الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


[ ص: 147 ] والناس هنا ثلاثة أقسام . قوم لا يقومون إلا في أهواء نفوسهم ; فلا يرضون إلا بما يعطونه ولا يغضبون إلا لما يحرمونه ; فإذا أعطي أحدهم ما يشتهيه من الشهوات الحلال والحرام زال غضبه وحصل رضاه وصار الأمر الذي كان عنده منكرا - ينهى عنه ويعاقب عليه ; ويذم صاحبه ويغضب عليه - مرضيا عنده وصار فاعلا له وشريكا فيه ; ومعاونا عليه ; ومعاديا لمن نهى عنه وينكر عليه . وهذا غالب في بني آدم يرى الإنسان ويسمع من ذلك ما لا يحصيه . وسببه : أن الإنسان ظلوم جهول ; فلذلك لا يعدل بل ربما كان ظالما في الحالين يرى قوما ينكرون على المتولي ظلمه لرعيته واعتداءه عليهم ; فيرضى أولئك المنكرون ببعض الشيء فينقلبون أعوانا له . وأحسن أحوالهم أن يسكتوا عن الإنكار عليه . وكذلك تراهم ينكرون على من يشرب الخمر ويزني ويسمع الملاهي حتى يدخلوا أحدهم معهم في ذلك ; أو يرضوه ببعض ذلك ; فتراه قد صار عونا لهم . وهؤلاء قد يعودون بإنكارهم إلى أقبح من الحال التي كانوا عليها وقد يعودون إلى ما هو دون ذلك أو نظيره .

وقوم يقومون ديانة صحيحة يكونون في ذلك مخلصين لله مصلحين فيما عملوه ويستقيم لهم ذلك حتى يصبروا على ما أوذوا . وهؤلاء هم الذين آمنوا وعملوا الصالحات وهم من خير أمة أخرجت للناس : [ ص: 148 ] يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويؤمنون بالله .

وقوم يجتمع فيهم هذا وهذا ; وهم غالب المؤمنين فمن فيه دين وله شهوة تجتمع في قلوبهم إرادة الطاعة وإرادة المعصية وربما غلب هذا تارة وهذا تارة .

وهذه القسمة الثلاثية كما قيل : الأنفس ثلاث : أمارة ; ومطمئنة ; ولوامة . فالأولون هم أهل الأنفس الأمارة التي تأمره بالسوء . والأوسطون هم أهل النفوس المطمئنة التي قيل فيها : { يا أيتها النفس المطمئنة } { ارجعي إلى ربك راضية مرضية } { فادخلي في عبادي } { وادخلي جنتي } . والآخرون هم أهل النفوس اللوامة التي تفعل الذنب ثم تلوم عليه ; وتتلون : تارة كذا . وتارة كذا . وتخلط عملا صالحا وآخر سيئا .

ولهذا لما كان الناس في زمن أبي بكر وعمر اللذين أمر المسلمون بالاقتداء بهما كما قال صلى الله عليه وسلم { اقتدوا بالذين من بعدي أبي بكر وعمر } أقرب عهدا بالرسالة وأعظم إيمانا وصلاحا ; وأئمتهم أقوم بالواجب وأثبت في الطمأنينة : لم تقع فتنة ; إذ كانوا في حكم القسم الوسط .

ولما كان في آخر خلافة عثمان وخلافة علي كثر القسم الثالث ; فصار فيهم شهوة وشبهة مع الإيمان والدين ; وصار ذلك في بعض الولاة [ ص: 149 ] وبعض الرعايا ثم كثر ذلك بعد ; فنشأت الفتنة التي سببها ما تقدم من عدم تمحيص التقوى والطاعة في الطرفين ; واختلاطهما بنوع من الهوى والمعصية في الطرفين : وكل منهما متأول أنه يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر وأنه مع الحق والعدل ومع هذا التأويل نوع من الهوى ; ففيه نوع من الظن وما تهوى الأنفس ; وإن كانت إحدى الطائفتين أولى بالحق من الأخرى .

فلهذا يجب على المؤمن أن يستعين بالله ; ويتوكل عليه في أن يقيم قلبه ولا يزيغه : ويثبته على الهدى والتقوى ; ولا يتبع الهوى كما قال تعالى : { فلذلك فادع واستقم كما أمرت ولا تتبع أهواءهم وقل آمنت بما أنزل الله من كتاب وأمرت لأعدل بينكم الله ربنا وربكم } .

وهذا أيضا حال الأمة فيما تفرقت فيه واختلفت في المقالات والعبادات . وهذه الأمور مما تعظم بها المحنة على المؤمنين . فإنهم يحتاجون إلى شيئين : إلى دفع الفتنة التي ابتلي بها نظراؤهم من فتنة الدين والدنيا عن نفوسهم مع قيام المقتضي لها : فإن معهم نفوسا وشياطين كما مع غيرهم فمع وجود ذلك من نظرائهم يقوى المقتضي عندهم ; كما هو الواقع ; فيقوى الداعي الذي في نفس الإنسان وشيطانه ; وما يحصل من الداعي بفعل الغير والنظير . فكم ممن لم يرد خيرا ولا شرا حتى رأى غيره - لا سيما إن كان نظيره - [ ص: 150 ] يفعله ففعله فإن الناس كأسراب القطا ; مجبولون على تشبه بعضهم ببعض . ولهذا كان المبتدئ بالخير والشر : له مثل من تبعه من الأجر والوزر كما قال النبي صلى الله عليه وسلم { من سن سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة ; من غير أن ينقص من أجورهم شيئا ; ومن سن سنة سيئة فعليه وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة ; من غير أن ينقص من أوزارهم شيئا } وذلك لاشتراكهم في الحقيقة . وأن حكم الشيء حكم نظيره . وشبه الشيء منجذب إليه . فإذا كان هذان داعيين قويين : فكيف إذا انضم إليهما داعيان آخران ؟ وذلك أن كثيرا من أهل المنكر يحبون من يوافقهم على ما هم فيه ; ويبغضون من لا يوافقهم وهذا ظاهر في الديانات الفاسدة من موالاة كل قوم لموافقيهم ; ومعاداتهم لمخالفيهم .

وكذلك في أمور الدنيا والشهوات كثيرا ما يختارون ويؤثرون من يشاركهم : إما للمعاونة على ذلك ; كما في المتغلبين من أهل الرياسات وقطاع الطريق ونحوهم . وإما بالموافقة ; كما في المجتمعين على شرب الخمر ; فإنهم يختارون أن يشرب كل من حضر عندهم وإما لكراهتهم امتيازه عنهم بالخير : إما حسدا له على ذلك ; لئلا يعلو عليهم بذلك ويحمد دونهم . وإما لئلا يكون له عليهم حجة . وإما لخوفهم من معاقبته لهم بنفسه ; أو بمن يرفع ذلك إليهم ; ولئلا يكونوا تحت منته وخطره [ ص: 151 ] ونحو ذلك من الأسباب قال الله تعالى : { ود كثير من أهل الكتاب لو يردونكم من بعد إيمانكم كفارا حسدا من عند أنفسهم من بعد ما تبين لهم الحق } وقال تعالى في المنافقين : { ودوا لو تكفرون كما كفروا فتكونون سواء } . وقال عثمان بن عفان رضي الله عنه ودت الزانية لو زنى النساء كلهن .

والمشاركة قد يختارونها في نفس الفجور كالاشتراك في الشرب والكذب والاعتقاد الفاسد وقد يختارونها في النوع ; كالزاني الذي يود أن غيره يزني ; والسارق الذي يود أن غيره يسرق أيضا ; لكن في غير العين التي زنى بها أو سرقها .

وأما الداعي الثاني فقد يأمرون الشخص بمشاركتهم فيما هم عليه من المنكر . فإن شاركهم وإلا عادوه وآذوه على وجه ينتهي إلى حد الإكراه ; أولا ينتهي إلى حد الإكراه ثم إن هؤلاء الذين يختارون مشاركة الغير لهم في قبيح فعلهم أو يأمرونه بذلك ويستعينون به على ما يريدونه : متى شاركهم وعاونهم وأطاعهم انتقصوه واستخفوا به . وجعلوا ذلك حجة عليه في أمور أخرى . وإن لم يشاركهم عادوه وآذوه . وهذه حال غالب الظالمين القادرين .

وهذا الموجود في المنكر نظيره في المعروف وأبلغ منه كما قال [ ص: 152 ] تعالى : { والذين آمنوا أشد حبا لله } فإن داعي الخير أقوى ; فإن الإنسان فيه داع يدعوه إلى الإيمان والعلم ; والصدق والعدل ; وأداء الأمانة فإذا وجد من يعمل مثل ذلك صار له داع آخر ; لا سيما إذا كان نظيره ; لا سيما مع المنافسة وهذا محمود حسن . فإن وجد من يحب موافقته على ذلك ومشاركته له من المؤمنين والصالحين ; ويبغضه إذا لم يفعل : صار له داع ثالث ; فإذا أمروه بذلك ووالوه على ذلك وعادوه وعاقبوه على تركه صار له داع رابع .

ولهذا يؤمر المؤمنون أن يقابلوا السيئات بضدها من الحسنات ; كما يقابل الطبيب المرض بضده . فيؤمر المؤمن بأن يصلح نفسه وذلك بشيئين : بفعل الحسنات . وترك السيئات مع وجود ما ينفي الحسنات ويقتضي السيئات . وهذه أربعة أنواع .

ويؤمر أيضا بإصلاح غيره بهذه الأنواع الأربعة بحسب قدرته وإمكانه ; قال تعالى : { والعصر } { إن الإنسان لفي خسر } { إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر } . وروي عن الشافعي رضي الله عنه أنه قال : لو فكر الناس كلهم في سورة ( والعصر لكفتهم . وهو كما قال . فإن الله تعالى أخبر أن جميع الناس خاسرون إلا من كان في نفسه مؤمنا صالحا ; ومع غيره موصيا بالحق موصيا بالصبر . وإذا عظمت المحنة كان ذلك للمؤمن الصالح سببا لعلو [ ص: 153 ] الدرجة وعظيم الأجر ; كما { سئل النبي صلى الله عليه وسلم أي الناس أشد بلاء ؟ قال الأنبياء : ثم الصالحون ; ثم الأمثل فالأمثل ; يبتلى الرجل على حسب دينه . فإن كان في دينه صلابة زيد في بلائه وإن كان في دينه رقة خفف عنه . ولا يزال البلاء بالمؤمن حتى يمشي على وجه الأرض وليس عليه خطيئة } وحينئذ فيحتاج من الصبر ما لا يحتاج إليه غيره : وذلك هو سبب الإمامة في الدين ; كما قال تعالى : { وجعلنا منهم أئمة يهدون بأمرنا لما صبروا وكانوا بآياتنا يوقنون } .

فلا بد من الصبر على فعل الحسن المأمور به وترك السيئ المحظور ; ويدخل في ذلك الصبر على فعل الأذى وعلى ما يقال ; والصبر على ما يصيبه من المكاره ; والصبر عن البطر عند النعم : وغير ذلك من أنواع الصبر .

ولا يمكن العبد أن يصبر إن لم يكن له ما يطمئن به ويتنعم به ويغتذى به وهو اليقين ; كما في الحديث الذي رواه أبو بكر الصديق رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : { يا أيها الناس سلوا الله اليقين ; والعافية ; فإنه لم يعط أحد بعد اليقين خيرا من العافية فسلوهما الله } .

وكذلك إذا أمر غيره يحسن أو أحب موافقته على ذلك ; أو نهى [ ص: 154 ] غيره عن شيء ; فيحتاج أن يحسن إلى ذلك الغير إحسانا يحصل به مقصوده ; من حصول المحبوب واندفاع المكروه ; فإن النفوس لا تصبر على المر إلا بنوع من الحلو ; لا يمكن غير ذلك ; ولهذا أمر الله تعالى بتأليف القلوب ; حتى جعل للمؤلفة قلوبهم نصيبا في الصدقات . وقال تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم { خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين } . وقال تعالى : { وتواصوا بالصبر وتواصوا بالمرحمة } فلا بد أن يصبر وأن يرحم وهذا هو الشجاعة والكرم .

ولهذا يقرن الله بين الصلاة والزكاة تارة ; وهي الإحسان إلى الخلق وبينهما وبين الصبر تارة . ولا بد من الثلاثة : الصلاة ; والزكاة ; والصبر . لا تقوم مصلحة المؤمنين إلا بذلك ; في صلاح نفوسهم وإصلاح غيرهم ; لا سيما كلما قويت الفتنة والمحنة ; فالحاجة إلى ذلك تكون أشد ; فالحاجة إلى السماحة والصبر عامة لجميع بني آدم لا تقوم مصلحة دينهم ولا دنياهم إلا به .

ولهذا جميعهم يتمادحون بالشجاعة والكرم حتى إن ذلك عامة ما يمدح به الشعراء في شعرهم . وكذلك يتذامون بالبخل والجبن . والقضايا التي يتفق عليها بنو آدم لا تكون إلا حقا ; كاتفاقهم على مدح الصدق والعدل ; وذم الكذب والظلم . وقد قال { النبي صلى الله عليه وسلم لما سأله الأعراب ; حتى اضطروه إلى سمرة فتعلقت بردائه ; فالتفت إليهم [ ص: 155 ] وقال : والذي نفسي بيده لو أن عندي عدد هذه العضاه نعما لقسمته عليكم ; ثم لا تجدوني بخيلا ولا جبانا ولا كذوبا } . لكن يتنوع ذلك بتنوع المقاصد والصفات ; فإنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى .

ولهذا جاء الكتاب والسنة بذم البخل والجبن ; ومدح الشجاعة والسماحة في سبيله دون ما ليس في سبيله ; فقال النبي صلى الله عليه وسلم { شر ما في المرء شح هالع وجبن خالع } . وقال : { من سيدكم يا بني سلمة ؟ فقالوا الجد بن قيس على أنا نزنه بالبخل فقال : وأي داء أدوأ من البخل ؟ } وفي رواية : { إن السيد لا يكون بخيلا بل سيدكم الأبيض الجعد البراء بن معرور } . وكذلك في الصحيح قول جابر بن عبد الله لأبي بكر الصديق رضي الله عنهما إما أن تعطيني وإما أن تبخل عني فقال تقول : وإما أن تبخل عني وأي داء أدوأ من البخل ؟ فجعل البخل من أعظم الأمراض .

وفي صحيح مسلم عن سلمان بن ربيعة قال : { قال عمر : قسم النبي صلى الله عليه وسلم قسما فقلت : يا رسول الله والله لغير هؤلاء أحق به منهم فقال : إنهم خيروني بين أن يسألوني بالفحش وبين أن يبخلوني ولست بباخل يقول : إنهم يسألوني مسألة لا تصلح فإن أعطيتهم وإلا قالوا : هو بخيل فقد خيروني بين أمرين مكرهين لا يتركوني من أحدهما : الفاحشة والتبخيل . والتبخيل أشد ; فأدفع [ ص: 156 ] الأشد بإعطائهم .

} والبخل جنس تحته أنواع : كبائر ; وغير كبائر قال تعالى : { ولا يحسبن الذين يبخلون بما آتاهم الله من فضله هو خيرا لهم بل هو شر لهم سيطوقون ما بخلوا به يوم القيامة } . وقال : { واعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا وبالوالدين إحسانا } إلى قوله : { إن الله لا يحب من كان مختالا فخورا } { الذين يبخلون ويأمرون الناس بالبخل } وقال تعالى : { وما منعهم أن تقبل منهم نفقاتهم إلا أنهم كفروا بالله وبرسوله ولا يأتون الصلاة إلا وهم كسالى ولا ينفقون إلا وهم كارهون } . وقال : { فلما آتاهم من فضله بخلوا به وتولوا وهم معرضون } { فأعقبهم نفاقا في قلوبهم إلى يوم يلقونه } . وقال : { ومن يبخل فإنما يبخل عن نفسه } . وقال : { فويل للمصلين } { الذين هم عن صلاتهم ساهون } { الذين هم يراءون } { ويمنعون الماعون } . وقال : { والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله فبشرهم بعذاب أليم } { يوم يحمى عليها في نار جهنم فتكوى بها جباههم وجنوبهم وظهورهم } الآية .

وما في القرآن من الأمر بالإيتاء والإعطاء وذم من ترك ذلك : كله ذم للبخل وكذلك ذمه للجبن كثير مثل قوله : { ومن يولهم يومئذ دبره إلا متحرفا لقتال أو متحيزا إلى فئة فقد باء بغضب من الله ومأواه جهنم وبئس المصير } . وقوله عن المنافقين : { ويحلفون بالله إنهم لمنكم وما هم منكم ولكنهم قوم يفرقون } { لو يجدون ملجأ أو مغارات أو مدخلا لولوا إليه وهم يجمحون } . وقوله : { فإذا أنزلت سورة محكمة وذكر فيها القتال رأيت الذين في قلوبهم مرض ينظرون إليك نظر المغشي عليه من الموت } . وقوله : { ألم تر إلى الذين قيل لهم كفوا أيديكم وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة فلما كتب عليهم القتال إذا فريق منهم يخشون الناس كخشية الله أو أشد خشية وقالوا ربنا لم كتبت علينا القتال لولا أخرتنا إلى أجل قريب قل متاع الدنيا قليل والآخرة خير لمن اتقى ولا تظلمون فتيلا } .

وما في القرآن من الحض على الجهاد والترغيب فيه وذم الناكلين عنه والتاركين له : كله ذم للجبن . ولما كان صلاح بني آدم لا يتم في دينهم ودنياهم إلا بالشجاعة والكرم : بين سبحانه أن من تولى عن الجهاد بنفسه أبدل الله به من يقوم بذلك ; فقال : { يا أيها الذين آمنوا ما لكم إذا قيل لكم انفروا في سبيل الله اثاقلتم إلى الأرض أرضيتم بالحياة الدنيا من الآخرة فما متاع الحياة الدنيا في الآخرة إلا قليل } { إلا تنفروا يعذبكم عذابا أليما ويستبدل قوما غيركم ولا تضروه شيئا والله على كل شيء قدير } . وقال تعالى : { هاأنتم هؤلاء تدعون لتنفقوا في سبيل الله فمنكم من يبخل ومن يبخل فإنما يبخل عن نفسه والله الغني وأنتم الفقراء وإن تتولوا يستبدل قوما غيركم ثم لا يكونوا أمثالكم } .

[ ص: 158 ] وبالشجاعة والكرم في سبيل الله فضل [ الله ] السابقين فقال : { لا يستوي منكم من أنفق من قبل الفتح وقاتل أولئك أعظم درجة من الذين أنفقوا من بعد وقاتلوا وكلا وعد الله الحسنى } .

وقد ذكر الجهاد بالنفس والمال في سبيله ; ومدحه في غير آية من كتابه ; وذلك هو الشجاعة والسماحة في طاعته سبحانه فقال : { كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله والله مع الصابرين } وقال تعالى : { يا أيها الذين آمنوا إذا لقيتم فئة فاثبتوا واذكروا الله كثيرا لعلكم تفلحون } . { وأطيعوا الله ورسوله ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم واصبروا إن الله مع الصابرين } .

والشجاعة ليست هي قوة البدن وقد يكون الرجل قوي البدن ضعيف القلب ; وإنما هي قوة القلب وثباته . فإن القتال مداره على قوة البدن وصنعته للقتال ; وعلى قوة القلب وخبرته به . والمحمود منهما ما كان بعلم ومعرفة ; دون التهور الذي لا يفكر صاحبه ولا يميز بين المحمود والمذموم ; ولهذا كان القوي الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب . حتى يفعل ما يصلح . فأما المغلوب حين غضبه فليس بشجاع ولا شديد . وقد تقدم أن جماع ذلك هو الصبر ; فإنه لا بد منه . والصبر صبران : صبر عند الغضب ; وصبر عند المصيبة . كما قال الحسن : ما تجرع عبد [ ص: 159 ] جرعة أعظم من جرعة حلم عند الغضب ; وجرعة صبر عند المصيبة ; وذلك لأن أصل ذلك هو الصبر على المؤلم .

وهذا هو الشجاع الشديد الذي يصبر على المؤلم . والمؤلم إن كان مما يمكن دفعه أثار الغضب وإن كان مما لا يمكن دفعه أثار الحزن ; ولهذا يحمر الوجه عند الغضب لثوران الدم عند استشعار القدرة ويصفر عند الحزن لغور الدم عند استشعار العجز ; ولهذا جمع النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح الذي رواه مسلم عن ابن مسعود قال : قال النبي صلى الله عليه وسلم { ما تعدون الرقوب فيكم ؟ قالوا : الرقوب الذي لا يولد له قال : ليس ذلك بالرقوب ; ولكن الرقوب الرجل الذي لم يقدم من ولده شيئا ثم قال : ما تعدون الصرعة فيكم ؟ قلنا : الذي لا تصرعه الرجال فقال : ليس بذلك ولكن الصرعة الذي يملك نفسه عند الغضب } فذكر ما يتضمن الصبر عند المصيبة والصبر عند الغضب قال الله تعالى في المصيبة : { وبشر الصابرين } { الذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا إنا لله وإنا إليه راجعون } الآية . وقال تعالى في الغضب : { وما يلقاها إلا الذين صبروا وما يلقاها إلا ذو حظ عظيم } .

وهذا الجمع بين صبر المصيبة وصبر الغضب نظير الجمع بين صبر النعمة [ وصبر المصيبة ] كما في قوله تعالى {ولئن أذقنا الإنسان منا رحمة ثم نزعناها منه إنه ليئوس كفور } { ولئن أذقناه نعماء بعد ضراء مسته ليقولن ذهب السيئات عني إنه لفرح فخور } { إلا الذين صبروا وعملوا الصالحات أولئك لهم مغفرة وأجر كبير } . وقال : { لكي لا تأسوا على ما فاتكم ولا تفرحوا بما آتاكم } . وبهذا وصف كعب بن زهير من وصفه من الصحابة المهاجرين حيث قال :

لا يفرحون إذا نالت سيوفهم قوما وليسوا مجازيعا إذا نيلوا

وكذلك قال حسان بن ثابت في صفة الأنصار :

لا فخر إن هم أصابوا من عدوهم     وإن أصيبوا فلا خور ولا هلع

وقال بعض العرب في صفة النبي صلى الله عليه وسلم يغلب فلا يبطر ; ويغلب فلا يضجر .

ولما كان الشيطان يدعو الناس عند هذين النوعين إلى تعدي الحدود بقلوبهم وأصواتهم وأيديهم : { نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك فقال لما قيل له : وقد بكى لما رأى إبراهيم في النزع أتبكي ؟ أولم تنه عن البكاء ؟ فقال : إنما نهيت عن صوتين أحمقين فاجرين : صوت عند نغمة لهو ولعب ومزامير شيطان . وصوت عند مصيبة لطم خدود وشق جيوب ودعاء بدعوى الجاهلية } فجمع بين الصوتين .

[ ص: 161 ] وأما نهيه عن ذلك في المصائب فمثل قوله صلى الله عليه وسلم { ليس منا من لطم الخدود وشق الجيوب ودعا بدعوى الجاهلية } . وقال : { أنا بريء من الحالقة والصالقة والشاقة } . وقال : { ما كان من العين والقلب فمن الله وما كان من اليد واللسان فمن الشيطان } . وقال : { إن الله لا يؤاخذ على دمع العين ولا حزن القلب ; ولكن يعذب بهذا أو يرحم - وأشار إلى لسانه وقال : من ينح عليه فإنه يعذب بما نيح عليه } . واشترط على النساء في البيعة أن لا ينحن وقال : { إن النائحة إذا لم تتب قبل موتها فإنها تلبس يوم القيامة درعا من جرب وسربالا من قطران } .

وقال في الغلبة والمصائب والفرح : { إن الله كتب الإحسان على كل شيء ; فإذا قتلتم فأحسنوا القتلة وإذا ذبحتم فأحسنوا الذبحة ; وليحد أحدكم شفرته وليرح ذبيحته } . وقال : { إن أعف الناس قتلة أهل الإيمان } . وقال : { لا تمثلوا ولا تغدروا ولا تقتلوا وليدا } . إلى غير ذلك مما أمر به في الجهاد من العدل وترك العدوان ; اتباعا لقوله تعالى { ولا يجرمنكم شنآن قوم على ألا تعدلوا اعدلوا هو أقرب للتقوى } ولقوله تعالى : { وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين } .

ونهى عن لباس الحرير وتختم الذهب ; والشرب في آنية الذهب [ ص: 162 ] والفضة ; وإطالة الثياب ; إلى غير ذلك من أنواع السرف والخيلاء في النعم وذم الذين يستحلون الحر والحرير والخمر والمعازف وجعل فيهم الخسف والمسخ . وقد قال الله تعالى : { إن الله لا يحب من كان مختالا فخورا } . وقال عن قارون : { إذ قال له قومه لا تفرح إن الله لا يحب الفرحين } . وهذه الأمور الثلاثة مع الصبر عن الاعتداء في الشهوة هي جوامع هذا الباب .

وذلك أن الإنسان بين ما يحبه ويشتهيه : وبين ما يبغضه ويكرهه فهو يطلب الأول بمحبته وشهوته ويدفع الثاني ببغضه ونفرته . وإذا حصل الأول أو اندفع الثاني أوجب له فرحا وسرورا وإن حصل الثاني أو اندفع الأول حصل له حزن فهو محتاج عند المحبة والشهوة أن يصبر عن عدوانهما ; وعند الغضب والنفرة أن يصبر عن عدوانهما ; وعند الفرح أن يصبر عن عدوانه ; وعند المصيبة أن يصبر عن الجزع منها فالنبي صلى الله عليه وسلم ذكر الصوتين الأحمقين الفاجرين : الصوت الذي يوجب الاعتداء في الفرح حتى يصير الإنسان فرحا فخورا ; والصوت الذي يوجب الجزع .

وأما الصوت الذي يثير الغضب لله : كالأصوات التي تقال في الجهاد من الأشعار المنشدة : فتلك لم تكن بآلات وكذلك أصوات الشهوة في الفرح ; فرخص منها فيما وردت به السنة من الضرب بالدف [ ص: 163 ] في الأعراس والأفراح للنساء والصبيان .

وعامة الأشعار التي تنشد بالأصوات لتحريك النفوس هي من هذه الأقسام الأربعة وهي التشبيب ; وأشعار الغضب والحمية ; وهي الحماسة والهجاء . وأشعار المصائب كالمراثي وأشعار النعم والفرح وهي المدائح . والشعراء جرت عادتهم أن يمشوا مع الطبع ; كما قال الله تعالى : { ألم تر أنهم في كل واد يهيمون } { وأنهم يقولون ما لا يفعلون } ولهذا أخبر أنهم يتبعهم الغاوون والغاوي : هو الذي يتبع هواه بغير علم ; وهذا هو الغي ; وهو خلاف الرشد . كما أن الضال الذي لا يعلم مصلحته هو خلاف المهتدي قال الله سبحانه وتعالى : { والنجم إذا هوى } { ما ضل صاحبكم وما غوى } ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم { عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي } . فلهذا تجدهم يمدحون جنس الشجاعة وجنس السماحة ; إذ كان عدم هذين مذموما على الإطلاق وأما وجودهما فبه تحصل مقاصد النفوس على الإطلاق ; لكن العاقبة في ذلك للمتقين . وأما غير المتقين فلهم عاجلة لا عاقبة والعاقبة وإن كانت في الآخرة فتكون في الدنيا أيضا ; كما قال تعالى لما ذكر قصة نوح ونجاته بالسفينة : { قيل يا نوح اهبط بسلام منا وبركات عليك وعلى أمم ممن معك وأمم سنمتعهم ثم يمسهم منا عذاب أليم } إلى قوله : { فاصبر إن العاقبة للمتقين } . وقال : [ ص: 164 ] { فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم واتقوا الله واعلموا أن الله مع المتقين } .

والفرقان : أن يحمد من ذلك ما حمده الله ورسوله ; فإن الله تعالى هو الذي حمده زين وذمه شين ; دون غيره من الشعراء والخطباء وغيرهم ; ولهذا لما قال القائل من بني تميم للنبي صلى الله عليه وسلم إن حمدي زين وذمي شين قال له : " ذاك الله " .

والله سبحانه حمد الشجاعة والسماحة في سبيله ; كما في الصحيح عن { أبي موسى قال : قيل : يا رسول الله الرجل يقاتل شجاعة ; ويقاتل حمية ; ويقاتل رياء فأي ذلك في سبيل الله ؟ فقال : من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله } . وقد قال سبحانه : { وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله } وذلك أن هذا هو المقصود الذي خلق الخلق له ; كما قال تعالى : { وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون } فكل ما كان لأجل الغاية التي خلق لها الخلق كان محمودا عند الله وهو الذي يبقى لصاحبه وهذه الأعمال الصالحات .

ولهذا كان الناس أربعة أصناف : من يعمل لله بشجاعة وسماحة ; فهؤلاء هم المؤمنون المستحقون للجنة . ومن يعمل لغير الله بشجاعة وسماحة ; [ ص: 165 ] فهذا ينتفع بذلك في الدنيا وليس له في الآخرة من خلاق . ومن يعمل لله لكن لا بشجاعة ولا سماحة ; فهذا فيه من النفاق ونقص الإيمان بقدر ذلك . ومن لا يعمل لله وليس فيه شجاعة ولا سماحة ; فهذا ليس له دنيا ولا آخرة .

فهذه الأخلاق والأفعال يحتاج إليها المؤمن عموما وخصوصا في أوقات المحن والفتن الشديدة ; فإنهم يحتاجون إلى صلاح نفوسهم ودفع الذنوب عن نفوسهم عند المقتضي للفتنة عندهم ويحتاجون أيضا إلى أمر غيرهم ونهيه بحسب قدرتهم وكل من هذين الأمرين فيه من الصعوبة ما فيه ; وإن كان يسيرا على من يسره الله عليه . وهذا لأن الله أمر المؤمنين بالإيمان والعمل الصالح وأمرهم بدعوة الناس وجهادهم على الإيمان والعمل الصالح ; كما قال الله تعالى : { ولينصرن الله من ينصره إن الله لقوي عزيز } { الذين إن مكناهم في الأرض أقاموا الصلاة وآتوا الزكاة وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر ولله عاقبة الأمور } . وكما قال : { إنا لننصر رسلنا والذين آمنوا في الحياة الدنيا ويوم يقوم الأشهاد } وكما قال : { كتب الله لأغلبن أنا ورسلي إن الله قوي عزيز } . وكما قال : { وإن جندنا لهم الغالبون } .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث