الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


وقوله : { من تقرب إلي شبرا تقربت إليه ذراعا ومن تقرب إلي ذراعا [ ص: 240 ] تقربت إليه باعا ومن أتاني يمشي أتيته هرولة } فقرب الشيء من الشيء مستلزم لقرب الآخر منه لكن قد يكون قرب الثاني هو اللازم من قرب الأول ويكون منه أيضا قرب بنفسه فالأول كمن تقرب إلى مكة أو حائط الكعبة فكلما قرب منه قرب الآخر منه من غير أن يكون منه فعل والثاني كقرب الإنسان إلى من يتقرب هو إليه كما تقدم في هذا الأثر الإلهي فتقرب العبد إلى الله وتقريبه له نطقت به نصوص متعددة مثل قوله : { أولئك الذين يدعون يبتغون إلى ربهم الوسيلة أيهم أقرب } { فأما إن كان من المقربين } { عينا يشرب بها المقربون } { ولا الملائكة المقربون } { ومن المقربين } { وما تقرب إلي عبدي بمثل أداء ما افترضته عليه } الحديث .

وفي الحديث { أقرب ما يكون العبد من ربه في جوف الليل الآخر } . وقد بسطنا الكلام على هذه الأحاديث ومقالات الناس في هذا المعنى في " جواب الأسئلة المصرية على الفتيا الحموية " فهذا قرب الرب نفسه إلى عبده وهو مثل نزوله إلى السماء الدنيا . وفي الحديث الصحيح : { إن الله يدنو عشية عرفة } الحديث فهذا القرب كله خاص وليس في الكتاب والسنة قط قرب ذاته من جميع المخلوقات في كل حال ; فعلم بذلك بطلان قول الحلولية ; فإنهم عمدوا إلى الخاص المقيد فجعلوه عاما مطلقا كما جعل إخوانهم " الاتحادية " ذلك في مثل قوله : { كنت سمعه } وفي قوله : { فيأتيهم في صورة غير صورته } وإن الله قال على لسان نبيه : { سمع الله لمن حمده } .

[ ص: 241 ] وكل هذه النصوص حجة عليهم ; فإذا فصل تبين ذلك ; فالداعي والساجد يوجه روحه إلى الله والروح لها عروج يناسبها فتقرب من الله تعالى بلا ريب بحسب تخلصها من الشوائب فيكون الله عز وجل منها قريبا قربا يلزم من قربها ويكون منه قرب آخر كقربه عشية عرفة وفي جوف الليل وإلى من تقرب منه شبرا تقرب منه ذراعا وفي الزهد لأحمد عن عمران القصير { أن موسى عليه السلام قال : يا رب أين أبغيك ؟ قال : ابغني عند المنكسرة قلوبهم إني أدنو منهم كل يوم باعا لولا ذلك لانهدموا } فقد يشبه هذا قوله : { قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين } إلى آخره . وظاهر قوله : { فإني قريب } يدل على أن القرب نعته ليس هو مجرد ما يلزم من قرب الداعي والساجد ودنوه عشية عرفة هو لما يفعله الحاج ليلتئذ من الدعاء والذكر والتوبة ; وإلا فلو قدر أن أحدا لم يقف بعرفة لم يحصل منه سبحانه ذلك الدنو إليهم . فإنه يباهي الملائكة بأهل عرفة فإذا قدر أنه ليس هناك أحد لم يحصل ; فدل ذلك على قربه منهم بسبب تقربهم إليه كما دل عليه الحديث الآخر .

والناس في آخر الليل يكون في قلوبهم من التوجه والتقرب والرقة ما لا يوجد في غير ذلك الوقت وهذا مناسب لنزوله إلى السماء الدنيا وقوله : { هل من داع ؟ هل من سائل ؟ هل من تائب } . ثم إن هذا النزول هل هو كدنوه عشية عرفة معلق بأفعال ؟ فإن في بلاد [ ص: 242 ] الكفر ليس فيهم من يقوم الليل فلا يحصل لهم هذا النزول كما أن دنوه عشية عرفة لا يحصل لغير الحجاج في سائر البلاد ; إذ ليس لها وقوف مشروع ولا مباهاة الملائكة وكما أن تفتيح أبواب الجنة وتغليق أبواب النار وتصفيد الشياطين إذا دخل شهر رمضان - إنما هو للمسلمين الذين يصومونه لا الكفار الذين لا يرون له حرمة . وكذلك اطلاعه يوم بدر وقوله لهم : { اعملوا ما شئتم } كان مختصا بأولئك أم هو عام ؟ فيه كلام ليس هذا موضعه .

والكلام في هذا " القرب " من جنس الكلام في نزوله كل ليلة ودنوه عشية عرفة وتكليمه لموسى من الشجرة وقوله { أن بورك من في النار ومن حولها } وقد بسط الكلام على هذا في غير هذا الموضع وذكرنا ما قاله السلف في ذلك : كحماد بن زيد وإسحاق وغيرهما من أنه ينزل إلى السماء الدنيا ولا يخلو منه العرش وبينا أن هذا هو الصواب وإن كان طائفة ممن يدعي السنة يظن خلو العرش منه وقد صنف أبو القاسم عبد الرحمن بن منده في ذلك مصنفا وزيف قول من قال : إنه ينزل ولا يخلو منه العرش وضعف ما نقل في ذلك عن أحمد في رسالة مسدد وقال : إنها مكذوبة على أحمد وتكلم على راويها البردعي أحمد بن محمد وقال : إنه مجهول لا يعرف في أصحاب أحمد . " وطائفة " تقف لا تقول يخلو ولا لا يخلو وتنكر على من يقول ذلك [ ص: 243 ] منهم الحافظ عبد الغني المقدسي . وأما من يتوهم أن السموات تنفرج ثم تلتحم فهذا من أعظم الجهل ; وإن وقع فيه طائفة من الرجال . وأما من لا يعتقد أن الله فوق العرش فهو لا يعتقد نزوله : لا بخلو ولا بغير خلو وقال بعض أكابرهم لبعض المثبتين : ينزل أمره . فقال : من عند من ينزل ؟ أنت ليس عندك هناك أحد ; أثبت أنه هناك ثم قل : ينزل أمره . وهذا نظير قول إسحاق بن راهويه بحضرة الأمير عبد الله بن طاهر .

والصواب قول السلف : أنه ينزل ولا يخلو منه العرش وروح العبد في بدنه لا تزال ليلا ونهارا إلى أن يموت ووقت النوم تعرج وقد تسجد تحت العرش وهي لم تفارق جسده وكذلك { أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد } وروحه في بدنه وأحكام الأرواح مخالف لأحكام الأبدان ; فكيف بالملائكة ؟ فكيف برب العالمين ؟ . والليل يختلف فيكون - ثلثه بالمشرق قبل أن يكون ثلثه بالمغرب ونزوله الذي أخبر به رسوله إلى سماء هؤلاء في ثلث ليلهم وإلى سماء هؤلاء في ثلث ليلهم لا يشغله شأن عن شأن وكذلك قربه من الداعي المتقرب إليه والساجد لكل واحد بحسبه حيث كان وأين كان والرجلان يسجدان في موضع واحد ولكل واحد قرب يخصه لا يشركه فيه الآخر . [ ص: 244 ] والنصوص الواردة فيها الهدى والشفاء والذي بلغها بلاغا مبينا هو أعلم الخلق بربه وأنصحهم لخلقه وأحسنهم بيانا ; وأعظمهم بلاغا ; فلا يمكن أحدا أن يعلم ويقول : مثل ما علمه الرسول ، وقاله .

وكل من من الله عليه ببصيرة في قلبه تكون معه معرفة بهذا ; ثم قال تعالى : { ويرى الذين أوتوا العلم الذي أنزل إليك من ربك هو الحق ويهدي إلى صراط العزيز الحميد } وقال في ضدهم : { والذين كذبوا بآياتنا صم وبكم في الظلمات من يشأ الله يضلله ومن يشأ يجعله على صراط مستقيم } . وقوله تعالى { والظاهر } ضمن معنى العالي كما قال : { فما اسطاعوا أن يظهروه } ويقال : ظهر الخطيب على المنبر وظاهر الثوب أعلاه بخلاف بطانته . وكذلك ظاهر البيت أعلاه وظاهر القول ما ظهر منه وبان وظاهر الإنسان خلاف باطنه فكلما علا الشيء ظهر ; ولهذا قال : { أنت الظاهر فليس فوقك شيء } فأثبت الظهور وجعل موجب الظهور أنه ليس فوقه شيء ولم يقل ليس شيء أبين منك ولا أعرف . وبهذا تبين خطأ من فسر ( الظاهر ) بأنه المعروف كما يقوله من يقول الظاهر بالدليل الباطن بالحجاب كما في كلام أبي الفرج وغيره فلم يذكر مراد الله ورسوله وإن كان الذي ذكره له معنى صحيح وقال : { أنت الباطن فليس دونك شيء } فيهما معنى الإضافة لا بد أن يكون البطون والظهور لمن [ ص: 245 ] يظهر ويبطن وإن كان فيهما معنى التجلي والخفاء ومعنى آخر كالعلو في الظهور فإنه سبحانه لا يوصف بالسفول .

وقد بسطنا هذا في الإحاطة لكن إنما يظهر من الجهة العالية علينا فهو يظهر علما بالقلوب وقصدا له ومعاينة إذا رئي يوم القيامة وهو باد عال ليس فوقه شيء ومن جهة أخرى يبطن فلا يقصد منها ولا يشهد وإن لم يكن شيء أدنى منه ; فإنه من ورائهم محيط فلا شيء دونه سبحانه .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث