الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


[ ص: 264 ] حكاية مناظرة في الجهة والتحيز صورة ما طلب من الشيخ تقي الدين ابن تيمية - رحمه الله ورضي عنه - حين جيء به من دمشق على البريد واعتقل بالجب بقلعة الجبل بعد عقد المجلس بدار النيابة وكان وصوله يوم الخميس السادس والعشرين من شهر رمضان وعقد المجلس يوم الجمعة السابع والعشرين منه بعد صلاة الجمعة وفيه اعتقل رحمة الله عليه . وصورة ما طلب منه أن يعتقد نفي الجهة عن الله والتحيز ; وأن لا يقول : إن كلام الله حرف وصوت قائم به ; بل هو معنى قائم بذاته ; وأنه سبحانه وتعالى لا يشار إليه بالأصابع إشارة حسية ويطلب منه أن لا يتعرض لأحاديث الصفات وآياتها عند العوام ولا يكتب بها إلى البلاد ولا في الفتاوى المتعلقة بها .

التالي السابق


فأجاب عن ذلك : أما قول القائل : يطلب منه أن يعتقد نفي الجهة عن الله والتحيز : فليس في كلامي إثبات هذا اللفظ لأن إطلاق هذا اللفظ نفيا بدعة وأنا لم أقل إلا ما جاء به الكتاب والسنة واتفق عليه الأمة . فإن أراد قائل هذا القول : أنه ليس فوق السموات رب ولا فوق العرش [ ص: 265 ] إله وأن محمدا لم يعرج به إلى ربه وما فوق العالم إلا العدم المحض ; فهذا باطل مخالف لإجماع سلف الأمة . وإن أراد بذلك أن الله لا تحيط به مخلوقاته ولا يكون في جوف الموجودات فهذا مذكور مصرح به في كلامي ; فإني قائله فما الفائدة في تجديده ؟

. وأما قول القائل : لا يقول إن كلام الله حرف وصوت قائم به ; بل هو معنى قائم بذاته : فليس في كلامي هذا أيضا ولا قلته قط ; بل قول القائل : إن القرآن حرف وصوت قائم به بدعة وقوله معنى قائم بذاته : بدعة لم يقل أحد من السلف لا هذا ولا هذا وأنا ليس في كلامي شيء من البدع ; بل في كلامي ما أجمع عليه السلف أن القرآن كلام الله غير مخلوق . وأما قول القائل : لا يشار إليه بالأصابع إشارة حسية فليس هذا اللفظ في كلامي ; بل في كلامي إنكار ما ابتدعه المبتدعون من الألفاظ النافية مثل قوله إنه لا يشار إليه فإن هذا النفي أيضا بدعة . فإن أراد القائل أنه لا يشار إليه من أن الله ليس محصورا في المخلوقات وغير ذلك من المعاني الصحيحة : فهذا حق ; وإن أراد أن من دعا الله لا يرفع إليه يديه ; فهذا خلاف ما تواترت به السنن عن النبي صلى الله عليه وسلم وما فطر الله عليه عباده من رفع الأيدي إلى الله في الدعاء . وقال النبي صلى الله عليه وسلم { إن الله يستحي من عبده إذا رفع يديه أن يردهما صفرا } . [ ص: 266 ] وإذا سمى المسمي ذلك إشارة حسية وقال : إنه لا يجوز . لم يقبل ذلك منه .

وأما قول القائل : لا يتعرض لأحاديث الصفات وآياتها عند العوام : فأنا ما فاتحت عاميا في شيء من ذلك قط . وأما الجواب بما بعث الله به رسوله للمسترشد المستهدي ; فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم { من سئل عن علم يعلمه فكتمه ألجمه الله يوم القيامة بلجام من نار } . وقال تعالى : { إن الذين يكتمون ما أنزلنا من البينات والهدى من بعد ما بيناه للناس في الكتاب أولئك يلعنهم الله ويلعنهم اللاعنون } . ولا يؤمر العالم بما يوجب لعنة الله عليه والله أعلم . والحمد لله رب العالمين .



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث