الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


وسواء كانت الأرض مقطعة أو لم تكن مقطعة وما علمت أحدا من علماء المسلمين - لا أهل المذاهب الأربعة ولا غيرهم - قال : إن إجارة الإقطاع لا تجوز وما زال المسلمون يؤجرون الأرض المقطعة من زمن الصحابة إلى زمننا هذا ; لكن بعض أهل زماننا ابتدعوا هذا القول ; قالوا : لأن المقطع لا يملك المنفعة ; فيصير كالمستعير إذا أكرى الأرض المعارة وهذا القياس خطأ لوجهين : أحدهما : أن المستعير لم تكن المنفعة حقا له ; وإنما تبرع له المعير بها وأما أراضي المسلمين فمنفعتها حق للمسلمين ; وولي الأمر قاسم يقسم بينهم حقوقهم ليس متبرعا لهم كالمعير والمقطع يستوفي المنفعة بحكم الاستحقاق كما يستوفي الموقوف عليه منافع الوقف وأولى وإذا جاز للموقوف عليه أن يؤجر الوقف وإن أمكن أن يموت فتنفسخ الإجارة بموته على أصح قولي العلماء : فلأن يجوز للمقطع أن يؤجر الإقطاع [ ص: 86 ] وإن انفسخت الإجارة بموته أو غير ذلك بطريق الأولى والأحرى .

الثاني : أن المعير لو أذن في الإجارة جازت الإجارة : مثل الإجارة في الإقطاع وولي الأمر يأذن للمقطعين في الإجارة وإنما أقطعهم لينتفعوا بها : إما بالمزارعة وإما بالإجارة ومن حرم الانتفاع بها بالمؤاجرة والمزارعة فقد أفسد على المسلمين دينهم ودنياهم ; فإن المساكن كالحوانيت والدور ونحو ذلك لا ينتفع بها المقطع إلا بالإجارة . وأما المزارع والبساتين فينتفع بها بالإجارة وبالمزارعة والمساقاة في الأمر العام والمرابعة نوع من المزارعة ولا تخرج عن ذلك إلا إذا استكرى بإجارة مقدرة من يعمل له فيها وهذا لا يكاد يفعله إلا قليل من الناس . لأنه قد يخسر ماله ولا يحصل له شيء ; بخلاف المشاركة فإنهما يشتركان في المغنم والمغرم ; فهو أقرب إلى العدل . فلهذا تختاره الفطر السليمة . وهذه المسائل لبسطها موضع آخر .

والمقصود هنا أن ولي الأمر إن أجبر أهل الصناعات على ما تحتاج إليه الناس من صناعاتهم كالفلاحة والحياكة والبناية فإنه يقدر أجرة المثل ; فلا يمكن المستعمل من نقص أجرة الصانع عن ذلك ولا يمكن الصانع من المطالبة بأكثر من ذلك حيث تعين عليه العمل ; وهذا من التسعير الواجب . وكذلك إذا احتاج الناس إلى من يصنع لهم آلات الجهاد من سلاح وجسر للحرب وغير ذلك فيستعمل بأجرة المثل لا [ ص: 87 ] يمكن المستعملون من ظلمهم ولا العمال من مطالبتهم بزيادة على حقهم مع الحاجة إليهم فهذا تسعير في الأعمال .

وأما في الأموال فإذا احتاج الناس إلى سلاح للجهاد فعلى أهل السلاح أن يبيعوه بعوض المثل ولا يمكنون من أن يحبسوا السلاح حتى يتسلط العدو أو يبذل لهم من الأموال ما يختارون والإمام لو عين أهل الجهاد للجهاد تعين عليهم ; كما قال النبي صلى الله عليه وسلم " { وإذا استنفرتم فانفروا } " أخرجاه في الصحيحين . وفي الصحيح أيضا عنه أنه قال : " { على المرء المسلم السمع والطاعة في عسره ويسره ; ومنشطه ومكرهه وأثرة عليه } " . فإذا وجب عليه أن يجاهد بنفسه وماله : فكيف لا يجب عليه أن يبيع ما يحتاج إليه في الجهاد بعوض المثل ؟ والعاجز عن الجهاد بنفسه يجب عليه الجهاد بماله في أصح قولي العلماء وهو إحدى الروايتين عن أحمد ; فإن الله أمر بالجهاد بالمال والنفس في غير موضع من القرآن وقد قال الله تعالى : { فاتقوا الله ما استطعتم } وقال النبي صلى الله عليه وسلم " { إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم } " أخرجاه في الصحيحين . فمن عجز عن الجهاد بالبدن لم يسقط عنه الجهاد بالمال كما أن من عجز عن الجهاد بالمال لم يسقط عنه الجهاد بالبدن . ومن أوجب على المعضوب أن يخرج من ماله ما يحج به الغير عنه وأوجب الحج على المستطيع بماله فقوله [ ص: 88 ] ظاهر التناقض .

ومن ذلك إذا كان الناس محتاجين إلى من يطحن لهم ومن يخبز لهم لعجزهم عن الطحن والخبز في البيوت ; كما كان أهل المدينة على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فإنه لم يكن عندهم من يطحن ويخبز بكراء ولا من يبيع طحينا ولا خبزا بل كانوا يشترون الحب ويطحنونه ويخبزونه في بيوتهم ; فلم يكونوا يحتاجون إلى التسعير وكان من قدم بالحب باعه فيشتريه الناس من الجالبين ; ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم " { الجالب مرزوق والمحتكر ملعون } " وقال : " { لا يحتكر إلا خاطئ } " رواه مسلم في صحيحه . وما يروى عن النبي صلى الله عليه وسلم " { أنه نهى عن قفيز الطحان } " فحديث ضعيف بل باطل فإن المدينة لم يكن فيها طحان ولا خباز ; لعدم حاجتهم إلى ذلك كما أن المسلمين لما فتحوا البلاد كان الفلاحون كلهم كفارا ; لأن المسلمين كانوا مشتغلين بالجهاد .

ولهذا لما فتح النبي صلى الله عليه وسلم خيبر أعطاها لليهود يعملونها فلاحة ; لعجز الصحابة عن فلاحتها ; لأن ذلك يحتاج إلى سكناها وكان الذين فتحوها أهل بيعة الرضوان الذين بايعوا تحت الشجرة وكانوا نحو ألف وأربعمائة وانضم إليهم أهل سفينة جعفر فهؤلاء هم الذين قسم النبي صلى الله عليه وسلم بينهم أرض خيبر فلو أقام [ ص: 89 ] طائفة من هؤلاء فيها لفلاحتها تعطلت مصالح الدين التي لا يقوم بها غيرهم فلما كان في زمن عمر بن الخطاب رضي الله عنه وفتحت البلاد وكثر المسلمون استغنوا عن اليهود فأجلوهم وكان النبي صلى الله عليه وسلم قد قال : " { نقركم فيها ما شئنا - وفي رواية - ما أقركم الله } " وأمر بإجلائهم منها عند موته صلى الله عليه وسلم فقال : " { أخرجوا اليهود والنصارى من جزيرة العرب } " .

ولهذا ذهب طائفة من العلماء كمحمد بن جرير الطبري - إلى أن الكفار لا يقرون في بلاد المسلمين بالجزية إلا إذا كان المسلمون محتاجين إليهم فإذا استغنوا عنهم أجلوهم كأهل خيبر . وفي هذه المسألة نزاع ليس هذا موضعه .

والمقصود هنا أن الناس إذا احتاجوا إلى الطحانين والخبازين فهذا على وجهين : أحدهما : أن يحتاجوا إلى صناعتهم ; كالذين يطحنون ويخبزون لأهل البيوت فهؤلاء يستحقون الأجرة وليس لهم عند الحاجة إليهم أن يطالبوا إلا بأجرة المثل كغيرهم من الصناع .

والثاني : أن يحتاجوا إلى الصنعة والبيع ; فيحتاجوا إلى من يشتري الحنطة ويطحنها ; وإلى من يخبزها ويبيعها خبزا . لحاجة الناس إلى شراء [ ص: 90 ] الخبز من الأسواق فهؤلاء لو مكنوا أن يشتروا حنطة الناس المجلوبة ويبيعوا الدقيق والخبز بما شاءوا مع حاجة الناس إلى تلك الحنطة لكان ذلك ضررا عظيما ; فإن هؤلاء تجار تجب عليهم زكاة التجارة عند الأئمة الأربعة وجمهور علماء المسلمين كما يجب على كل من اشترى شيئا يقصد أن يبيعه بربح سواء عمل فيه عملا أو لم يعمل وسواء اشترى طعاما أو ثيابا أو حيوانا وسواء كان مسافرا ينقل ذلك من بلد إلى بلد ; أو كان متربصا به يحبسه إلى وقت النفاق ; أو كان مديرا يبيع دائما ويشتري كأهل الحوانيت فهؤلاء كلهم تجب عليهم زكاة التجار وإذا وجب عليهم أن يصنعوا الدقيق والخبز لحاجة الناس إلى ذلك ألزموا كما تقدم ; أو دخلوا طوعا فيما يحتاج إليه الناس من غير إلزام لواحد منهم بعينه ; فعلى التقديرين يسعر عليهم الدقيق والحنطة ; فلا يبيعوا الحنطة والدقيق إلا بثمن المثل بحيث يربحون الربح بالمعروف من غير إضرار بهم ولا بالناس .

وقد تنازع العلماء في التسعير في مسألتين :

إحداهما : إذا كان للناس سعر غال فأراد بعضهم أن يبيع بأغلى من ذلك فإنه يمنع منه في السوق في مذهب مالك . وهل يمنع النقصان ؟ على قولين لهم .

وأما الشافعي وأصحاب أحمد : كأبي حفص العكبري . والقاضي أبي يعلى ; [ ص: 91 ] والشريف أبي جعفر ; وأبي الخطاب ; وابن عقيل وغيرهم : فمنعوا من ذلك .

واحتج مالك بما رواه في موطئه عن يونس بن سيف عن سعيد بن المسيب : أن عمر بن الخطاب مر بحاطب بن أبي بلتعة وهو يبيع زبيبا له بالسوق ; فقال له عمر : إما أن تزيد في السعر وإما أن ترفع من سوقنا .

وأجاب الشافعي وموافقوه بما رواه فقال : حدثنا الدراوردي عن داود بن صالح التمار عن القاسم بن محمد عن عمر : أنه مر بحاطب بسوق المصلي وبين يديه غرارتان فيهما زبيب ; فسأله عن سعرهما ؟ فسعر له مدين لكل درهم فقال له عمر : قد حدثت بعير مقبلة من الطائف تحمل زبيبا وهم يعتبرون سعرك فإما أن ترفع السعر وإما أن تدخل زبيبك البيت فتبيعه كيف شئت فلما رجع عمر حاسب نفسه ; ثم أتى حاطبا في داره فقال : إن الذي قلت لك ليس بمعرفة مني ولا قضاء إنما هو شيء أردت به الخير لأهل البلد فحيث شئت فبع وكيف شئت فبع قال الشافعي : وهذا الحديث مقتضاه ليس بخلاف ما رواه مالك ولكنه روى بعض الحديث أو رواه عنه من رواه ; وهذا أتى بأول الحديث وآخره ; وبه أقول ; لأن الناس مسلطون على أموالهم ليس لأحد أن يأخذها أو شيئا منها بغير طيب [ ص: 92 ] أنفسهم إلا في المواضع التي تلزمهم وهذا ليس منها .

قلت : وعلى قول مالك قال أبو الوليد الباجي : الذي يؤمر من حط عنه أن يلحق به هو السعر الذي عليه جمهور الناس ; فإذا انفرد منهم الواحد والعدد اليسير بحط السعر أمروا باللحاق بسعر الجمهور ; لأن المراعي حال الجمهور وبه تقوم المبيعات . وروى ابن القاسم عن مالك : لا يقام الناس لخمسة . قال : وعندي أنه يجب أن ينظر في ذلك إلى قدر الأسواق ; وهل يقام من زاد في السوق - أي : في قدر المبيع - بالدرهم مثلا كما يقام من نقص منه ؟ قال أبو الحسن ابن القصار المالكي : اختلف أصحابنا في قول مالك : ولكن من حط سعرا . فقال البغداديون : أراد من باع خمسة بدرهم والناس يبيعون ثمانية . وقال قوم من المصريين : أراد من باع ثمانية والناس يبيعون خمسة . قال : وعندي أن الأمرين جميعا ممنوعان ; لأن من باع ثمانية والناس يبيعون خمسة أفسد على أهل السوق بيعهم ; فربما أدى إلى الشغب والخصومة ; ففي منع الجميع مصلحة . قالأبو الوليد : ولا خلاف أن ذلك حكم أهل السوق .

وأما الجالب ففي كتاب محمد : لا يمنع الجالب أن يبيع في السوق دون الناس . وقال ابن حبيب : ما عدا القمح والشعير إلا بسعر الناس وإلا رفعوا قال : وأما جالب القمح والشعير فيبيع كيف شاء ; [ ص: 93 ] إلا أن لهم في أنفسهم حكم أهل السوق ; إن أرخص بعضهم تركوا وإن كثر المرخص قيل لمن بقي : إما أن تبيعوا كبيعهم وإما أن ترفعوا . قال ابن حبيب : وهذا في المكيل والموزون : مأكولا أو غير مأكول ; دون ما لا يكال ولا يوزن ; لأن غيره لا يمكن تسعيره ; لعدم التماثل فيه . قال أبو الوليد : يريد إذا كان المكيل والموزون متساويا فإذا اختلف لم يؤمر بائع الجيد أن يبيعه بسعر الدون .

قلت : والمسألة الثانية التي تنازع فيها العلماء في التسعير : أن لا يحد لأهل السوق حد لا يتجاوزونه مع قيام الناس بالواجب فهذا منع منه جمهور العلماء حتى مالك نفسه في المشهور عنه . ونقل المنع أيضا عن ابن عمر وسالم والقاسم بن محمد وذكر أبو الوليد عن سعيد بن المسيب وربيعة بن أبي عبد الرحمن . وعن يحيى بن سعيد أنهم أرخصوا فيه ; ولم يذكر ألفاظهم .

وروى أشهب عن مالك ; وصاحب السوق يسعر على الجزارين : لحم الضأن ثلث رطل ; ولحم الإبل نصف رطل ; وإلا خرجوا من السوق .

قال : إذا سعر عليهم قدر ما يرى من شرائهم فلا بأس به ولكن أخاف أن يقوموا من السوق . واحتج أصحاب هذا القول بأن هذا مصلحة للناس بالمنع من إغلاء [ ص: 94 ] السعر عليهم ولا فساد عليهم . قالوا : ولا يجبر الناس على البيع إنما يمنعون من البيع بغير السعر الذي يحده ولي الأمر ; على حسب ما يرى من المصلحة فيه للبائع والمشتري ; ولا يمنع البائع ربحا ولا يسوغ له منه ما يضر بالناس .

وأما الجمهور فاحتجوا بما تقدم من حديث النبي صلى الله عليه وسلم وقد رواه أيضا أبو داود وغيره من حديث العلاء بن عبد الرحمن عن أبيه عن أبي هريرة أنه قال : { جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال له : يا رسول الله سعر لنا فقال : بل ادعوا الله ثم جاء رجل فقال : يا رسول الله سعر لنا فقال : بل الله يرفع ويخفض ; وإني لأرجو أن ألقى الله وليست لأحد عندي مظلمة } " . قالوا : ولأن إجبار الناس على بيع لا يجب أو منعهم مما يباح شرعا : ظلم لهم والظلم حرام .

وأما صفة ذلك عند من جوزه : فقال ابن حبيب : ينبغي للإمام أن يجمع وجوه أهل سوق ذلك الشيء ; ويحضر غيرهم استظهارا على صدقهم ; فيسألهم : كيف يشترون ؟ وكيف يبيعون ؟ فينازلهم إلى ما فيه لهم وللعامة سداد حتى يرضوا ولا يجبرون على التسعير ; ولكن عن رضا . قال : وعلى هذا أجازه من أجازه . قال أبو الوليد : ووجه ذلك أنه بهذا يتوصل إلى معرفة مصالح الباعة والمشترين ويجعل للباعة [ ص: 95 ] في ذلك من الربح ما يقوم بهم ; ولا يكون فيه إجحاف بالناس وإذا سعر عليهم من غير رضا بما لا ربح لهم فيه أدى ذلك إلى فساد الأسعار وإخفاء الأقوات وإتلاف أموال الناس .

قلت : فهذا الذي تنازع فيه العلماء .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث