الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب

[ ص: 1 ] بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله وحده والصلاة والسلام على من لا نبي بعده .

سئل شيخ الإسلام أحمد ابن تيمية قدس الله روحه ما قولكم في مذهب السلف في الاعتقاد ومذهب غيرهم من المتأخرين ؟ ما الصواب منهما ؟ وما تنتحلونه أنتم من المذهبين ؟ وفي أهل الحديث : هل هم أولى بالصواب من غيرهم ؟ وهل هم المرادون بالفرقة الناجية ؟ وهل حدث بعدهم علوم جهلوها وعلمها غيرهم ؟ .

[ ص: 140 ]

التالي السابق


[ ص: 140 ] ومن المعلوم : أن أهل الحديث والسنة أخص بالرسول وأتباعه . فلهم من فضل الله وتخصيصه إياهم بالعلم والحلم وتضعيف الأجر ما ليس لغيرهم كما قال بعض السلف : " أهل السنة في الإسلام كأهل الإسلام في الملل " .

فهذا الكلام تنبيه على ما يظنه أهل الجهالة والضلالة من نقص الصحابة في العلم والبيان أو اليد والسنان . وبسط هذا لا يتحمله هذا المقام .

والمقصود : التنبيه على أن كل من زعم بلسان حاله أو مقاله : أن طائفة غير أهل الحديث أدركوا من حقائق الأمور الباطنة الغيبية في أمر الخلق والبعث والمبدأ والمعاد وأمر الإيمان بالله واليوم الآخر وتعرف واجب الوجود والنفس الناطقة والعلوم والأخلاق التي تزكو بها النفوس وتصلح وتكمل دون أهل الحديث فهو - إن كان من المؤمنين بالرسل - فهو جاهل فيه شعبة قوية من شعب النفاق وإلا فهو منافق خالص من الذين { وإذا قيل لهم آمنوا كما آمن الناس قالوا أنؤمن كما آمن السفهاء ألا إنهم هم السفهاء ولكن لا يعلمون } وقد يكون من { الذين يجادلون في آيات الله بغير سلطان أتاهم } ومن { والذين يحاجون في الله من بعد ما استجيب له حجتهم داحضة عند ربهم وعليهم غضب ولهم عذاب شديد } .

وقد يبين ذلك بالقياس العقلي الصحيح الذي لا ريب فيه - وإن كان ذلك ظاهرا بالفطرة لكل سليم الفطرة - فإنه متى كان الرسول أكمل الخلق وأعلمهم [ ص: 141 ] بالحقائق وأقومهم قولا وحالا : لزم أن يكون أعلم الناس به أعلم الخلق بذلك وأن يكون أعظمهم موافقة له واقتداء به أفضل الخلق .

ولا يقال : هذه الفطرة يغيرها ما يوجد في المنتسبين إلى السنة والحديث من تفريط وعدوان لأنه يقال : إن ذلك في غيرهم أكثر والواجب مقابلة الجملة بالجملة في المحمود والمذموم هذه هي المقابلة العادلة .

وإنما غير الفطرة قلة المعرفة بالحديث والسنة واتباع ذلك مع ما يوجد في المخالفين لها من نوع تحقيق لبعض العلم وإحسان لبعض العمل . فيكون ذلك شبهة في قبول غيره وترجيح صاحبه . ولا غرض لنا في ذكر الأشخاص . وقد ذكر أبو محمد بن قتيبة في أول كتاب " مختلف الحديث " وغيره من العلماء في هذا الباب ما لا يحصى من الأمور المبينة لما ذكرناه .

وإنما المقصود : ذكر نفس الطريقة العلمية والعملية التي تعرف بحقائق الأمور الخبرية النظرية وتوصل إلى حقائق الأمور الإرادية العملية . فمتى كان غير الرسول قادرا على علم بذلك أو بيان له أو محبة لإفادة ذلك ؟ فالرسول أعلم بذلك وأحرص على الهدى وأقدر على بيانه منه . وكذلك أصحابه من بعده وأتباعهم .

وهذه صفات الكمال والعلم والإرادة والإحسان والقدرة عليه كما قال النبي صلى الله عليه وسلم في دعاء الاستخارة : [ ص: 142 ] { اللهم إني أستخيرك بعلمك وأستقدرك بقدرتك وأسألك من فضلك العظيم . فإنك تقدر ولا أقدر وتعلم ولا أعلم وأنت علام الغيوب } .

فعلمنا صلى الله عليه وسلم أن نستخير الله بعلمه فيعلمنا من علمه ما نعلم به الخير ونستقدره بقدرته فيجعلنا قادرين . إذ الاستفعال هو طلب الفعل كما قال في الحديث الصحيح : يقول الله تعالى : { يا عبادي كلكم جائع إلا من أطعمته فاستطعموني أطعمكم يا عبادي : كلكم ضال إلا من هديته فاستهدوني أهدكم } .

فاستهداء الله طلب أن يهدينا واستطعامه طلب أن يطعمنا هذا قوت القلوب وهذا قوت الأجسام وكذلك استخارته بعلمه واستقداره بقدرته . ثم قال : { وأسألك من فضلك العظيم } فهذا السؤال من جوده ومنه وعطائه وإحسانه الذي يكون بمشيئته ورحمته وحنانه . ولهذا قال : { فإنك تقدر ولا أقدر وتعلم ولا أعلم } ولم يقل : إني لا أرحم نفسي ; لأنه في مقام الاستخارة يريد الخير لنفسه ويطلب ذلك . لكنه لا يعلمه ولا يقدر عليه إن لم يعلمه الله إياه ويقدره عليه .

فإذا كان الرسول أعلم الخلق بالحقائق الخبرية والطلبية وأحب الخلق للتعليم والهداية والإفادة وأقدر الخلق على البيان والعبارة : امتنع أن يكون من هو دونه أفاد خواصه معرفة الحقائق أعظم مما أفادها الرسول لخواصه ; [ ص: 143 ] فامتنع أن يكون عند أحد من الطوائف من معرفة الحقائق ما ليس عند علماء الحديث .

وإذا لم يكن في الطوائف من هو أعلم بالحقائق وأبين لها منه : وجب أن يكون كل ما يذمون به من جهل بعضهم هو في طائفة المخالف الذام لهم أكثر . فيكون الذام لهم جاهلا ظالما فيه شعبة نفاق ; إذا كان مؤمنا . وهذا هو المقصود .

ثم إن هذا الذي بيناه مشهود بالقلب أعلم ذلك في كل أحد ممن أعرف مفصلا .

وهذه جملة يمكن تفصيلها من وجوه كثيرة ; لكن ليس هذا موضعه .

تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث