الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

حكاية الشيخ علم الدين للمناظرة في الواسطية

ولما جاءت " مسألة القرآن " وأنه كلام الله غير مخلوق منه بدأ وإليه يعود : نازع بعضهم في كونه منه بدأ وإليه يعود وطلبوا تفسير ذلك فقلت : أما هذا القول : فهو المأثور والثابت عن السلف . مثل ما نقله عمرو بن دينار قال : أدركت الناس منذ سبعين سنة يقولون : الله الخالق وما سواه مخلوق ; إلا القرآن فإنه كلام الله غير مخلوق منه بدأ وإليه يعود .

ومعنى منه بدأ أي هو المتكلم به وهو الذي أنزله من لدنه ليس هو كما تقوله الجهمية أنه خلق في الهواء أو غيره وبدأ من غيره . وأما إليه يعود : فإنه يسري به في آخر الزمان من المصاحف والصدور [ ص: 199 ] فلا يبقى في الصدور منه كلمة ولا في المصاحف منه حرف . ووافق على ذلك غالب الحاضرين .

فقلت : هكذا قال النبي صلى الله عليه وسلم " { ما تقرب العباد إلى الله بمثل ما خرج منه } " : يعني القرآن .

وقال خباب بن الأرت : يا هنتاه تقرب إلى الله بما استطعت ; فلن يتقرب إلى الله بشيء أحب إليه مما خرج منه .

وقلت : وأن الله تكلم به حقيقة ، وأن هذا القرآن الذي أنزله الله على محمد صلى الله عليه وسلم هو كلام الله حقيقة ; لا كلام غيره ولا يجوز إطلاق القول بأنه حكاية عن كلام الله أو عبارة ; بل إذا قرأ الناس القرآن أو كتبوه في المصاحف لم يخرج بذلك عن أن يكون كلام الله تعالى حقيقة . فإن الكلام إنما يضاف حقيقة إلى من قاله مبتدئا . لا إلى من قاله مبلغا مؤديا . فامتعض بعضهم من إثبات كونه كلام الله حقيقة بعد تسليمه أن الله تكلم به حقيقة ثم إنه سلم ذلك لما بين له أن المجاز يصح نفيه ; وهذا لا يصح نفيه وأن أقوال المتقدمين المأثورة عنهم وشعر الشعراء المضاف إليهم هو كلامهم حقيقة .

ولما ذكرت فيها أن الكلام إنما يضاف حقيقة إلى من قاله مبتدئا لا إلى من قاله مبلغا استحسنوا هذا الكلام وعظموه . وذكرت ما أجمع عليه سلف الأمة من أنه سبحانه فوق العرش وأنه معنا حق على حقيقته ; لا يحتاج إلى تحريف ولكن يصان عن الظنون الكاذبة [ ص: 200 ] وليس معنى قوله { وهو معكم أين ما كنتم } أنه مختلط بالخلق فإن هذا لا توجبه اللغة وهو خلاف ما أجمع عليه سلف الأمة وخلاف ما فطر الله عليه الخلق بل القمر آية من آيات الله من أصغر مخلوقاته ; وهو موضوع في السماء وهو مع المسافر أينما كان .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث