الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب

[ ص: 468 ] وسئل شيخ الإسلام تقي الدين عمن يزعمون أنهم يؤمنون بالله عز وجل وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر ويعتقدون أن الإمام الحق بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم هو علي بن أبي طالب وأن رسول الله صلى الله عليه وسلم نص على إمامته وأن الصحابة ظلموه ومنعوه حقه وأنهم كفروا بذلك . فهل يجب قتالهم ؟ ويكفرون بهذا الاعتقاد أم لا ؟ .

التالي السابق


ومعلوم أنه كلما ظهر نور النبوة كانت البدعة المخالفة أضعف فلهذا كانت البدعة الأولى أخف من الثانية والمستأخرة تتضمن من جنس ما تضمنته الأولى وزيادة عليها . كما أن السنة كلما كان أصلها أقرب إلى النبي صلى الله عليه وسلم كانت أفضل . فالسنن ضد البدع فكل ما قرب منه صلى الله عليه وسلم مثل سيرة أبي بكر وعمر كان أفضل مما [ ص: 490 ] تأخر كسيرة عثمان وعلي والبدع بالضد كل ما بعد عنه كان شرا مما قرب منه وأقربها من زمنه الخوارج . فإن التكلم ببدعتهم ظهر في زمانه ; ولكن لم يجتمعوا وتصير لهم قوة إلا في خلافة أمير المؤمنين علي رضي الله عنه .

ثم ظهر في زمن علي التكلم بالرفض ; لكن لم يجتمعوا ويصير لهم قوة إلا بعد مقتل الحسين رضي الله عنه بل لم يظهر اسم الرفض إلا حين خروج زيد بن علي بن الحسين بعد المائة الأولى لما أظهر الترحم على أبي بكر وعمر رضي الله عنهما رفضته الرافضة فسموا " رافضة " واعتقدوا أن أبا جعفر هو الإمام المعصوم . واتبعه آخرون فسموا " زيدية " نسبة إليه .

ثم في أواخر عصر الصحابة نبغ التكلم ببدعة القدرية والمرجئة فردها بقايا الصحابة ; كابن عمر وابن عباس وجابر بن عبد الله وأبي سعيد وواثلة بن الأسقع وغيرهم ; ولم يصر لهم سلطان واجتماع حتى كثرت المعتزلة والمرجئة بعد ذلك .

ثم في أواخر عصر التابعين ظهر التكلم ببدعة الجهمية نفاة الصفات ولم يكن لهم اجتماع وسلطان إلا بعد المائة الثانية في إمارة أبى العباس الملقب بالمأمون ; فإنه أظهر التجهم وامتحن الناس عليه وعرب كتب [ ص: 491 ] الأعاجم : من الروم واليونانيين وغيرهم . وفي زمنه ظهرت " الخرمية " . وهم زنادقة منافقون يظهرون الإسلام وتفرعوا بعد ذلك إلى القرامطة والباطنية والإسماعيلية . وأكثر هؤلاء ينتحلون الرفض في الظاهر . وصارت الرافضة الإمامية في زمن بني بويه بعد المائة الثالثة فيهم عامة هذه الأهواء المضلة : فيهم الخروج والرفض والقدر والتجهم .

وإذا تأمل العالم ما ناقضوه من نصوص الكتاب والسنة لم يجد أحدا يحصيه إلا الله . فهذا كله يبين أن فيهم ما في الخوارج الحرورية وزيادات .

وأيضا فإن الخوارج الحرورية كانوا ينتحلون اتباع القرآن بآرائهم ويدعون اتباع السنن التي يزعمون أنها تخالف القرآن . والرافضة تنتحل اتباع أهل البيت وتزعم أن فيهم المعصوم الذي لا يخفى عليه شيء من العلم ولا يخطئ . لا عمدا ولا سهوا ولا رشدا . واتباع القرآن واجب على الأمة ; بل هو أصل الإيمان وهدى الله الذي بعث به رسوله وكذلك أهل بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم تجب محبتهم " وموالاتهم ورعاية حقهم . وهذان الثقلان اللذان وصى بهما رسول الله صلى الله عليه وسلم . فروىمسلم في صحيحه عن { زيد بن أرقم قال : خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بغدير يدعى خما بين مكة والمدينة فقال : يا أيها الناس ; إني تارك فيكم الثقلين } - وفي رواية { أحدهما أعظم من الآخر - كتاب الله فيه الهدى [ ص: 492 ] والنور } فرغب في كتاب الله " وفي رواية : { هو حبل الله من اتبعه كان على الهدى ومن تركه كان على الضلالة وعترتي أهل بيتي . أذكركم الله في أهل بيتي أذكركم الله في أهل بيتي أذكركم الله في أهل بيتي } . فقيل لزيد بن أرقم : من أهل بيته ؟ قال : أهل بيته من حرم الصدقة : آل العباس وآل علي وآل جعفر وآل عقيل .

والنصوص الدالة على اتباع القرآن أعظم من أن تذكر هنا . وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم من وجوه حسان أنه قال عن أهل بيته : { والذي نفسي بيده لا يدخلون الجنة حتى يحبوكم من أجلي } وقد أمرنا الله بالصلاة على آل محمد وطهرهم من الصدقة التي هي أوساخ الناس وجعل لهم حقا في الخمس والفيء وقال صلى الله عليه وسلم فيما ثبت في الصحيح : { إن الله اصطفى بني إسماعيل واصطفى كنانة من بني إسماعيل واصطفى قريشا من كنانة واصطفى بني هاشم من قريش واصطفاني من بني هاشم فأنا خيركم نفسا وخيركم نسبا } . ولو ذكرنا ما روي في حقوق القرابة وحقوق الصحابة لطال الخطاب فإن دلائل هذا كثيرة من الكتاب والسنة .

ولهذا اتفق أهل السنة والجماعة على رعاية حقوق الصحابة والقرابة وتبرءوا من الناصبة الذين يكفرون علي بن أبي طالب ويفسقونه [ ص: 493 ] وينتقصون بحرمة أهل البيت ; مثل من كان يعاديهم على الملك أو يعرض عن حقوقهم الواجبة أو يغلو في تعظيم يزيد بن معاوية بغير الحق . وتبرءوا من الرافضة الذين يطعنون على الصحابة وجمهور المؤمنين ; ويكفرون عامة صالحي أهل القبلة . وهم يعلمون أن هؤلاء أعظم ذنبا وضلالا من أولئك كما ذكرنا من أن هؤلاء الرافضة المحاربين شر من الخوارج وكل من الطائفتين انتحلت إحدى الثقلين ; لكن القرآن أعظم .

فلهذا كانت الخوارج أقل ضلالا من الروافض ; مع أن كل واحدة من الطائفتين مخالفة لكتاب الله وسنة رسوله ومخالفة لصحابته وقرابته ومخالفون لسنة خلفائه الراشدين ولعترته أهل بيته .

وقد تنازع العلماء من أصحاب الإمام أحمد وغيرهم في إجماع الخلفاء وفي إجماع العترة هل هو حجة يجب اتباعها ؟ والصحيح أن كليهما حجة . فإن النبي صلى الله عليه وسلم قال : { عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ } وهذا حديث صحيح في السنن . وقال صلى الله عليه وسلم { إني تارك فيكم الثقلين : كتاب الله وعترتي وأنهما لن يفترقا حتى يردا على الحوض } رواه الترمذي وحسنه وفيه نظر . وكذلك إجماع أهل المدينة النبوية في زمن الخلفاء الراشدين هو بهذه المنزلة .

[ ص: 494 ] والمقصود هنا أن يتبين أن هؤلاء الطوائف المحاربين لجماعة المسلمين من الرافضة ونحوهم هم شر من الخوارج الذين نص النبي صلى الله عليه وسلم على قتالهم ورغب فيه . وهذا متفق عليه بين علماء الإسلام العارفين بحقيقته . ثم منهم من يرى أن لفظ الرسول صلى الله عليه وسلم شمل الجميع ومنهم من يرى أنهم دخلوا من باب التنبيه والفحوى أو من باب كونهم في معناهم . فإن الحديث روي بألفاظ متنوعة ففي الصحيحين - واللفظ للبخاري - عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه أنه قال : إذا حدثتكم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم حديثا فوالله لأن أخر من السماء أحب إلي من أن أكذب عليه و إذا حدثتكم فيما بيني وبينكم فإن الحرب خدعة وإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : { سيخرج قوم في آخر الزمان حداث الأسنان سفهاء الأحلام يقولون من خير قول البرية لا يجاوز إيمانهم حناجرهم يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية . فأينما لقيتموهم فاقتلوهم ; فإن في قتلهم أجرا لمن قتلهم يوم القيامة } . وفي صحيح مسلم : " عن زيد بن وهب أنه كان في الجيش الذين كانوا مع علي رضي الله عنه الذين ساروا إلى الخوارج . فقال علي : يا أيها الناس إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : { يخرج قوم من أمتي يقرءون القرآن ليس قراءتكم إلى قراءتهم بشيء ولا صلاتكم إلى صلاتهم بشيء ولا صيامكم إلى صيامهم بشيء . يقرءون القرآن يحسبون أنه لهم وهو عليهم [ ص: 495 ] لا تجاوز صلاتهم تراقيهم يمرقون من الإسلام كما يمرق السهم من الرمية . لو يعلم الجيش الذين يصيبونهم ما قضي لهم على لسان نبيهم لنكلوا عن العمل وآية ذلك أن فيهم رجلا له عضد ليس له ذراع على رأس عضده مثل حلمة الثدي عليه شعرات بيض } . والله إني لأرجو أن يكونوا هؤلاء القوم ; فإنهم قد سفكوا الدم الحرام وأغاروا في سرح الناس . فسيروا على اسم الله . وذكر الحديث إلى آخره .

وفي مسلم أيضا " عن عبد الله بن رافع كاتب علي رضي الله عنه أن الحرورية لما خرجت وهو مع علي قالوا : لا حكم إلا لله . فقال علي : كلمة حق أريد بها باطل . إن رسول الله صلى الله عليه وسلم وصف ناسا إني لأعرف صفتهم في هؤلاء يقولون الحق بألسنتهم لا يجاوز هذا منهم وأشار إلى حلقه من أبغض خلق الله إليه منهم رجل أسود إحدى يديه طبي شاة أو حلمة ثدي . فلما قتلهم علي بن طالب قال : انظروا . فنطروا فلم يجدوا شيئا . فقال : ارجعوا فوالله ما كذبت ولا كذبت - مرتين أو ثلاثا - ثم وجدوه في خربة فأتوا به حتى وضعوه بين يديه " .

وهذه العلامة التي ذكرها النبي صلى الله عليه وسلم هي علامة أول من يخرج منهم ليسوا مخصوصين بأولئك القوم . فإنه قد أخبر [ ص: 496 ] في غير هذا الحديث أنهم لا يزالون يخرجون إلى زمن الدجال . وقد اتفق المسلمون على أن الخوارج ليسوا مختصين بذلك العسكر .

وأيضا فالصفات التي وصفها تعم غير ذلك العسكر ; ولهذا كان الصحابة يروون الحديث مطلقا مثل ما في الصحيحين عن أبي سلمة وعطاء بن يسار : أنهما أتيا أبا سعيد فسألاه عن الحرورية : هل سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يذكرها ؟ قال : لا أدري ; ولكن رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : { يخرج في هذه الأمة - ولم يقل منها - قوم تحقرون صلاتكم مع صلاتهم يقرءون القرآن لا يجاوز حناجرهم أو حلوقهم يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية فينظر الرامي إلى سهمه إلى نصله إلى رصافه : فيتمارى في الفوقة هل علق بها شيء من الدم } اللفظ لمسلم . وفي الصحيحين أيضا عن أبي سعيد قال : { بينما النبي صلى الله عليه وسلم يقسم جاء عبد الله ذو الخويصرة التميمي - وفي رواية أتاه ذو الخويصرة رجل من بني تميم - فقال : اعدل يا رسول الله . فقال : ويلك من يعدل إذا لم أعدل قد خبت وخسرت إن لم أكن أعدل قال عمر بن الخطاب : ائذن لي فأضرب عنقه . قال : دعه فإن له أصحابا يحقر أحدكم صلاته مع صلاتهم وصيامه مع صيامهم يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية ينظر إلى نصله فلا يوجد فيه شيء [ ص: 497 ] ثم ينظر إلى رصافه فلا يوجد فيه شيء ثم ينظر إلى نضيه - وهو قدحه - فلا يوجد فيه شيء ثم ينظر إلى قذذه فلا يوجد فيه شيء . قد سبق الفرث والدم } . وذكر ما في الحديث .

فهؤلاء أصل ضلالهم : اعتقادهم في أئمة الهدى وجماعة المسلمين أنهم خارجون عن العدل وأنهم ضالون وهذا مأخذ الخارجين عن السنة من الرافضة ونحوهم ثم يعدون ما يرون أنه ظلم عندهم كفرا . ثم يرتبون على الكفر أحكاما ابتدعوها .

فهذه ثلاث مقامات للمارقين من الحرورية والرافضة ونحوهم . في كل مقام تركوا بعض أصول دين الإسلام حتى مرقوا منه كما مرق السهم من الرمية وفي الصحيحين في حديث أبي سعيد : { يقتلون أهل الإسلام ويدعون أهل الأوثان ; لئن أدركتهم لأقتلهم قتل عاد } وهذا نعت سائر الخارجين كالرافضة ونحوهم ; فإنهم يستحلون دماء أهل القبلة لاعتقادهم أنهم مرتدون أكثر مما يستحلون من دماء الكفار الذين ليسوا مرتدين ; لأن المرتد شر من غيره . وفي حديث أبي سعيد : أن { النبي صلى الله عليه وسلم ذكر قوما يكونون في أمته : يخرجون في فرقة من الناس سيماهم التحليق . قال : هم شر الخلق أو من شر الخلق تقتلهم أدنى الطائفتين إلى الحق } وهذه السيما سيما أولهم كما كان ذو الثدية ; لأن هذا وصف لازم لهم .

[ ص: 498 ] وأخرجا في الصحيحين حديثهم من حديث سهل بن حنيف بهذا المعنى ورواه البخاري من حديث عبد الله بن عمر ورواه مسلم من حديث أبي ذر ورافع بن عمرو وجابر بن عبد الله وغيرهم وروى النسائي { عن أبي برزة أنه قيل له : هل سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يذكر الخوارج ؟ قال : نعم . سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم بأذني ورأيته بعيني : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أتي بمال فقسمه فأعطى من عن يمينه ومن عن شماله ; ولم يعط من وراءه شيئا . فقام رجل من ورائه فقال : يا محمد ; ما عدلت في القسمة - رجل أسود مطموم الشعر عليه ثوبان أبيضان - فغضب رسول الله صلى الله عليه وسلم غضبا شديدا وقال له : والله لا تجدون بعدي رجلا هو أعدل مني ثم قال : يخرج في آخر الزمان قوم كأن هذا منهم يقرءون القرآن لا يجاوز تراقيهم يمرقون من الإسلام كما يمرق السهم من الرمية سيماهم التحليق لا يزالون يخرجون حتى يخرج آخرهم مع الدجال . فإذا لقيتموهم فاقتلوهم . هم شر الخلق والخليقة } وفي صحيح مسلم عن عبد الله بن الصامت عن أبي ذر قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم { إن بعدي من أمتي - أو سيكون بعدي من أمتي - قوم يقرءون القرآن لا يجاوز حلاقيمهم يخرجون من الدين كما يخرج السهم من الرمية ثم لا يعودون فيه هم شر الخلق والخليقة } . قال ابن الصامت : فلقيت [ ص: 499 ] رافع بن عمرو الغفاري أخا الحكم بن عمرو الغفاري قلت : ما حديث سمعته من أبي ذر كذا وكذا ؟ فذكرت له الحديث فقال : وأنا سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم .

فهذه المعاني موجودة في أولئك القوم الذين قتلهم علي رضي الله عنه وفي غيرهم . وإنما قولنا : إن عليا قاتل الخوارج بأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم مثل ما يقال : إن النبي صلى الله عليه وسلم قاتل الكفار أي قاتل جنس الكفار وإن كان الكفر أنواعا مختلفة . وكذلك الشرك أنواع مختلفة وإن لم يكن الآلهة التي كانت العرب تعبدها هي التي تعبدها الهند والصين والترك ; لكن يجمعهم لفظ الشرك ومعناه .

وكذلك الخروج والمروق يتناول كل من كان في معنى أولئك ويجب قتالهم بأمر النبي صلى الله عليه وسلم كما وجب قتال أولئك . وإن كان الخروج عن الدين والإسلام أنواعا مختلفة وقد بينا أن خروج الرافضة ومروقهم أعظم بكثير .

تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث