الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب

[ ص: 286 ] سئل الشيخ الإمام الرباني شيخ الإسلام بحر العلوم إمام الأئمة ناصر السنة علامة الورى وارث الأنبياء . أبو العباس أحمد بن عبد الحليم ابن تيمية رضي الله عنه عن كلمات وجدت بخط من يوثق به ذكرها عنه جماعة من الناس فيهم من انتسب إلى الدين. فمن ذلك : قال بعض السلف : إن الله لطف ذاته فسماها حقا وكشفها فسماها خلقا .

وقال الشيخ نجم الدين ابن إسرائيل : أن الله ظهر في الأشياء حقيقة واحتجب بها مجازا فمن كان من أهل الحق والجمع : شهدها مظاهر ومجالي ومن كان من أهل المجاز والفرق : شهدها ستورا وحجبا قال : وقال في قصيدة له : -

لقد حق لي رفض الوجود وأهله وقد علقت كفاي جمعا بموجدي

[ ص: 287 ] ثم بعد مدة غير البيت بقوله : -

لقد حق لي عشق الوجود وأهله

فسألته عن ذلك فقال : مقام البداية أن يرى الأكوان حجبا فيرفضها ثم يراها مظاهر ومجالي فيحق له العشق لها كما قال بعضهم : -

أقبل أرضا سار فيها جمالها     فكيف بدار دار فيها جمالها

قال : وقال ابن عربي عقيب إنشاد بيتي أبي نواس : -

رق الزجاج وراقت الخمر     وتشاكلا فتشابه الأمر
فكأنما خمر ولا قدح     وكأنما قدح ولا خمر

لبس صورة العالم ; فظاهره خلقه وباطنه حقه .

وقال بعض السلف : عين ما ترى ذات لا ترى وذات لا ترى عين ما ترى الله فقط والكثرة وهم .

قال الشيخ قطب الدين ابن سبعين : رب مالك وعبد هالك وأنتم ذلك . الله فقط والكثرة وهم .

وقال الشيخ محيي الدين ابن عربي : -

يا صورة أنس سرها معنائي     ما خلقك للأمر ترى لولائي
شئناك فأنشأناك خلقا بشرا     لتشهدنا في أكمل الأشياء

[ ص: 288 ] وفيه : طلب بعض أولاد المشايخ من والده الحج فقال له الشيخ : يا بني طف ببيت ما فارقه الله طرفة عين .

قال : وقيل عن رابعة العدوية : أنها حجت فقالت : هذا الصنم المعبود في الأرض والله ما ولجه الله ولا خلا منه .

وفيه للحلاج : -

سبحان من أظهر ناسوته     سر سنا لاهوته الثاقب
ثم بدا مستترا ظاهرا     في صورة الآكل والشارب

قال وله :

عقد الخلائق في الإله عقائدا     وأنا اعتقدت جمع ما اعتقدوه

وله أيضا :

بيني وبينك إني تزاحمني     فارفع بحقك إنيي من البين

قال : وقال الشيخ شهاب الدين السهروردي الحلبي المقتول : وبهذه الإنية التي طلب الحلاج رفعها تصرفت الأغيار في دمه ولذلك قال السلف : الحلاج نصف رجل وذلك أنه لم ترفع له الإنية بالمعنى فرفعت له صورة .

وفيه لمحيي الدين ابن عربي : -

والله ما هي إلا حيرة ظهرت     وبي حلفت وإن المقسم الله

وقال فيه : المنقول عن عيسى عليه السلام أنه قال : إن الله - تبارك [ ص: 289 ] وتعالى - اشتاق بأن يرى ذاته المقدسة فخلق من نوره آدم عليه السلام وجعله كالمرآة ينظر إلى ذاته المقدسة فيها وإني أنا ذلك النور وآدم المرآة .

قال ابن الفارض في قصيدته السلوك :

وشاهد إذا استجليت نفسك من ترى     بغير مراء في المرآة الصقيلة
أغيرك فيها لاح أم أنت ناظر     إليك بها عند انعكاس الأشعة ؟

قال : وقال ابن إسرائيل الأمر أمران : أمر بواسطة وأمر بغير واسطة فالأمر الذي بالوسائط رده من شاء الله وقبله من شاء الله والأمر الذي بغير واسطة لا يمكن رده وهو قوله تعالى { إنما قولنا لشيء إذا أردناه أن نقول له كن فيكون } .

فقال له فقير : إن الله قال لآدم بلا واسطة : لا تقرب الشجرة - فقرب وأكل . فقال : صدقت وذلك أن آدم إنسان كامل ; ولذلك قال شيخنا علي الحريري : آدم صفي الله تعالى كان توحيده ظاهرا وباطنا فكان قوله لآدم " لا تقرب الشجرة " ظاهرا وكان أمره " كل " باطنا فأكل فكذلك قوله تعالى . وإبليس كان توحيده ظاهرا فأمر بالسجود لآدم فرآه غيرا فلم يسجد . فغير الله عليه وقال : { اخرج منها } .

وقال شخص لسيدي يا سيدي حسن إذا كان الله يقول لنبيه : { ليس لك من الأمر شيء } أيش نكون نحن ؟ فقال سيدي له : ليس الأمر كما تقول أو تظن فقوله له : { ليس لك من الأمر شيء } عين الإثبات للنبي صلى الله عليه وسلم [ ص: 290 ] كقوله تعالى : { وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى } { إن الذين يبايعونك إنما يبايعون الله يد الله فوق أيديهم } .

وفيه لأوحد الدين الكرماني : -

ما غبت عن القلب ولا عن عيني     ما بينكم وبيننا من بين

وقال غيره : -

لا تحسب بالصلاة والصوم تنال     قربا ودنوا من جمال وجلال
فارق ظلم الطبع وكن متحدا     بالله وإلا كل دعواك محال

وغيره للحلاج : -

إذا بلغ الصب الكمال من الهوى     وغاب عن المذكور في سطوة الذكر
يشاهد حقا حين يشهده الهوى     بأن صلاة العارفين من الكفر

وللشيخ نجم الدين ابن إسرائيل .

الكون يناديك ألا تسمعني     من ألف أشتاتي ومن فرقني
انظر لتراني منظرا معتبرا     ما في سوى وجود من أوجدني

وله أيضا : -

ذرات وجود الكون للحق شهود     أن ليس لموجود سوى الحق وجود
والكون وإن تكثرت عدته     منه وإلى علاه يبدو ويعود

[ ص: 291 ] وله أيضا : -

برئت إليك من قولي وفعلي     ومن ذاتي براءة مستقيل
وما أنا في طراز الكون شيء     لأني مثل ظل مستحيل

وللعفيف التلمساني : -

أحن إليه وهو قلبي وهل يرى     سواي أخو وجد يحن لقلبه ؟
ويحجب طرفي عنه إذ هو ناظري     وما بعده إلا لإفراط قربه

وقال بعض السلف : التوحيد لا لسان له والألسنة كلها لسانه .

ومن ذلك أيضا : التوحيد لا يعرفه إلا الواحد ولا تصح العبارة عن الواحد وذلك أنه لا يعبر عنه إلا بغيره ومن أثبت غيرا فلا توحيد له .

قال : وسمعت الشيخ محمد بن بشر النواوي يقول : ورد سيدنا الشيخ علي الحريري إلى جامع نوى قال الشيخ محمد : فجئت إليه فقبلت الأرض بين يديه وجلست فقال : يا بني وقفت مع المحبة مدة فوجدتها غير المقصود ; لأن المحبة لا تكون إلا من غير لغير وغير ما ثم ثم وقفت مع التوحيد مدة فوجدته كذلك ; لأن التوحيد لا يكون إلا من عبد لرب ولو أنصف الناس ما رأوا عبدا ولا معبودا .

وفيه : سمعت من الشيخ نجم الدين ابن إسرائيل مما أسر إلي أنه سمع من [ ص: 292 ] شيخنا الشيخ علي الحريري في العام الذي توفي فيه قال يا نجم رأيت لهاتي الفوقانية فوق السموات وحنكي تحت الأرضين ونطق لساني بلفظة لو سمعت مني ما وصل إلى الأرض من دمي قطرة .

فلما كان بعد ذلك بمدة قال شخص في حضرة سيدي الشيخ حسن بن علي الحريري : يا سيدي حسن ما خلق الله أقل عقلا ممن ادعى أنه إله مثل فرعون ونمروذ وأمثالهما فقال : إن هذه المقالة لا يقولها إلا أجهل خلق الله أو أعرف خلق الله فقلت له : صدقت ; وذلك أنه قد سمعت جدك يقول : رأيت كذا وكذا ; فذكر ما ذكره الشيخ نجم الدين عن الشيخ .

وفيه قال بعض السلف : من كان عين الحجاب على نفسه فلا حجاب ولا محجوب .

فالمطلوب من السادة العلماء : -

أن يبينوا هذه الأقوال وهل هي حق أو باطل ؟ وما يعرف به معناها ؟ وما يبين أنها حق أو باطل ؟ وهل الواجب إنكارها أو إقرارها أو التسليم لمن قالها ؟ وهل لها وجه سائغ ؟ وما الحكم فيمن اعتقد معناها إما مع المعرفة بحقيقتها ؟ وإما مع التسليم المجمل لمن قالها .

[ ص: 293 ] والمتكلمون بها هل أرادوا معنى صحيحا يوافق العقل والنقل ؟ وهل يمكن تأويل ما يشكل منها وحمله على ذلك المعنى ؟ وهل الواجب بيان معناها وكشف مغزاها إذا كان هناك ناس يؤمنون بها ولا يعرفون حقيقتها ؟ أم ينبغي السكوت عن ذلك وترك الناس يعظمونها ويؤمنون بها مع عدم العلم بمعناها ؟ بينوا ذلك مأجورين .

التالي السابق


وكذلك قول القائل : وجدت المحبة غير المقصود ; لأنها لا تكون إلا من غير لغير وغير ما ثم ووجدت التوحيد غير المقصود ; لأن التوحيد ما يكون إلا من عبد لرب ولو أنصف الناس ما رأوا عبدا ولا معبودا : هو كلام فيه من الكفر والإلحاد والتناقض ما لا يخفى .

[ ص: 354 ] فإن الكتاب والسنة وإجماع المسلمين : أثبتت محبة الله لعباده المؤمنين ومحبتهم له كقوله تعالى : { والذين آمنوا أشد حبا لله } وقوله : { يحبهم ويحبونه } وقوله : { أحب إليكم من الله ورسوله } وقوله : { إن الله يحب المتقين } { يحب المحسنين } { يحب التوابين ويحب المتطهرين } { يحب المقسطين } .

وقال النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح : { ثلاث من كن فيه وجد بهن حلاوة الإيمان : من كان الله ورسوله أحب إليه مما سواهما ومن كان يحب المرء لا يحبه إلا لله ومن كان يكره أن يرجع في الكفر بعد إذ أنقذه الله منه كما يكره أن يلقى في النار } .

وقد أجمع سلف الأمة وأئمتها على إثبات محبة الله تعالى لعباده المؤمنين ومحبتهم له وهذا أصل دين الخليل إمام الحنفاء عليه السلام .

وأول من أظهر ذلك في الإسلام الجعد بن درهم فضحى به خالد بن عبد الله القسري يوم الأضحى بواسط وقال : أيها الناس : ضحوا تقبل الله ضحاياكم فإني مضح بالجعد بن درهم إنه زعم أن الله لم يتخذ إبراهيم خليلا ولم يكلم موسى تكليما تعالى الله عما يقول الجعد علوا كبيرا ثم نزل فذبحه .

وقوله : المحبة ما تكون إلا من غير لغير وغير ما ثم كلام باطل من كل وجه . فإن قوله لا تكون إلا من غير ليس بصحيح فإن الإنسان يحب نفسه وليس غيرا لنفسه والله يحب نفسه وقوله ما ثم غير : باطل فإن المخلوق [ ص: 355 ] غير الخالق والمؤمنون غير الله وهم يحبونه فالدعوى باطلة فكل واحدة من مقدمتي الحجة باطلة - قوله لا تكون إلا من غير لغير وقوله غير ما ثم - فإن الغير موجود والمحبة تكون من المحب لنفسه ولهذا كثير من الاتحادية يناقضه في هذا القول ويقول كما قال ابن الفارض .

وكذلك قوله : التوحيد لا يكون إلا من عبد لرب ولو أنصف الناس ما رأوا عابدا ولا معبودا : كلا المقدمتين باطل فإن التوحيد يكون من الله لنفسه فإنه يوحد نفسه بنفسه كما قال تعالى : { شهد الله أنه لا إله إلا هو } والقرآن مملوء من توحيد الله لنفسه فقد وحد نفسه بنفسه كقوله : { وإلهكم إله واحد } وقوله : { وقال الله لا تتخذوا إلهين اثنين إنما هو إله واحد } وقوله : { فاعلم أنه لا إله إلا الله } وأمثال ذلك .

وأما المقدمة الثانية : فقوله إن الناس لو أنصفوا ما رأوا عابدا ولا معبودا - مع أنه غاية في الكفر والإلحاد - كلام متناقض فإنه إذا لم يكن ثم عابد ولا معبود بل الكل واحد : فمن هم الذين لا ينصفون ؟ إن كانوا هم الله ؟ فيكون الله هو الذي لا ينصف وإن كانوا غير الله فقد ثبت الغير ثم إذا فسروه على كفرهم وقالوا إن الله هو الذي لا ينصف وهو الذي يأكل ويشرب ويكفر كما يقول ذلك كثير منهم مثل ما قال بعضهم لشيخه : الفقير إذا صح أكل بالله فقال له الآخر : الفقير إذا صح أكل الله .

وقد صرح ابن عربي وغيره من شيوخهم بأنه هو الذي يجوع ويعطش [ ص: 356 ] ويمرض ويبول وينكح وينكح وأنه موصوف بكل نقص وعيب لأن ذلك هو الكمال عندهم .

كما قال في " الفصوص " : فالعلي بنفسه هو الذي يكون له الكمال الذي يستقصي به جميع الأمور الوجودية والنسب العدمية سواء كانت محمودة عرفا وعقلا وشرعا أو مذمومة عرفا وعقلا وشرعا وليس ذلك إلا لمسمى الله خاصة وقال : ألا ترى الحق يظهر بصفات المحدثات وأخبر بذلك عن نفسه وبصفات النقص والذم ؟ ألا ترى المخلوق يظهر بصفات الخالق ؟ فهي كلها من أولها إلى آخرها صفات للعبد كما أن صفات العبد من أولها إلى آخرها صفات الله تعالى .

وهذا المتكلم بمثل هذا الكلام يتناقض فيه فإنه يقال له : فأنت الكامل في نفسك الذي لا ترى عابدا ولا معبودا نعاملك بموجب مذهبك فتضرب وتوجع وتهان وتصفع وإذا تظلم ممن فعل به ذلك واشتكى وصاح منه وبكى قيل له : ما ثم غير ولا عابد ولا معبود فلم يفعل بك هذا غيرك بل الضارب هو المضروب والشاتم هو المشتوم والعابد هو المعبود فإن قال : تظلم من نفسه واشتكى من نفسه قيل له أيضا : فقل عبد نفسه فإذا أثبت ظالما ومظلوما وهما واحد قيل له : فأثبت عابدا ومعبودا وهما واحد .

ثم يقال له : هذا الذي يضحك ويضرب : هو نفس الذي يبكي ويصيح ؟ وهذا الذي شبع وروي : هو نفس هذا الذي جاع وعطش ؟ فإن اعترف بأنه [ ص: 357 ] غيره أثبت المغايرة وإذا أثبت المغايرة بين هذا وهذا فبين العابد والمعبود أولى وأحرى .

وإن قال : بل هو هو - عومل معاملة السوفسطائية فإن هذا القول من أقبح السفسطة . فيقال : فإذا كان هو هو فنحن نضربك ونقتلك والشيء قتل نفسه وأهلك نفسه .

والإنسان قد يظلم نفسه بالذنوب فيقول : { ربنا ظلمنا أنفسنا } لكون نفسه أمرته بالسوء والنفس أمارة بالسوء لكن جهة أمرها ليست جهة فعلها بل لا بد من نوع تعدد ; إما في الذات وإما في الصفات وكل أحد يعلم بالحس والاضطرار أن هذا الرجل الذي ظلم ذاك ليس هو إياه وليس هو بمنزلة الرجل الذي ظلم نفسه . وإذا كان هذا في المخلوقين : فالخالق أعظم مباينة للمخلوقين من هذا لهذا . سبحانه وتعالى عما يقول الظالمون علوا كبيرا .

ولولا أن أصحاب هذا القول كثروا وظهروا وانتشروا وهم عند كثير من الناس سادات الأنام ومشايخ الإسلام وأهل التوحيد والتحقيق . وأفضل أهل الطريق حتى فضلوهم على الأنبياء والمرسلين وأكابر مشايخ الدين : لم يكن بنا حاجة إلى بيان فساد هذه الأقوال وإيضاح هذا الضلال .

ولكن يعلم أن الضلال لا حد له وأن العقول إذا فسدت : لم يبق لضلالها حد معقول فسبحان من فرق بين نوع الإنسان ; فجعل منه من هو أفضل العالمين وجعل منه من هو شر من الشياطين ولكن تشبيه هؤلاء بالأنبياء [ ص: 358 ] الأولياء كتشبيه مسيلمة الكذاب بسيد أولي الألباب هو الذي يوجب جهاد هؤلاء الملحدين الذين يفسدون الدنيا والدين .

والمقصود هنا : رد هذه الأقوال وبيان الهدى من الضلال .

تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث