتي غضبي } فوصف رحمته بأنها تغلب وتسبق غضبه وهذا يدل على فضل رحمته على غضبه من جهة سبقها وغلبتها وقد ثبت في صحيح مسلم { عن عائشة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يقول في سجوده اللهم إني أعوذ برضاك من سخطك وبمعافاتك من عقوبتك وأعوذ بك منك } . وروى الترمذي أنه كان يقول ذلك في وتره لكن هذا فيه نظر .

وقد ثبت في الصحيح والسنن والمساند من غير وجه الاستعاذة بكلماته التامات كقوله { أعوذ بكلمات الله التامة من غضبه وعقابه ومن شر عباده ومن همزات الشياطين وأن يحضرون } . وفي صحيح مسلم عن خولة أنه قال صلى الله عليه وسلم { من نزل منزلا فقال : أعوذ بكلمات الله التامة لم يضره شيء حتى يرتحل منه } .

وفي الصحيح أنه قال لعثمان بن أبي العاص : { قل : أعوذ بعزة الله وقدرته من شر ما أجد وأحاذر } . ومعلوم أن المستعاذ به أفضل من المستعاذ منه فقد استعاذ برضاه من سخطه وبمعافاته من عقوبته . وأما استعاذته به منه فلا بد أن يكون باعتبار جهتين : يستعيذ به باعتبار تلك الجهة ومنه باعتبار تلك الجهة ليتغاير المستعاذ به والمستعاذ [ ص: 92 ] منه إذ أن المستعاذ منه مخوف مرهوب منه والمستعاذ به مدعو مستجار به ملتجأ إليه والجهة الواحدة لا تكون مطلوبة مهروبا منها لكن باعتبار جهتين تصح كما في الحديث الذي في الصحيحين عن البراء بن عازب { أن النبي صلى الله عليه وسلم علم رجلا أن يقول عند النوم اللهم أسلمت نفسي إليك ووجهت وجهي إليك وألجأت ظهري إليك وفوضت أمري إليك رغبة ورهبة إليك لا منجا ولا ملجأ منك إلا إليك . آمنت بكتابك الذي أنزلت وبنبيك الذي أرسلت }

فبين أنه لا ينجي منه إلا هو ولا يلتجأ منه إلا إليه . وأعمل الفعل الثاني لما تنازع الفعلان في العمل . ومعلوم أن جهة كونه منجيا غير جهة كونه منجيا منه وكذلك جهة كونه ملتجأ إليه غير كونه ملتجأ منه سواء قيل إن ذلك يتعلق بمفعولاته أو أفعاله القائمة به أو صفاته أو بذاته باعتبارين .

وفي صحيح مسلم عن عبد الله بن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال { المقسطون عند الله على منابر من نور عن يمين الرحمن وكلتا يديه يمين : الذين يعدلون في حكمهم وأهلهم وما ولوا } . وقد جاء ذكر اليدين في عدة أحاديث ويذكر فيها أن كلتاهما يمين مع تفضيل اليمين . قال غير واحد من العلماء لما كانت صفات المخلوقين متضمنة للنقص فكانت يسار أحدهم ناقصة في القوة ناقصة في الفعل [ ص: 93 ] بحيث تفعل بمياسرها كل ما يذم - كما يباشر بيده اليسرى النجاسات والأقذار - بين النبي صلى الله عليه وسلم أن كلتا يمين الرب مباركة ليس فيها نقص ولا عيب بوجه من الوجوه كما في صفات المخلوقين مع أن اليمين أفضلهما كما في حديث آدم قال { اخترت يمين ربي وكلتا يدي ربي يمين مباركة } فإنه لا نقص في صفاته ولا ذم في أفعاله بل أفعاله كلها إما فضل وإما عدل . وفي الصحيحين عن أبي موسى عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : { يمين الله ملأى لا يغيضها نفقة سحاء الليل والنهار أرأيتم ما أنفق منذ خلق السموات والأرض فإنه لم يغض ما في يمينه . والقسط بيده الأخرى يرفع ويخفض } فبين صلى الله عليه وسلم أن الفضل بيده اليمنى والعدل بيده الأخرى . ومعلوم أنه مع أن كلتا يديه يمين فالفضل أعلى من العدل وهو سبحانه كل رحمة منه فضل وكل نقمة منه عدل ورحمته أفضل من نقمته . ولهذا كان المقسطون على منابر من نور عن يمين الرحمن ولم يكونوا عن يده الأخرى . وجعلهم عن يمين الرحمن تفضيل لهم كما فضل في القرآن أهل اليمين وأهل الميمنة على أصحاب الشمال وأصحاب المشأمة وإن كانوا إنما عذبهم بعدله . وكذلك الأحاديث والآثار جاءت بأن أهل قبضة اليمين هم أهل السعادة وأهل القبضة الأخرى هم أهل الشقاوة . [ ص: 94 ] ومما يبين هذا أن الشر لم يرد في أسمائه وإنما ورد في مفعولاته ولم يضف إليه إلا على سبيل العموم وأضافه إلى السبب المخلوق أو بحذف فاعله وذلك كقوله تعالى : { الله خالق كل شيء } و { من شر ما خلق } وكأسمائه المقترنة مثل المعطي المانع الضار النافع المعز المذل الخافض الرافع وكقوله : { وإذا مرضت فهو يشفين } وكقوله : { صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين } وكقول الجن : { وأنا لا ندري أشر أريد بمن في الأرض أم أراد بهم ربهم رشدا } . وقد ثبت في صحيح مسلم عن { النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يقول في دعاء الاستفتاح والخير بيديك والشر ليس إليك } وسواء أريد به : أنه لا يضاف إليك ولا يتقرب به إليك أو قيل إن الشر إما عدم وإما من لوازم العدم وكلاهما ليس إلى الله فهذا يبين أنه سبحانه إنما يضاف إليه الخير وأسماؤه تدل على صفاته وذلك كله خير حسن جميل ليس فيه شر وإنما وقع الشر في المخلوقات قال تعالى { نبئ عبادي أني أنا الغفور الرحيم } { وأن عذابي هو العذاب الأليم } وقال تعالى : { اعلموا أن الله شديد العقاب وأن الله غفور رحيم } وقال تعالى : { إن ربك سريع العقاب وإنه لغفور رحيم } فجعل المغفرة والرحمة من معاني أسمائه الحسنى التي يسمي بها نفسه فتكون المغفرة [ ص: 95 ] والرحمة من صفاته وأما العقاب الذي يتصل بالعباد فهو مخلوق له وذلك هو الأليم فلم يقل : وإني أنا المعذب ولا في أسمائه الثابتة عن النبي صلى الله عليه وسلم اسم المنتقم وإنما جاء المنتقم في القرآن مقيدا كقوله { إنا من المجرمين منتقمون } وجاء معناه مضافا إلى الله في قوله : { إن الله عزيز ذو انتقام } وهذه نكرة في سياق الإثبات والنكرة في سياق الإثبات مطلقة ليس فيها عموم على سبيل الجمع .

وذلك أن الله سبحانه حكيم رحيم وقد أخبر أنه لم يخلق المخلوقات إلا بحكمته كما قال في قوله تعالى : { وما خلقنا السماء والأرض وما بينهما باطلا ذلك ظن الذين كفروا } وقال تعالى : { إن في خلق السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار لآيات لأولي الألباب } { الذين يذكرون الله قياما وقعودا وعلى جنوبهم ويتفكرون في خلق السماوات والأرض ربنا ما خلقت هذا باطلا } وقال تعالى : { وما خلقنا السماء والأرض وما بينهما لاعبين } { لو أردنا أن نتخذ لهوا لاتخذناه من لدنا إن كنا فاعلين } وقال في السورة الأخرى : { ما خلقناهما إلا بالحق ولكن أكثرهم لا يعلمون } وهذا يبين أن معنى قوله في سائر الآيات : ( بالحق هو لهذا المعنى الذي يتضمن حكمته كما قال : { وهو الذي خلق السماوات والأرض بالحق ويوم يقول كن فيكون } وقوله : { وما خلقنا السماوات والأرض وما بينهما إلا بالحق وإن الساعة لآتية فاصفح الصفح الجميل } { إن ربك هو الخلاق العليم } . وبعض الناس يظن أن قوله { هو الخلاق } إشارة إلى أنه خالق أفعال العباد فلا ينبغي التشديد في الإنكار عليهم بل يصفح عنهم الصفح الجميل لأجل القدر وهذا من أعظم الجهل فإنه سبحانه قد عاقب المخالفين له ولرسله . وغضب عليهم وأمر بمعاقبتهم وأعد لهم من العذاب ما ينافي قول هؤلاء المعطلين لأمره ونهيه ووعده ووعيده . وقوله { فاصفح الصفح الجميل } تعلق بما قبله وهو قوله { وإن الساعة لآتية فاصفح الصفح الجميل } فإن لهم موعدا يجزون فيه كما قال تعالى في نظائر ذلك : { فإنما عليك البلاغ وعلينا الحساب } { فذكر إنما أنت مذكر } { لست عليهم بمسيطر } { إلا من تولى وكفر } { فيعذبه الله العذاب الأكبر } { إن إلينا إيابهم } { ثم إن علينا حسابهم } وقوله : { فتول عنهم حتى حين } وقوله { فاصفح عنهم وقل سلام فسوف يعلمون } ولم يعذر الله أحدا قط بالقدر ولو عذر به لكان أنبياؤه وأولياؤه أحق بذلك وآدم إنما حج موسى لأنه لامه على المصيبة التي أصابت الذرية فقال له : لماذا أخرجتنا ونفسك من الجنة ؟ وما أصاب العبد من المصائب فعليه أن يسلم فيها لله ويعلم أنها مقدرة عليه كما قال تعالى : { ما أصاب من مصيبة إلا بإذن الله ومن يؤمن بالله يهد قلبه } قال [ ص: 97 ] علقمة - وقد روي عن ابن مسعود - : هو الرجل تصيبه المصيبة فيعلم أنها من عند الله فيرضى ويسلم : فالعبد مأمور بالتقوى والصبر فالتقوى فعل ما أمر به ومن الصبر الصبر على ما أصابه وهذا هو صاحب العاقبة المحمودة كما قال يوسف عليه السلام { إنه من يتق ويصبر فإن الله لا يضيع أجر المحسنين } وقال تعالى : { وإن تصبروا وتتقوا فإن ذلك من عزم الأمور } وقال : { وإن تصبروا وتتقوا لا يضركم كيدهم شيئا } وقال : { بلى إن تصبروا وتتقوا ويأتوكم من فورهم هذا يمددكم ربكم بخمسة آلاف من الملائكة مسومين } . ولا بد لكل عبد من أن يقع منه ما يحتاج معه إلى التوبة والاستغفار ويبتلى بما يحتاج معه إلى الصبر فلهذا يؤمر بالصبر والاستغفار كما قيل لأفضل الخلق : { فاصبر إن وعد الله حق واستغفر لذنبك وسبح بحمد ربك بالعشي والإبكار } وقد بسط الكلام في غير هذا الموضع على مناظرة آدم وموسى ; فإن كثيرا من الناس حملوها على محامل مخالفة للكتاب والسنة وإجماع الأمة ومنهم من كذب بالحديث لعدم فهمه له والحديث حق يوجب أن الإنسان إذا جرت عليه مصيبة بفعل غيره مثل أبيه أو غير أبيه لا سيما إذا كان أبوه قد تاب منها فلم يبق عليه من جهة الله تبعة كما جرى لآدم صلوات الله عليه قال تعالى : { وعصى آدم ربه فغوى } { ثم اجتباه ربه فتاب عليه وهدى } [ ص: 98 ] وقال : { فتلقى آدم من ربه كلمات فتاب عليه } وكان آدم وموسى أعلم بالله من أن يحتج أحدهما لذنبه بالقدر ويوافقه الآخر ولو كان كذلك لم يحتج آدم إلى توبة ولا أهبط من الجنة وموسى هو القائل : { رب إني ظلمت نفسي فاغفر لي } وهو القائل : { رب اغفر لي ولأخي وأدخلنا في رحمتك وأنت أرحم الراحمين } وهو القائل : { أنت ولينا فاغفر لنا وارحمنا وأنت خير الغافرين } وهو القائل لقومه : { فتوبوا إلى بارئكم فاقتلوا أنفسكم ذلكم خير لكم عند بارئكم } فلو كان المذنب يعذر بالقدر لم يحتج إلى هذا بل كان الاحتجاج بالقدر لما حصل من موسى ملام على ما قدر عليه من المصيبة التي كتبها الله وقدرها . ومن الإيمان بالقدر أن يعلم العبد أن ما أصابه لم يكن ليخطئه وما أخطأه لم يكن ليصيبه فالمؤمن يصبر على المصائب ويستغفر من الذنوب والمعائب والجاهل الظالم يحتج بالقدر على ذنوبه وسيئاته ولا يعذر بالقدر من أساء إليه ولا يذكر القدر عند ما ييسره الله له من الخير فعكس القضية بل كان الواجب عليه إذا عمل حسنة أن يعلم أنها نعمة من الله هو يسرها وتفضل بها فلا يجب بها ولا يضيفها إلى نفسه كأنه الخالق لها وإذا عمل سيئة استغفر وتاب منها وإذا أصابته مصيبة سماوية أو بفعل العباد يعلم أنها كانت مقدرة مقضية عليه [ ص: 99 ] وهذا مبسوط في موضعه .

والمراد هنا أنه سبحانه بين أنه إنما خلق المخلوقات لحكمته وهذا معنى قوله : { بالحق } وقد ذم من ظن أنه خلق ذلك باطلا وعبثا فقال : { أفحسبتم أنما خلقناكم عبثا وأنكم إلينا لا ترجعون } وقال : { أيحسب الإنسان أن يترك سدى } وقال : { إن في خلق السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار لآيات لأولي الألباب } { الذين يذكرون الله قياما وقعودا وعلى جنوبهم ويتفكرون في خلق السماوات والأرض ربنا ما خلقت هذا باطلا سبحانك فقنا عذاب النار } فلا بد من جزاء العباد على أعمالهم فلهذا قيل : { فاصفح الصفح الجميل } .

ولله سبحانه في كل ما يخلقه حكمة يحبها ويرضاها وهو سبحانه أحسن كل شيء خلقه وأتقن كل ما صنع فما وقع من الشر الموجود في المخلوقات فقد وجد لأجل تلك الحكمة المطلوبة المحبوبة المرضية فهو من الله حسن جميل وهو سبحانه محمود عليه وله الحمد على كل حال وإن كان شرا بالنسبة إلى بعض الأشخاص .

وهذا موضوع عظيم قد بسط في غير هذا الموضع فإن الناس - في باب خلق الرب وأمره ولم فعل ذلك - على طرفين ووسط : فالقدرية من المعتزلة وغيرهم قصدوا تعظيم الرب وتنزيهه عما ظنوه قبيحا من الأفعال وظلما ; فأنكروا عموم قدرته ومشيئته ولم يجعلوه خالقا [ ص: 100 ] لكل شيء ولا أنه ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن بل قالوا : يشاء ما لا يكون ويكون ما لا يشاء ثم إنهم وضعوا لربهم شريعة فيما يجب عليه ويحرم - بالقياس على أنفسهم - وتكلموا في التعديل والتجويز بهذا القياس الفاسد الذي شبهوا فيه الخالق بالمخلوق فضلوا وأضلوا . وقابلهم الجهمية الغلاة في الجبر فأنكروا حكمة الله ورحمته وقالوا : لم يخلق لحكمة ولم يأمر بحكمة وليس في القرآن " لام كي " لا في خلقه ولا في أمره .

وزعموا أن قوله { وسخر لكم ما في السماوات وما في الأرض جميعا } و { خلق لكم ما في الأرض جميعا } وقوله : { ولله ما في السماوات وما في الأرض ليجزي الذين أساءوا بما عملوا ويجزي الذين أحسنوا بالحسنى } وقوله { ولتكملوا العدة ولتكبروا الله على ما هداكم } وقوله : { لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل } - وأمثال ذلك - إنما اللام فيه لام العاقبة كقوله : { فالتقطه آل فرعون ليكون لهم عدوا وحزنا } وقول القائل : " لدوا للموت وابنوا للخراب " . ولم يعلموا أن لام العاقبة إنما تصح ممن يكون جاهلا بعاقبة فعله كفرعون الذي لم يكن يدري ما ينتهي إليه أمر موسى أو ممن يكون عاجزا عن رد عاقبة فعله كعجز بني آدم عن دفع الموت عن أنفسهم والخراب عن ديارهم فأما من هو بكل شيء عليم وعلى كل شيء قدير وهو مريد لكل [ ص: 101 ] ما خلق : فيمتنع في حقه لام العاقبة التي تتضمن نفي العلم أو نفي القدرة . وأنكر هؤلاء محبة الله ورضاه لبعض الموجودات دون بعض . وقالوا المحبة والرضا هو من معنى الإرادة والله مريد لكل ما خلقه فهو راض بذلك محب له . وزعموا أن ما في القرآن من نفي حبه ورضاه بالكفر والمعاصي كقوله : { والله لا يحب الفساد } { ولا يرضى لعباده الكفر } محمول على عباده الذين لم يقع ذلك منهم أو أنه لم يرده دينا يثيبهم عليه . وزعموا أن الله لا يحب ولا يرضى ما أمر به من العبادات إلا إذا وقع فيريده كما يريد حينئذ ما وقع من الكفر والمعاصي إلى غير ذلك من أقوالهم المبسوطة في غير هذا الموضع .

وكثير من المتأخرين يظن أن هذا قول أهل السنة وهذا مما لم يقله أحد من سلف الأمة وأئمتها بل جميع مثبتة القدر المتقدمين كانوا يفرقون بين المحبة والرضا وبين الإرادة ولكن أبو الحسن الأشعري اتبع جهما في ذلك . قال أبو المعالي الجويني : ومما اختلف أهل الحق في إطلاقه وعدم إطلاقه المحبة والرضا فصار المتقدمون إلى أنه سبحانه لا يحب الكفر ولا يرضاه وكذلك كل معصية . وقال شيخنا أبو الحسن : المحبة هي الإرادة نفسها وكذلك الرضا والاصطفاء وهو سبحانه يريد الكفر [ ص: 102 ] ويرضاه كفرا قبيحا معاقبا عليه . وهو كما قال أبو المعالي فإن المتقدمين من جميع أهل السنة على ما دل عليه الكتاب والسنة من أنه سبحانه لا يرضى ما نهى عنه ولا يحبه وعلى ذلك قدماء أصحاب الأئمة الأربعة أصحاب أبي حنيفة ومالك والشافعي وأحمد كأبي بكر عبد العزيز وغيره من قدمائهم ولكن من المتأخرين من سوى بين الجميع كما قاله أبو الحسن وهو في الأصل قول لجهم فهو الذي قال في القدر بالجبر وبما يخالف أهل السنة وأنكر رحمه الله تعالى وكان يخرج إلى الجذمى فيقول : أرحم الراحمين يفعل هذا ؟ فنفى أن يكون الله أرحم الراحمين وقد قال الصادق المصدوق { لله أرحم بعباده من الوالدة بولدها } . وهذه مسائل عظيمة ليس هذا موضع بسطها . وإنما المقصود هنا التنبيه على الجمل فإن كثيرا من الناس يقرأ كتبا مصنفة في أصول الدين وأصول الفقه بل في تفسير القرآن والحديث ولا يجد فيها القول الموافق للكتاب والسنة الذي عليه سلف الأمة وأئمتها وهو الموافق لصحيح المنقول وصريح المعقول بل يجد أقوالا كل منها فيه نوع من الفساد والتناقض فيحار ما الذي يؤمن به في هذا الباب وما الذي جاء به الرسول وما هو الحق والصدق إذ لم يجد في تلك الأقوال ما يحصل به ذلك وإنما الهدى فيما جاء به الرسول الذي قال الله فيه : { وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم } { صراط الله الذي له ما في السماوات وما في الأرض ألا إلى الله تصير الأمور } .



[ ص: 103 ] فصل وإذا علم ما دل عليه الشرع مع العقل واتفاق السلف من أن بعض القرآن أفضل من بعض وكذلك بعض صفاته أفضل من بعض بقي الكلام في كون ( { قل هو الله أحد } تعدل ثلث القرآن ما وجه ذلك ؟ وهل ثوابها بقدر ثواب ثلث القرآن وإذا قدر أن الأمر كذلك فما وجه قراءة سائر القرآن ؟ فيقال : أما الأول فقد قيل فيه وجوه أحسنها - والله أعلم - الجواب المنقول عن الإمام أبي العباس ابن سريج فعن أبي الوليد القرشي أنه سأل أبا العباس بن سريج عن معنى قول النبي صلى الله عليه وسلم { { قل هو الله أحد } تعدل ثلث القرآن } فقال : معناه أنزل القرآن على ثلاثة أقسام : ثلث منها الأحكام وثلث منها وعد ووعيد وثلث منها الأسماء والصفات . وهذه السورة جمعت الأسماء والصفات . وقد ذكر أبو الفرج ابن الجوزي في هذا الحديث ثلاثة أوجه : بدأ بهذا الوجه فروى قول ابن سريج هذا بإسناده عن زاهد عن الصابوني والبيهقي عن الحاكم أبي عبد الله الحافظ قال : سمعت أبا الوليد [ ص: 104 ] حسان بن محمد الفقيه يقول : سألت أبا العباس ابن سريج قلت : ما معنى قول النبي صلى الله عليه وسلم { { قل هو الله أحد } تعدل ثلث القرآن } ؟ قال : إن القرآن أنزل على ثلاثة أقسام : فثلث أحكام وثلث وعد ووعيد وثلث أسماء وصفات . وقد جمع في ( { قل هو الله أحد } أحد الأثلاث وهو الصفات فقيل إنها تعدل ثلث القرآن .

الوجه الثاني - من الوجوه الثلاثة التي ذكرها أبو الفرج ابن الجوزي - أن معرفة الله هي معرفة ذاته ومعرفة أسمائه وصفاته ومعرفة أفعاله فهذه السورة تشتمل على معرفة ذاته إذ لا يوجد شيء إلا وجد من شيء [ ما خلا الله . فإنه ليس له كفء ] ولا له مثل . قال أبو الفرج : ذكره بعض فقهاء السلف .

قال : والوجه الثالث أن المعنى : من عمل ما تضمنته من الإقرار بالتوحيد والإذعان للخالق كان كمن قرأ ثلث القرآن ولم يعمل بما تضمنته ذكره ابن عقيل .

قال ابن عقيل : ولا يجوز أن يكون المعنى : من قرأها فله أجر ثلث القرآن لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم { من قرأ القرآن فله بكل حرف عشر حسنات } . قلت : كلا الوجهين ضعيف . أما الأول فيدل على ضعفه وجوه : الأول أن نقول القرآن ليس [ ص: 105 ] كله هو المعرفة المذكورة بل فيه أمر بالأعمال الواجبة ونهي عن المحرمات والمطلوب من العباد المعرفة الواجبة والعمل الواجب والأمة كلها متفقة على وجوب الأعمال التي فرضها الله لم يقل أحد بأنها ليست من الواجبات وإن كان طائفة من الناس نازعوا في كون الأعمال من الإيمان فلم ينازعوا في أن الله فرض الصلوات الخمس وغيرها من شرائع الإسلام وحرم الفواحش : { ما ظهر منها وما بطن والإثم والبغي بغير الحق وأن تشركوا بالله ما لم ينزل به سلطانا وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون } وإذا كان كذلك وقدر أن سورة من السور تضمنت ثلث المعرفة لم يكن هذا ثلث القرآن . الثاني أن يقال : قول القائل معرفة ذاته ومعرفة أسمائه وصفاته ومعرفة أفعاله إن أراد بذلك أن ذاته تعرف بدون معرفة شيء من أسمائه وصفاته الثبوتية والسلبية فهذا ممتنع ولو قدر إمكان ذلك أو فرض العبد في نفسه ذاتا مجردة عن جميع القيود السلبية والثبوتية فليس ذاك معرفته بالله ألبتة ولا هو رب العالمين ذات مجردة عن كل أمر سلبي أو ثبوتي ; ولهذا لم يقل أحد من العقلاء هذا إلا القرامطة الباطنية يقولون : يسلب عنه كل أمر ثبوتي وعدمي فلا يقال موجود ولا معدوم ولا عالم ولا ليس بعالم ولا قادر ولا ليس بقادر ولا نحو ذلك وهؤلاء مع أن قولهم معلوم الفساد بضرورة العقل فإنهم [ ص: 106 ] متناقضون أما الأول فلأن سلب النقيضين ممتنع كما أن جمعهما ممتنع فيمتنع أن يكون شيء من الأشياء لا موجودا ولا معدوما . وأما تناقضهم لا بد أن يذكروا ما ذكروا أنه يسلب عنه النقيضان ببعض الأمور التي يتميز بها ليخبر عنه بهذا السلب وأي شيء قالوه فلا بد أن يتضمن نفيا أو إثباتا بل لا بد أن يتضمن إثباتا وقد بسطنا الرد عليهم في غير هذا الموضع .

ولهذا كان كثير من الملاحدة لا يصلون إلى هذا الحد ; بل يقولون كما قال أبو يعقوب السجستاني وغيره من الملاحدة : نحن لا ننفي النقيضين بل نسكت عن إضافة واحد منهما إليه ; فلا نقول هو موجود ولا معدوم ولا حي ولا ميت ولا عالم ولا جاهل .

فيقال لهم : إعراض قلوبكم عن العلم به وكف ألسنتكم عن ذكره لا يوجب أن يكون هو في نفسه مجردا عن النقيضين ; بل يفيد هذا كفركم بالله وكراهتكم لمعرفته وذكره وعبادته وهذا حقيقة مذهبكم . ومن قال من الملاحدة المنتسبين إلى التصوف والتحقيق كابن سبعين والصدر القونوي وغيرهما : إنه وجود مطلق بشرط الإطلاق عن كل وصف ثبوتي وسلبي فهو من جنس هؤلاء .

لكن هؤلاء يقولون هو وجود مطلق فيخصونه بالوجود دون العدم . ثم يقولون هو مطلق والمطلق بشرط الإطلاق عن كل قيد سلبي وثبوتي إنما يكون في [ ص: 107 ] الأذهان لا في الأعيان . وهؤلاء يقولون : الوجود الكلي المقسوم إلى واجب وممكن الذي يجعله الفلاسفة موضوع العلم الإلهي ويسمونه " الحكمة العليا " و " الفلسفة الأولى " إنما يكون كليا في الأذهان لا في الأعيان فليس في الخارج قط وجود هو بعينه واجب وهو بعينه ممكن ولا وجود هو نفسه يتصف به الواجب وهو نفسه يتصف به الممكن ; بل صفة الواجب تختص به وصفة الممكن تختص به ووجود الواجب يخصه لا يشركه فيه غيره ووجود الممكن يخصه لا يشركه فيه غيره .

ولهذا كان كل ما وصف به الرب نفسه من صفاته فهي صفات مختصة به يمتنع أن يكون له فيها مشارك أو مماثل فإن ذاته المقدسة لا تماثل شيئا من الذوات وصفاته مختصة به فلا تماثل شيئا من الصفات ; بل هو سبحانه أحد صمد { لم يلد ولم يولد } {