الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


جزء التالي صفحة
السابق

[ ص: 326 ] باب زيارة القبور سئل رحمه الله عن المشروع في زيارة القبور ؟ .

التالي السابق


فأجاب : أما زيارة القبور : فهي على وجهين : شرعية وبدعية .

فالشرعية : مثل الصلاة على الجنازة والمقصود بها الدعاء للميت كما يقصد بذلك الصلاة على جنازته . كما كان النبي صلى الله عليه وسلم يزور أهل البقيع ويزور شهداء أحد ويعلم أصحابه إذا زاروا القبور أن يقولوا : { السلام عليكم دار قوم مؤمنين وإنا إن شاء الله بكم لاحقون يرحم الله المستقدمين منا ومنكم والمستأخرين نسأل الله لنا ولكم العافية ، اللهم لا تحرمنا أجرهم ولا تفتنا بعدهم واغفر لنا ولهم } .

وهكذا كل ما فيه دعاء للمؤمنين من الأنبياء وغيرهم : كالصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم والسلام . كما في الصحيح عنه أنه قال : [ ص: 327 ] { إذا سمعتم المؤذن فقولوا مثل ما يقول ثم صلوا علي فإنه من صلى علي مرة واحدة صلى الله عليه بها عشرا ثم سلوا الله لي الوسيلة فإنها درجة في الجنة لا تنبغي إلا لعبد من عباد الله وأرجو أن أكون أنا ذلك العبد فمن سأل الله لي الوسيلة حلت له شفاعتي يوم القيامة ، وما من مسلم يسلم علي إلا رد الله علي روحي حتى أرد عليه السلام } .

وأما الزيارة البدعية : وهي زيارة أهل الشرك من جنس زيارة النصارى الذين يقصدون دعاء الميت والاستعانة به وطلب الحوائج عنده فيصلون عند قبره ويدعون به فهذا ونحوه لم يفعله أحد من الصحابة ولا أمر به رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا استحبه أحد من سلف الأمة وأئمتها بل قد سد النبي صلى الله عليه وسلم " باب الشرك " . في الصحيح أنه قال في مرض موته : { لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد يحذر ما فعلوا } قالت عائشة - رضي الله عنها - ولولا ذلك لأبرز قبره . لكن كره أن يتخذ مسجدا ، وقال قبل أن يموت بخمس : { إن من كان قبلكم كانوا يتخذون القبور مساجد ألا فلا تتخذوا القبور مساجد فإني أنهاكم عن ذلك } .

فالزيارة الأولى من جنس عبادة الله والإحسان إلى خلق الله [ ص: 328 ] وذلك من جنس الزكاة التي أمر الله بها .

والثاني : من جنس الإشراك بالله والظلم في حق الله وحق عباده وفي الصحيح { عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه لما أنزل الله تعالى { الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم } شق ذلك على أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وقالوا : أينا لم يظلم نفسه ؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم إنما هو الشرك ألم تسمعوا قول العبد الصالح : { إن الشرك لظلم عظيم } } .

وقال صلى الله عليه وسلم { اللهم لا تجعل قبري وثنا يعبد } . وقد قال الله تعالى : { وقالوا لا تذرن آلهتكم ولا تذرن ودا ولا سواعا ولا يغوث ويعوق ونسرا } . قال طائفة من السلف : هؤلاء كانوا قوما صالحين في قوم نوح فلما ماتوا عكفوا على قبورهم وصوروا تماثيلهم فكان هذا أول عبادة الأوثان وهذا من جنس دين النصارى ولم يكن الصحابة - رضي الله عنهم - والتابعون يقصدون الدعاء عند قبر النبي صلى الله عليه وسلم ولا غيره بل كره الأئمة وقوف الإنسان عند قبر النبي صلى الله عليه وسلم للدعاء وقالوا هذه بدعة لم يفعلها الصحابة والتابعون بل كانوا يسلمون عليه وعلى صاحبيه ثم يذهبون .

[ ص: 329 ] وكان عبد الله بن عمر إذا دخل المسجد يقول : السلام عليك يا رسول الله السلام عليك يا أبا بكر السلام عليك يا أبتاه ثم ينصرف ، وقد نص عليه مالك وغيره من الأئمة ونص أبو يوسف وغيره من العلماء على أنه ليس لأحد أن يسأل الله بمخلوق لا النبي ولا الملائكة ولا غيرهم .

وقد أصاب المسلمين جدب وشدة وكانوا يدعون الله ويستسقون ويدعون على الأعداء ويستنصرون ويتوسلون بدعاء الصالحين كما قال النبي صلى الله عليه وسلم { وهل تنصرون وترزقون إلا بضعفائكم : بدعائهم وصلاتهم وإخلاصهم } . ولم يكونوا يقصدون الدعاء عند قبر النبي صلى الله عليه وسلم ولا صالح ولا الصلاة عنده ولا طلب الحوائج منه ولا الإقسام على الله به مثل أن يقول القائل : أسألك بحق فلان وفلان ; بل كل هذا من البدع المحدثة . وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم { خير القرون القرن الذي بعثت فيهم ثم الذين يلونهم } . وقد اتفق المسلمون على أن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم خير طباق الأمة .



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث