الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


وأنا إن شاء الله أبين ذلك وأوضح ما جاءت به الشريعة : دليلا وتعليلا شرعا وعقلا .

قال الله تعالى : { يسألونك عن الأهلة قل هي مواقيت للناس والحج } فأخبر أنها مواقيت للناس وهذا عام في جميع أمورهم وخص الحج بالذكر تمييزا له ; ولأن الحج تشهده الملائكة وغيرهم ولأنه يكون في آخر شهور الحول . فيكون علما على الحول كما أن الهلال [ ص: 134 ] علم على الشهر ولهذا يسمون الحول حجة فيقولون : له سبعون حجة وأقمنا خمس حجج . فجعل الله الأهلة مواقيت للناس في الأحكام الثابتة بالشرع ابتداء . أو سببا من العبادة . وللأحكام التي تثبت بشروط العبد . فما ثبت من المؤقتات بشرع أو شرط فالهلال ميقات له وهذا يدخل فيه الصيام والحج ومدة الإيلاء والعدة وصوم الكفارة . وهذه الخمسة في القرآن .

قال الله تعالى : { شهر رمضان } وقال تعالى : { الحج أشهر معلومات } وقال تعالى : { للذين يؤلون من نسائهم تربص أربعة أشهر } وقال تعالى : { فصيام شهرين متتابعين } وكذلك قوله : { فسيحوا في الأرض أربعة أشهر } . وكذلك صوم النذر وغيره . وكذلك الشروط من الأعمال المتعلقة بالثمن ودين السلم والزكاة والجزية والعقل والخيار والأيمان وأجل الصداق ونجوم الكتابة والصلح عن القصاص وسائر ما يؤجل من دين وعقد وغيرهما .

وقال تعالى : { والقمر قدرناه منازل حتى عاد كالعرجون القديم } وقال تعالى : { هو الذي جعل الشمس ضياء والقمر نورا وقدره منازل لتعلموا عدد السنين والحساب ما خلق الله ذلك إلا بالحق } فقوله : { لتعلموا } متعلق والله أعلم بقوله : { وقدره } لا بجعل . لأن كون هذا [ ص: 135 ] ضياء . وهذا نورا لا تأثير له في معرفة عدد السنين والحساب ; وإنما يؤثر في ذلك انتقالها من برج إلى برج . ولأن الشمس لم يعلق لنا بها حساب شهر ولا سنة وإنما علق ذلك بالهلال . كما دلت عليه تلك الآية ولأنه قد قال : { إن عدة الشهور عند الله اثنا عشر شهرا في كتاب الله يوم خلق السماوات والأرض منها أربعة حرم } فأخبر أن الشهور معدودة اثنا عشر والشهر هلالي بالاضطرار . فعلم أن كل واحد منها معروف بالهلال .

وقد بلغني أن الشرائع قبلنا أيضا إنما علقت الأحكام بالأهلة وإنما بدل من بدل من أتباعهم كما يفعله اليهود في اجتماع القرصين وفي جعل بعض أعيادها بحساب السنة الشمسية وكما تفعله النصارى في صومها حيث تراعي الاجتماع القريب من أول السنة الشمسية وتجعل سائر أعيادها دائرة على السنة الشمسية بحسب الحوادث التي كانت للمسيح وكما يفعله الصابئة والمجوس وغيرهم من المشركين في اصطلاحات لهم فإن منهم من يعتبر بالسنة الشمسية فقط ولهم اصطلاحات في عدد شهورها ; لأنها وإن كانت طبيعية فشهرها عددي وضعي . ومنهم من يعتبر القمرية لكن يعتبر اجتماع القرصين وما جاءت به الشريعة هو أكمل الأمور وأحسنها وأبينها وأصحها وأبعدها من الاضطراب .

[ ص: 136 ] وذلك أن الهلال أمر مشهود مرئي بالأبصار . ومن أصح المعلومات ما شوهد بالأبصار ولهذا سموه هلالا ; لأن هذه المادة تدل على الظهور والبيان : إما سمعا وإما بصرا كما يقال : أهل بالعمرة وأهل بالذبيحة لغير الله إذا رفع صوته ويقال لوقع المطر الهلل . ويقال : استهل الجنين إذا خرج صارخا . ويقال : تهلل وجهه إذا استنار وأضاء .

وقيل : إن أصله رفع الصوت . ثم لما كانوا يرفعون أصواتهم عند رؤيته سموه هلالا ومنه قوله :

يهل بالفرقد ركبانها كما يهل الراكب المعتمر

وتهلل الوجه مأخوذ من استنارة الهلال .

فالمقصود أن المواقيت حددت بأمر ظاهر بين يشترك فيه الناس ولا يشرك الهلال في ذلك شيء فإن اجتماع الشمس والقمر الذي هو تحاذيهما الكائن قبل الهلال : أمر خفي لا يعرف إلا بحساب ينفرد به بعض الناس مع تعب وتضييع زمان كثير واشتغال عما يعني الناس وما لا بد له منه وربما وقع فيه الغلط والاختلاف .

[ ص: 137 ] وكذلك كون الشمس حاذت البرج الفلاني أو الفلاني هذا أمر لا يدرك بالأبصار . وإنما يدرك بالحساب الخفي الخاص المشكل الذي قد يغلط فيه وإنما يعلم ذلك بالإحساس تقريبا . فإنه إذا انصرم الشتاء ودخل الفصل الذي تسميه العرب الصيف ويسميه الناس الربيع : كان وقت حصول الشمس في نقطة الاعتدال الذي هو أول الحمل . وكذلك مثله في الخريف . فالذي يدرك بالإحساس الشتاء والصيف وما بينهما من الاعتدالين تقريبا . فأما حصولها في برج بعد برج فلا يعرف إلا بحساب فيه كلفة وشغل عن غيره مع قلة جدواه .

فظهر أنه ليس للمواقيت حد ظاهر عام المعرفة إلا الهلال .

وقد انقسمت عادات الأمم في شهرهم وسنتهم القسمة العقلية . وذلك أن كل واحد من الشهر والسنة : إما أن يكونا عدديين أو طبيعيين . أو الشهر طبيعيا والسنة عددية أو بالعكس .

فالذين يعدونهما : مثل من يجعل الشهر ثلاثين يوما والسنة اثني عشر شهرا . والذين يجعلونهما طبيعيين . مثل من يجعل الشهر قمريا والسنة شمسية . ويلحق في آخر الشهور الأيام المتفاوتة بين [ ص: 138 ] السنتين . فإن السنة القمرية ثلاثمائة وأربعة وخمسون يوما . وبعض يوم خمس أو سدس . وإنما يقال فيها ثلاثمائة وستون يوما جبرا للكسر في العادة - عادة العرب في تكميل ما ينقص من التاريخ في اليوم والشهر والحول .

وأما الشمسية فثلاثمائة وخمسة وستون يوما وبعض يوم : ربع يوم . ولهذا كان التفاوت بينهما أحد عشر يوما إلا قليلا : تكون في كل ثلاثة وثلاثين سنة وثلث سنة : سنة . ولهذا قال تعالى { ولبثوا في كهفهم ثلاث مائة سنين وازدادوا تسعا } قيل : معناه ثلاثمائة سنة شمسية . { وازدادوا تسعا } بحساب السنة القمرية ومراعاة هذين عادة كثير من الأمم : من أهل الكتابين بسبب تحريفهم وأظنه كان عادة المجوس أيضا .

وأما من يجعل السنة طبيعية والشهر عدديا . فهذا حساب الروم والسريانيين والقبط ونحوهم من الصابئين والمشركين . ممن يعد شهر كانون ونحوه عددا ويعتبر السنة الشمسية بسير الشمس .

فأما القسم الرابع فبأن يكون الشهر طبيعيا والسنة عددية فهو سنة المسلمين ومن وافقهم . ثم الذين يجعلون السنة طبيعية لا يعتمدون [ ص: 139 ] على أمر ظاهر كما تقدم ; بل لا بد من الحساب والعدد . وكذلك الذين يجعلون الشهر طبيعيا . ويعتمدون على الاجتماع لا بد من العدد والحساب . ثم ما يحسبونه أمر خفي ينفرد به القليل من الناس مع كلفة ومشقة وتعرض للخطأ .

فالذي جاءت به شريعتنا أكمل الأمور ; لأنه وقت الشهر بأمر طبيعي ظاهر عام يدرك بالأبصار فلا يضل أحد عن دينه ولا يشغله مراعاته عن شيء من مصالحه ولا يدخل بسببه فيما لا يعنيه ولا يكون طريقا إلى التلبيس في دين الله كما يفعل بعض علماء أهل الملل بمللهم .

وأما الحول فلم يكن له حد ظاهر في السماء فكان لا بد فيه من الحساب والعدد فكان عدد الشهور الهلالية أظهر وأعم من أن يحسب بسير الشمس وتكون السنة مطابقة للشهور ; ولأن السنين إذا اجتمعت فلا بد من عددها في عادة جميع الأمم ; إذ ليس للسنين إذا تعددت حد سماوي يعرف به عددها فكان عدد الشهور موافقا لعدد البروج جعلت السنة اثني عشر شهرا بعدد البروج التي تكمل بدور الشمس فيها سنة شمسية فإذا دار القمر فيها كمل دورته السنوية . وبهذا كله يتبين معنى قوله : { وقدره منازل لتعلموا عدد السنين والحساب } فإن عدد شهور السنة وعدد السنة بعد السنة إنما أصله بتقدير القمر منازل . وكذلك معرفة الحساب ; فإن حساب بعض الشهور لما يقع فيه من الآجال ونحوها إنما يكون بالهلال وكذلك قوله تعالى { قل هي مواقيت للناس والحج } .

فظهر بما ذكرناه أنه بالهلال يكون توقيت الشهر والسنة وأنه ليس شيء يقوم مقام الهلال ألبتة لظهوره وظهور العدد المبني عليه وتيسر ذلك وعمومه وغير ذلك من المصالح الخالية عن المفاسد .

ومن عرف ما دخل على أهل الكتابين والصابئين والمجوس وغيرهم في أعيادهم وعباداتهم وتواريخهم وغير ذلك من أمورهم من الاضطراب والحرج وغير ذلك من المفاسد : ازداد شكره على نعمة الإسلام مع اتفاقهم أن الأنبياء لم يشرعوا شيئا من ذلك وإنما دخل عليهم ذلك من جهة المتفلسفة الصابئة الذين أدخلوا في ملتهم وشرعوا لهم من الدين ما لم يأذن به الله .

فلهذا ذكرنا ما ذكرناه حفظا لهذا الدين عن إدخال المفسدين فإن هذا مما يخاف تغييره فإنه قد كانت العرب في جاهليتها قد غيرت ملة إبراهيم بالنسيء الذي ابتدعته فزادت به في السنة شهرا جعلتها كبيسا ; لأغراض [ ص: 141 ] لهم . وغيروا به ميقات الحج والأشهر الحرم حتى كانوا يحجون تارة في المحرم وتارة في صفر . حتى يعود الحج إلى ذي الحجة حتى بعث الله المقيم لملة إبراهيم فوافى حجه صلى الله عليه وسلم حجة الوداع وقد استدار الزمان كما كان ووقعت حجته في ذي الحجة فقال في خطبته المشهورة في الصحيحين وغيرهما : { إن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السموات والأرض : السنة اثنا عشر شهرا منها أربعة حرم ثلاثة متواليات : ذو القعدة وذو الحجة ومحرم ورجب مضر الذي بين جمادى وشعبان } وكان قبل ذلك الحج لا يقع في ذي الحجة حتى حجة أبي بكر سنة تسع كان في ذي القعدة . وهذا من أسباب تأخير النبي صلى الله عليه وسلم الحج . وأنزل الله تعالى : { إن عدة الشهور عند الله اثنا عشر شهرا في كتاب الله يوم خلق السماوات والأرض منها أربعة حرم ذلك الدين القيم } .

فأخبر الله أن هذا هو الدين القيم ; ليبين أن ما سواه من أمر النسيء وغيره من عادات الأمم ليس قيما ; لما يدخله من الانحراف والاضطراب .

ونظير الشهر والسنة اليوم والأسبوع . فإن اليوم طبيعي من طلوع [ ص: 142 ] الشمس إلى غروبها . وأما الأسبوع فهو عددي من أجل الأيام الستة : التي خلق الله فيها السموات والأرض ثم استوى على العرش . فوقع التعديل بين الشمس والقمر : باليوم والأسبوع بسير الشمس . والشهر والسنة : بسير القمر وبهما يتم الحساب . وبهذا قد يتوجه قوله : { لتعلموا } إلى { جعل } فيكون جعل الشمس والقمر لهذا كله .

فأما قوله تعالى { وجعل الليل سكنا والشمس والقمر حسبانا } وقوله : { الشمس والقمر بحسبان } فقد قيل : هو من الحساب . وقيل : بحسبان كحسبان الرحا . وهو دوران الفلك . فإن هذا مما لا خلاف فيه بل قد دل الكتاب والسنة وأجمع علماء الأمة على مثل ما عليه أهل المعرفة من أهل الحساب من أن الأفلاك مستديرة لا مسطحة .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث