الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

فصل أحاديث تنازع الناس في صحتها نفيت فيها العبادة لأجل ترك واجب فيها

بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب

والمقصود هنا أنه ينبغي للمسلم أن يقدر قدر كلام الله ورسوله ; بل ليس لأحد أن يحمل كلام أحد من الناس إلا على ما عرف أنه أراده لا على ما يحتمله ذلك اللفظ في كلام كل أحد فإن كثيرا من الناس يتأول النصوص المخالفة لقوله ; يسلك مسلك من يجعل " التأويل " كأنه ذكر ما يحتمله اللفظ وقصده به دفع ذلك المحتج عليه بذلك النص وهذا خطأ ; بل جميع ما قاله الله ورسوله [ ص: 37 ] يجب الإيمان به . فليس لنا أن نؤمن ببعض الكتاب ونكفر ببعض ، وليس الاعتناء بمراده في أحد النصين دون الآخر بأولى من العكس ، فإذا كان النص الذي وافقه يعتقد أنه اتبع فيه مراد الرسول ; فكذلك النص الآخر الذي تأوله فيكون أصل مقصوده معرفة ما أراده الرسول بكلامه ; وهذا هو المقصود بكل ما يجوز من تفسير وتأويل عند من يكون اصطلاحه تغاير معناهما . وأما من يجعلهما بمعنى واحد كما هو الغالب على اصطلاح المفسرين ; فالتأويل عندهم هو التفسير . وأما " التأويل " في كلام الله ورسوله ; فله معنى ثالث غير معناه في اصطلاح المفسرين . وغير معناه في اصطلاح متأخري الفقهاء والأصوليين ; كما بسط في موضعه . والمقصود هنا أن كل ما نفاه الله ورسوله من مسمى أسماء الأمور الواجبة كاسم الإيمان والإسلام والدين والصلاة والصيام والطهارة والحج وغير ذلك ; فإنما يكون لترك واجب من ذلك المسمى ومن هذا قوله تعالى { فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما } فلما نفى الإيمان حتى توجد هذه الغاية دل على أن هذه الغاية فرض على الناس ; فمن تركها كان من أهل الوعيد لم يكن قد أتى بالإيمان الواجب الذي وعد أهله بدخول الجنة بلا عذاب ، فإن الله إنما وعد بذلك من فعل ما أمر به وأما من فعل بعض الواجبات وترك بعضها ; فهو معرض للوعيد .

ومعلوم باتفاق المسلمين أنه يجب " تحكيم الرسول " في كل ما شجر بين [ ص: 38 ] الناس في أمر دينهم ودنياهم في أصول دينهم وفروعه وعليهم كلهم إذا حكم بشيء ألا يجدوا في أنفسهم حرجا مما حكم ويسلموا تسليما . قال تعالى : { ألم تر إلى الذين يزعمون أنهم آمنوا بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت وقد أمروا أن يكفروا به ويريد الشيطان أن يضلهم ضلالا بعيدا } { وإذا قيل لهم تعالوا إلى ما أنزل الله وإلى الرسول رأيت المنافقين يصدون عنك صدودا } . وقوله : { إلى ما أنزل الله } وقد أنزل الله الكتاب والحكمة وهي السنة قال تعالى : { واذكروا نعمة الله عليكم وما أنزل عليكم من الكتاب والحكمة يعظكم به } . وقال تعالى : { وأنزل الله عليك الكتاب والحكمة وعلمك ما لم تكن تعلم وكان فضل الله عليك عظيما } . والدعاء إلى ما أنزل يستلزم الدعاء إلى الرسول ، والدعاء إلى الرسول يستلزم الدعاء إلى ما أنزله الله ، وهذا مثل طاعة الله والرسول ; فإنهما متلازمان فمن يطع الرسول فقد أطاع الله ومن أطاع الله فقد أطاع الرسول . وكذلك قوله تعالى { ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى ويتبع غير سبيل المؤمنين } . فإنهما متلازمان ; فكل من شاق الرسول من بعد ما تبين له الهدى فقد اتبع غير سبيل المؤمنين وكل من اتبع غير سبيل المؤمنين فقد شاق الرسول من بعد ما تبين له الهدى . فإن كان يظن أنه متبع سبيل المؤمنين وهو مخطئ ; فهو بمنزلة من ظن أنه متبع للرسول وهو مخطئ .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث