الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

مسألة اتخاذ واسطة للوصول لله

بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب

[ ص: 121 ] سئل شيخ الإسلام - قدس الله روحه - عن رجلين تناظرا فقال أحدهما : لا بد لنا من واسطة بيننا وبين الله فإنا لا نقدر أن نصل إليه بغير ذلك .

التالي السابق


فأجاب : الحمد لله رب العالمين . إن أراد بذلك أنه لا بد من واسطة تبلغنا أمر الله : فهذا حق . فإن الخلق لا يعلمون ما يحبه الله ويرضاه وما أمر به وما نهى عنه وما أعده لأوليائه من كرامته وما وعد به أعداءه من عذابه ولا يعرفون ما يستحقه الله تعالى من أسمائه الحسنى : وصفاته العليا التي تعجز العقول عن معرفتها وأمثال ذلك إلا بالرسل ; الذين أرسلهم الله إلى عباده . فالمؤمنون بالرسل المتبعون لهم هم المهتدون الذين يقربهم لديه زلفى ويرفع درجاتهم ويكرمهم في الدنيا والآخرة .

وأما المخالفون للرسل : فإنهم ملعونون وهم عن ربهم ضالون محجوبون . قال تعالى : { يا بني آدم إما يأتينكم رسل منكم يقصون عليكم آياتي فمن اتقى وأصلح فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون } { والذين كذبوا بآياتنا واستكبروا عنها أولئك أصحاب النار هم فيها خالدون } وقال تعالى : { فإما يأتينكم مني هدى فمن اتبع هداي فلا يضل ولا يشقى } { ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكا } { ونحشره يوم القيامة أعمى } . { قال رب لم حشرتني أعمى وقد كنت بصيرا } { قال كذلك أتتك آياتنا فنسيتها وكذلك اليوم تنسى } قال ابن عباس : تكفل الله لمن قرأ القرآن وعمل بما فيه أن لا يضل في الدنيا ولا يشقى في الآخرة .

وقال تعالى عن أهل النار : { كلما ألقي فيها فوج سألهم خزنتها ألم يأتكم نذير } { قالوا بلى قد جاءنا نذير فكذبنا وقلنا ما نزل الله من شيء إن أنتم إلا في ضلال كبير } وقال تعالى : { وسيق الذين كفروا إلى جهنم زمرا حتى إذا جاءوها فتحت أبوابها وقال لهم خزنتها ألم يأتكم رسل منكم يتلون عليكم آيات ربكم وينذرونكم لقاء يومكم هذا قالوا بلى ولكن حقت كلمة العذاب على الكافرين } وقال تعالى : { وما نرسل المرسلين إلا مبشرين ومنذرين فمن آمن وأصلح فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون } { والذين كذبوا بآياتنا يمسهم العذاب بما كانوا يفسقون } وقال تعالى : { إنا أوحينا إليك كما أوحينا إلى نوح والنبيين من بعده وأوحينا إلى إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط وعيسى وأيوب ويونس وهارون وسليمان وآتينا داود زبورا } { ورسلا قد قصصناهم عليك من قبل ورسلا لم نقصصهم عليك وكلم الله موسى تكليما } { رسلا مبشرين ومنذرين لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل } .

ومثل هذا في القرآن كثير . وهذا مما أجمع عليه جميع أهل الملل من المسلمين ; واليهود ; والنصارى ; فإنهم يثبتون الوسائط بين الله وبين عباده وهم الرسل الذين بلغوا عن الله [ ص: 123 ] أمره وخبره . قال تعالى : { الله يصطفي من الملائكة رسلا ومن الناس } ومن أنكر هذه الوسائط فهو كافر بإجماع أهل الملل . والسور التي أنزلها الله بمكة مثل : الأنعام ; والأعراف ; وذوات : ( الر ) و ( حم ) و ( طس ) ونحو ذلك ; هي متضمنة لأصول الدين كالإيمان بالله ورسله واليوم الآخر . وقد قص الله قصص الكفار الذين كذبوا الرسل وكيف أهلكهم ; ونصر رسله والذين آمنوا . قال تعالى : { ولقد سبقت كلمتنا لعبادنا المرسلين } { إنهم لهم المنصورون } { وإن جندنا لهم الغالبون } . وقال : { إنا لننصر رسلنا والذين آمنوا في الحياة الدنيا ويوم يقوم الأشهاد } . فهذه الوسائط : تطاع وتتبع ويقتدى بها . كما قال تعالى : { وما أرسلنا من رسول إلا ليطاع بإذن الله } وقال تعالى : { من يطع الرسول فقد أطاع الله } وقال تعالى : { قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله } وقال : { فالذين آمنوا به وعزروه ونصروه واتبعوا النور الذي أنزل معه أولئك هم المفلحون } وقال تعالى : { لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر وذكر الله كثيرا } .

وإن أراد بالواسطة : أنه لا بد من واسطة في جلب المنافع ودفع المضار مثل : أن يكون واسطة في رزق العباد ونصرهم وهداهم ; يسألونه ذلك ويرجون إليه فيه : فهذا من أعظم الشرك الذي كفر الله به المشركين ; حيث اتخذوا من دون الله أولياء وشفعاء ; يجتلبون بهم المنافع ويجتنبون المضار . لكن الشفاعة لمن يأذن الله له فيها حتى قال : { الله الذي خلق السماوات والأرض وما بينهما في ستة أيام ثم استوى على العرش ما لكم من دونه من ولي ولا شفيع أفلا تتذكرون } وقال تعالى : { وأنذر به الذين يخافون أن يحشروا إلى ربهم ليس لهم من دونه ولي ولا شفيع } وقال : { قل ادعوا الذين زعمتم من دونه فلا يملكون كشف الضر عنكم ولا تحويلا } { أولئك الذين يدعون يبتغون إلى ربهم الوسيلة أيهم أقرب ويرجون رحمته ويخافون عذابه إن عذاب ربك كان محذورا } وقال : { قل ادعوا الذين زعمتم من دون الله لا يملكون مثقال ذرة في السماوات ولا في الأرض وما لهم فيهما من شرك وما له منهم من ظهير } { ولا تنفع الشفاعة عنده إلا لمن أذن له } .

وقالت طائفة من السلف : كان أقوام يدعون المسيح والعزير والملائكة : فبين الله لهم أن الملائكة والأنبياء : لا يملكون كشف الضر عنهم ولا تحويلا وأنهم يتقربون إلى الله ويرجون رحمته ويخافون عذابه . وقال تعالى : { ما كان لبشر أن يؤتيه الله الكتاب والحكم والنبوة ثم يقول للناس كونوا عبادا لي من دون الله ولكن كونوا ربانيين بما كنتم تعلمون الكتاب وبما كنتم تدرسون } { ولا يأمركم أن تتخذوا الملائكة والنبيين أربابا أيأمركم بالكفر بعد إذ أنتم مسلمون } فبين سبحانه : أن اتخاذ الملائكة والنبيين أربابا كفر . فمن جعل الملائكة والأنبياء وسائط يدعوهم ويتوكل عليهم ويسألهم جلب المنافع ودفع المضار مثل أن يسألهم غفران الذنب وهداية القلوب وتفريج الكروب وسد الفاقات : فهو كافر بإجماع المسلمين .

وقد قال تعالى : { وقالوا اتخذ الرحمن ولدا سبحانه بل عباد مكرمون } { لا يسبقونه بالقول وهم بأمره يعملون } { يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم ولا يشفعون إلا لمن ارتضى وهم من خشيته مشفقون } { ومن يقل منهم إني إله من دونه فذلك نجزيه جهنم كذلك نجزي الظالمين } وقال تعالى : { لن يستنكف المسيح أن يكون عبدا لله ولا الملائكة المقربون ومن يستنكف عن عبادته ويستكبر فسيحشرهم إليه جميعا } وقال تعالى : { وقالوا اتخذ الرحمن ولدا } { لقد جئتم شيئا إدا } { تكاد السماوات يتفطرن منه وتنشق الأرض وتخر الجبال هدا } { أن دعوا للرحمن ولدا } { وما ينبغي للرحمن أن يتخذ ولدا } { إن كل من في السماوات والأرض إلا آتي الرحمن عبدا } { لقد أحصاهم وعدهم عدا } { وكلهم آتيه يوم القيامة فردا } وقال تعالى : { ويعبدون من دون الله ما لا يضرهم ولا ينفعهم ويقولون هؤلاء شفعاؤنا عند الله قل أتنبئون الله بما لا يعلم في السماوات ولا في الأرض سبحانه وتعالى عما يشركون } وقال تعالى : { وكم من ملك في السماوات لا تغني شفاعتهم شيئا إلا من بعد أن يأذن الله لمن يشاء ويرضى } وقال تعالى : { من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه } .

وقال { وإن يمسسك الله بضر فلا كاشف له إلا هو وإن يردك بخير فلا راد لفضله } . وقال تعالى : { ما يفتح الله للناس من رحمة فلا ممسك لها وما يمسك فلا مرسل له من بعده } وقال تعالى : { قل أفرأيتم ما تدعون من دون الله إن أرادني الله بضر هل هن كاشفات ضره أو أرادني برحمة هل هن ممسكات رحمته قل حسبي الله عليه يتوكل المتوكلون } . ومثل هذا كثير في القرآن .

تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث