الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

مسألة الخوض فيما تكلم الناس فيه من مسائل في أصول الدين

بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب
جزء التالي صفحة
السابق

[ ص: 293 ] سئل شيخ الإسلام - قدس الله روحه - هل يجوز الخوض فيما تكلم الناس فيه من مسائل في أصول الدين لم ينقل عن سيدنا محمد فيها كلام أم لا ؟ فإن قيل بالجواز : فما وجهه ؟ وقد فهمنا منه عليه السلام النهي عن الكلام في بعض المسائل .

وإذا قيل بالجواز : فهل يجب ذلك ؟ وهل نقل عنه عليه السلام ما يقتضي وجوبه ؟ وهل يكفي في ذلك ما يصل إليه المجتهد من غلبة الظن أو لا بد من الوصول إلى القطع ؟ وإذا تعذر عليه الوصول إلى القطع فهل يعذر في ذلك أو يكون مكلفا به ؟ وهل ذلك من باب تكليف ما لا يطاق والحالة هذه أم لا ؟ وإذا قيل بالوجوب : فما الحكمة في أنه لم يوجد فيه من الشارع نص يعصم من الوقوع في المهالك - وقد كان عليه السلام حريصا على هدي أمته ؟ والله أعلم .

[ ص: 294 ]

التالي السابق


[ ص: 294 ] فأجاب : الحمد لله رب العالمين ( أما المسألة الأولى فقول السائل - هل يجوز الخوض فيما تكلم الناس فيه من مسائل في أصول الدين لم ينقل عن سيدنا محمد فيها كلام أم لا ؟ - سؤال ورد بحسب ما عهد من الأوضاع المبتدعة الباطلة .

فإن المسائل التي هي من أصول الدين - التي تستحق أن تسمى أصول الدين - أعني الدين الذي أرسل الله به رسوله وأنزل به كتابه : لا يجوز أن يقال : لم ينقل عن النبي فيها كلام ; بل هذا كلام متناقض في نفسه إذ كونها من أصول الدين يوجب أن تكون من أهم أمور الدين ; وأنها مما يحتاج إليه الدين ، ثم نفي نقل الكلام فيها عن الرسول يوجب أحد أمرين .

إما أن الرسول أهمل الأمور المهمة التي يحتاج الدين إليها فلم يبينها ، أو أنه بينها فلم تنقلها الأمة ، وكلا هذين باطل قطعا .

وهو من أعظم مطاعن المنافقين في الدين ; وإنما يظن هذا وأمثاله من هو جاهل بحقائق ما جاء به الرسول أو جاهل بما يعقله الناس بقلوبهم أو جاهل بهما جميعا .

فإن جهله بالأول : يوجب عدم علمه بما اشتمل عليه ذلك من أصول الدين وفروعه .

وجهله بالثاني : يوجب أن يدخل في الحقائق المعقولة ما يسميه هو [ ص: 295 ] وأشكاله عقليات ; وإنما هي جهليات .

وجهله بالأمرين : يوجب أن يظن من أصول الدين ما ليس منها من المسائل والوسائل الباطلة وأن يظن عدم بيان الرسول لما ينبغي أن يعتقد في ذلك كما هو الواقع لطوائف من أصناف الناس حذاقهم فضلا عن عامتهم .

وذلك أن أصول الدين إما أن تكون مسائل يجب اعتقادها قولا أو قولا وعملا كمسائل التوحيد والصفات والقدر والنبوة والمعاد .

أو دلائل هذه المسائل .

( أما القسم الأول فكل ما يحتاج الناس إلى معرفته واعتقاده والتصديق به من هذه المسائل فقد بينه الله ورسوله بيانا شافيا قاطعا للعذر .

إذ هذا من أعظم ما بلغه الرسول البلاغ المبين ، وبينه للناس وهو من أعظم ما أقام الله به الحجة على عباده فيه بالرسل الذين بينوه وبلغوه .

وكتاب الله الذي نقل الصحابة ثم التابعون عن الرسول لفظه ومعانيه ، والحكمة التي هي سنة رسول الله التي نقلوها أيضا عن الرسول مشتملة من ذلك على غاية المراد وتمام الواجب والمستحب .

والحمد لله الذي بعث إلينا رسولا من أنفسنا يتلو علينا آياته ويزكينا ويعلمنا الكتاب والحكمة ; الذي أكمل لنا الدين وأتم علينا النعمة ورضي لنا الإسلام دينا ; الذي أنزل الكتاب تفصيلا لكل شيء وهدى ورحمة وبشرى [ ص: 296 ] للمسلمين { ما كان حديثا يفترى ولكن تصديق الذي بين يديه وتفصيل كل شيء وهدى ورحمة لقوم يؤمنون } .

وإنما يظن عدم اشتمال الكتاب والحكمة على بيان ذلك من كان ناقصا في عقله وسمعه ومن له نصيب من قول أهل النار الذين قالوا : { لو كنا نسمع أو نعقل ما كنا في أصحاب السعير } وإن كان ذلك كثيرا في كثير من المتفلسفة والمتكلمة وجهال أهل الحديث والمتفقهة والمتصوفة .

تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث