الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب

فصل وأما حجة النفاة التي ذكرها فإنه قال : فإن قيل : لو كان في لغة العرب لفظ مجازي فإما أن يقيد معناه بقرينة ; أو لا يقيد بقرينة فإن كان الأول فهو مع القرينة لا يحتمل غير ذلك فكان مع القرينة حقيقة في ذلك المعنى . وإن كان الثاني فهو أيضا حقيقة ; إذ لا معنى للحقيقة إلا ما يكون مستقلا بالإفادة من غير قرينة . ثم قال : قلنا : جواب الأول أن المجاز لا يفيد عند عدم الشهرة إلا بقرينة ولا معنى للمجاز إلا هذا والنزاع في ذلك لفظي كيف وأن المجاز والحقيقة من صفات الألفاظ دون القرائن المعنوية ؟ فلا تكون الحقيقة صفة للمجموع .

فيقال : هو قد سلم أن النزاع لفظي فيقال : إذا كان النزاع لفظيا وهذا التفريق اصطلاح حادث لم يتكلم به العرب ; ولا أمة من الأمم ; ولا الصحابة والتابعون ; ولا السلف : كان المتكلم بالألفاظ الموجودة التي تكلموا بها ونزل بها القرآن أولى من المتكلم باصطلاح [ ص: 455 ] حادث لو لم يكن فيه مفسدة وإذا كان فيه مفاسد كان ينبغي تركه لو كان الفرق معقولا فكيف إذا كان الفرق غير معقول وفيه مفاسد شرعية وهو إحداث في اللغة كان باطلا عقلا وشرعا ولغة . أما العقل فإنه لا يتميز فيه هذا عن هذا وأما الشرع فإن فيه مفاسد يوجب الشرع إزالتها وأما اللغة فلأن تغيير الأوضاع اللغوية غير مصلحة راجحة بل مع وجود المفسدة .

فإن قيل : وما المفاسد ؟ قيل : من المفاسد أن لفظ المجاز المقابل للحقيقة سواء جعل من عوارض الألفاظ أو من عوارض الاستعمال يفهم ويوهم نقص درجة المجاز عن درجة الحقيقة لا سيما ومن علامات المجاز صحة إطلاق نفيه فإذا قال القائل : إن الله تعالى ليس برحيم ولا برحمن ; لا حقيقة بل مجاز ; إلى غير ذلك مما يطلقونه على كثير من أسمائه وصفاته ; وقال : " لا إله إلا الله " مجاز لا حقيقة كما ذكر هذا الآمدي من أن العموم المخصوص مجاز وقال من جهة منازعه : فإن قيل : لو قال : " لا إله " تامة مطلقة يكون كفرا ولو اقترن به الاستثناء . وهو قوله : " إلا الله " كان إيمانا وكذلك لو قال لزوجته : أنت طالق كانت مطلقة بتنجيز الطلاق ولو اقترن به الشرط وهو قوله : إن دخلت الدار : كان [ ص: 456 ] تعليقا مع أن الاستثناء والشرط له معنى . ولولا الدلالة والوضع لما كان كذلك .

قلنا : لا نسلم التغيير في الوضع بل غايته صرف اللفظ عما اقتضاه من جهة إطلاقه إلى غيره بالقرينة فقد تكلم في " لا إله إلا الله " إذا كانت من مورد النزاع فإنه يزعم أن كل عام خص ولو بالاستثناء كان مجازا ; فيكون " لا إله إلا الله " عنده مجازا .

ومعلوم أن هذا الكلام من أعظم المنكرات في الشرع وقائله إلى أن يستتاب - فإن تاب وإلا قتل - أقرب منه إلى أن يجعل من علماء المسلمين ثم هذا القائل مفتر على اللغة والشرع والعقل ; فإن العرب لم تتكلم بلفظ " لا إله " مجردا ولا كانوا نافين للصانع حتى يقولوا : " لا إله " بل كانوا يجعلون مع الله آلهة أخرى قال تعالى : { أئنكم لتشهدون أن مع الله آلهة أخرى قل لا أشهد } ولهذا قالوا : { أجعل الآلهة إلها واحدا إن هذا لشيء عجاب } .

والقرآن كله يثبت توحيد الإلهية ويعيب عليهم الشرك وقد تواتر عنه صلى الله عليه وسلم أنه أول ما دعا الخلق إلى شهادة أن لا إله إلا الله وقال { أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله } والمشركون لم يكونوا ينازعونه في [ ص: 457 ] الإثبات بل في النفي فكان الرسول والمشركون متفقين على إثبات إلهية الله كان الرسول ينفي إلهية ما سوى الله وهم يثبتون فلم يتكلم أحد لا من المسلمين ولا من المشركين : بهذه الكلمة إلا لإثبات إلهية الله ولنفي إلهية ما سواه والمشركون كانوا يثبتون إلهية ما سواه مع إلهيته أما الآلهة مطلقا بهذا المعنى فلم يكونوا مما يعتقدونه حتى يعبروا عنه فكيف يقال : هذا المعنى هو الذي وضعوا له هذا اللفظ في أصل لغتهم ؟ .

وأما قول القائل : لا نسلم تغيير الدلالة بل غايته صرف اللفظ عما اقتضاه من جهة إطلاقه إلى غيره بالقرينة .

فيقال له : وهذه مغلطة ; فإنه في حال القيد لم يكن مطلقا وهو لا يقتضي النفي العام إذا كان مطلقا غير مقيد فأما مع القيد فقوله : " لا إله إلا الله " اللفظ مطلقا فكيف يقال : إنه صرف عما كان يقتضيه لو كان مطلقا ؟ فلو كان مطلقا لكان يقتضي النفي العام فبالتقييد زال الإطلاق المقتضي لذلك وهذا معنى تغيير الدلالة ; فإنه لو كان له دلالة عند الإطلاق بطلت وصارت له دلالة أخرى عند التقييد والاستثناء فخرج من اللفظ ما لولاه لدخل في اللفظ عند الجمهور القائلين بالعموم وعند أهل الوقف فخرج من اللفظ ما لولاه لصلح أن يدخل فعلى القولين لا يخرج من اللفظ ما دخل بل ما لولا الاستثناء لكان الاستثناء [ ص: 458 ] يمنع ذلك الاقتضاء فلم يبق اللفظ مع الاستثناء مقتضيا لنفي المستثني ألبتة كما أنه لم يبق مقتضيا بقوله صرفه عن مقتضاه من جهة إطلاقه ليس بسديد ; فإنه لو كان مقتضيا مطلقا لم يكن هناك استثناء ولا يصرف شيء وإذا لم يكن مطلقا بل مقيدا بالاستثناء فليس هناك إطلاق يكون له اقتضاء ولا هناك لفظ يقتضي نفي المستثنى ولا هناك مستثنى منفي .

وأيضا من مفاسد هذا جعل عامة القرآن مجازا كما صنف بعضهم مجازات القراءات وكما يكثرون من تسمية آيات القرآن مجازا وذلك يفهم ويوهم المعاني الفاسدة هذا إذا كان ما ذكروه من المعاني صحيحا فكيف وأكثر هؤلاء يجعلون ما ليس بمجاز مجازا ؟ وينفون ما أثبته الله من المعاني الثابتة ويلحدون في أسماء الله وآياته كما وجد ذلك للمتوسعين في المجاز من الملاحدة أهل البدع .

وأما قوله : كيف والمجاز والحقيقة من صفات الألفاظ دون القرائن المعنوية ؟ .

فيقال : أولا ليس الأمر كذلك عندكم بل كثيرا ما تجعلون الحقيقة والمجاز اسما للمعنى فتقولون : حقيقة هذا اللفظ كذا ومجازه كذا ; وتقولون حقيقة هذا اللفظ فتجعلونه من عوارض الألفاظ تارة ومن [ ص: 459 ] عوارض المعنى أخرى وقد تجعلونه من عوارض الاستعمال فيقال : استعمال هذا اللفظ في هذا المعنى حقيقة وفي هذا مجاز .

ثم يقال : لا ضابط لهؤلاء ; فإن من يجعل استعمال اللفظ في بعض معناه حقيقة . ومنهم من يجعله مجازا . ومنهم من يجعله حقيقة ومجازا جميعا كما قد ذكر ذلك في مسألة العموم والأمر إذا أريد به الندب : هو مما يبين تناقض هذا الأصل .

ثم يقال : هب أن هذا من عوارض الألفاظ : فإنما هو من عوارض اللفظ المستعمل الذي أريد به معناه فقولك : هو من صفات الألفاظ دون القرائن المعنوية فلا تكون الحقيقة صفة للمجموع : باطل من وجوه : أحدها : أن اللفظ لم يدل قط إلا بقرائن معنوية وهو كون المتكلم عاقلا له عادة باستعمال ذلك اللفظ في ذلك المعنى ; وهو يتكلم بعادته والمستمع يعلم ذلك وهذه كلها قرائن معنوية تعلم بالعقل ولا يدل اللفظ إلا معها . فدعوى المدعي أن اللفظ يدل مع تجرده عن جميع القرائن العقلية : غلط .

الثاني : أن يقال : أنت لم تفرق بين القرائن المعنوية واللفظية : فإن [ ص: 460 ] العامل المخصوص بالاستثناء والشرط والصفة والبدل إنما اقترن به قرائن لفظية ; وقد جعلته مجازا وأيضا فقول النبي صلى الله عليه وسلم { إن خالدا سيف سله الله على المشركين } وقول أبي بكر رضي الله عنه لا يعمد إلى أسد من أسد الله يقاتل عن الله ورسوله . وأمثال ذلك وما مثلت به من قوله : ظهر الطريق ; ومتنه هي قرائن لفظية بها عرف المعنى وهو عندك مجاز .

الثالث : أن نقول : اذكر لنا ضابطا من القرائن التي بها يكون حقيقة والقرائن التي يكون بها مجازا فإن هذا ممتنع لا سبيل لك إليه ; لبطلان الفرق في نفس الأمر .

الرابع : أن يقال : هب أنه مفتقر إلى قرينة معنوية فلو قيل لك : الحقيقة اسم لنفس اللفظ لكان يشترط أن يقترن به ما يبين معناه سواء كانت القرينة لفظية أو معنوية ولفظ الحقيقة في الموضعين اسم اللفظ لما اقترن به لم يكن ما يدفع ذلك .

الخامس : أنه لو قيل لك : أنا أجعل لك لفظ الحقيقة اسما للفظ ولما اقترن مطلقا لم يكن لك جواب عن هذا إلا أن يقول : أنا أجعله اسما للفظ والقرينة اللفظية دون المعنوية وهذا المعنى لو كان صحيحا لم يكن معك إلا مجرد تحكم قابلت به تحكما وليس تحكمك أولى [ ص: 461 ] فكيف تجعل ذلك حجة معنوية على بطلان قول خصمك ؟ وتحقيق ذلك " بالوجه السادس " : وهو أن يقال : قولك : كيف وأن المجاز والحقيقة من صفات الألفاظ دون القرائن المعنوية فلا تكون الحقيقة صفة للمجموع ؟ ليس فيه إلا مجرد حكاية اللفظ الذي ابتدعته فإذا قال لك المنازع : بل الحقيقة اسم لمجموع الدال من اللفظ والقرينة المعنوية كان قد قابل اصطلاحك باصطلاحه الذي هو أحسن من اصطلاحك حيث سمى جميع البيان الذي علمه الله عباده حقيقة وأنت جعلت كثيرا منه أو أكثره مجازا .

فإن قلت : فهذا النزاع لفظي قيل لك : فهذا جوابك الأول ; وهو قولك : النزاع في ذلك لفظي .

قوله : لي بعد هذا جواب آخر ; وهو قولك : كيف وأن المجاز والحقيقة من صفات الألفاظ دون القرائن المعنوية ؟ فلا تكون الحقيقة صفة للمجموع يقتضي أنك ذكرت جوابا ثانيا غير الأول وليس فيه إلا إعادة معنى ذلك الاصطلاح هو أنا اصطلحنا على أن يسمى بالحقيقة اللفظ دون القرائن المعنوية فتبين أنه ليس معك إلا اعترافك بأن النزاع لفظي فلو كان الاصطلاح مستقيما : لم يكن نفاة المجاز الذين سموا جميع الكلام حقيقة إذا كان قد بين به المراد : بأنقص [ ص: 462 ] حالا ممن سمى ما هو من خيار الكلام وأحسنه وأتمه بيانا : مجازا وجعله فرعا في اللغة لا أصلا ; ووضعا حادثا غير به الوضع المتقدم ; وجعله تابعا لغيره لا متبوعا .

فصل وقد ذكر نفاة المجاز حجة ضعيفة وهي قولهم : وأيضا ما من صورة من الصور إلا ويمكن أن يعبر عنها باللفظ الحقيقي الخاص بها فاستعمال اللفظ المجازي فيها مع افتقاره إلى القرينة من غير حاجة بعيد عن أهل الحكمة والبلاغة في وضعهم .

وقد أجاب عن هذا بقوله : وجواب الثاني : أن الفائدة في استعمال اللفظ المجازي دون الحقيقة قد يكون لاختصاصه بالخفة على اللسان ; أو لمساغته في وزن الكلام لفظا ونثرا والمطابقة ; والمجانسة ; والسجع وقصد التعظيم والعدول عن الحقيقي للتحقيق إلى غير ذلك من المقاصد المطلوبة من الكلام .

فيقال : هذه الحجة ضعيفة والمحتج بها يلزمه أن يسلم لها انقسام الكلام إلى حقيقة ومجاز لكنه يوجب استعمال الحقيقة دون المجاز وهذا يناقض قوله : ليس في اللغة مجاز ; بل المواضع التي سموها [ ص: 463 ] مجازا إذا ثبت استعمالها في اللغة فهي كلها حقيقة على هذا القول والتعبير لبعض الحقائق يكون أحسن وأبلغ من بعض ومراتب البيان والبلاغة متفاوتة وكل ذلك مما يدل عليه اللفظ بطريقة الحقيقة واللفظ لا يدل إلا مع قرينة ومن ظن أن الحقيقة في مثل قوله : { واسأل القرية } هو سؤال الجدران ; فهو جاهل .

وهذا البحث يشبه بحث هؤلاء كلهم ينكرون استعمال اللفظ في حال في معنى وفي حال أخرى في معنى آخر كما يستعمل لفظ القرية تارة في السكان وتارة في المساكن ويدعون أنه لا يعني به إلا المساكن ; وهذا غلط وافقوا فيه أولئك لكن أولئك يقولون : هنا محذوف تقديره : واسأل أهل القرية . وأولئك يقولون : بل المراد واسأل الجدران .

والصواب أن المراد بالقرية نفس الناس المشتركين الساكنين في ذلك المكان فلفظ القرية هنا أريد به هؤلاء كما في قوله تعالى { وكأين من قرية هي أشد قوة من قريتك التي أخرجتك أهلكناهم فلا ناصر لهم } كذلك قوله تعالى { وكذلك أخذ ربك إذا أخذ القرى وهي ظالمة } وقوله : { وكأين من قرية عتت عن أمر ربها ورسله فحاسبناها حسابا شديدا وعذبناها عذابا نكرا } ونظائره متعددة .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث