الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

فصل من قال إن تنوع دلالة اللفظ بالإطلاق والتقييد لا يمكن دفعه

وإن قال القائل : القرائن اللفظية موضوعة ودلالتها على المعنى حقيقة ، لكن القرائن الحالية مجاز ; قيل : اللفظ لا يستعمل قط إلا مقيدا بقيود لفظية موضوعة ; والحال حال المتكلم والمستمع لا بد من اعتباره في جميع الكلام [ ص: 115 ] فإنه إذا عرف المتكلم فهم من معنى كلامه ما لا يفهم إذا لم يعرف لأنه بذلك يعرف عادته في خطابه ، واللفظ إنما يدل إذا عرف لغة المتكلم التي بها يتكلم وهي عادته وعرفه التي يعتادها في خطابه ، ودلالة اللفظ على المعنى دلالة قصدية إرادية اختيارية ، فالمتكلم يريد دلالة اللفظ على المعنى ; فإذا اعتاد أن يعبر باللفظ عن المعنى كانت تلك لغته ولهذا كل من كان له عناية بألفاظ الرسول ومراده بها : عرف عادته في خطابه وتبين له من مراده ما لا يتبين لغيره . ولهذا ينبغي أن يقصد إذا ذكر لفظ من القرآن والحديث أن يذكر نظائر ذلك اللفظ ; ماذا عنى بها الله ورسوله فيعرف بذلك لغة القرآن والحديث وسنة الله ورسوله التي يخاطب بها عباده وهي العادة المعروفة من كلامه ثم إذا كان لذلك نظائر في كلام غيره وكانت النظائر كثيرة ; عرف أن تلك العادة واللغة مشتركة عامة لا يختص بها هو - صلى الله عليه وسلم - بل هي لغة قومه ولا يجوز أن يحمل كلامه على عادات حدثت بعده في الخطاب لم تكن معروفة في خطابه وخطاب أصحابه . كما يفعله كثير من الناس وقد لا يعرفون انتفاء ذلك في زمانه .

ولهذا كان استعمال القياس في اللغة وإن جاز في الاستعمال فإنه لا يجوز في الاستدلال فإنه قد يجوز للإنسان أن يستعمل هو اللفظ في نظير المعنى الذي استعملوه فيه مع بيان ذلك على ما فيه من النزاع ; لكن لا يجوز أن يعمد إلى ألفاظ قد عرف استعمالها في معان فيحملها على غير تلك المعاني ويقول : إنهم أرادوا تلك بالقياس على تلك ; بل هذا تبديل وتحريف [ ص: 116 ] فإذا قال : { الجار أحق بسقبه } فالجار هو الجار ليس هو الشريك ; فإن هذا لا يعرف في لغتهم ; لكن ليس في اللفظ ما يقتضي أنه يستحق الشفعة ; لكن يدل على أن البيع له أولى . وأما " الخمر " فقد ثبت بالنصوص الكثيرة والنقول الصحيحة أنها كانت اسما لكل مسكر ، لم يسم النبيذ خمرا بالقياس . وكذلك " النباش " كانوا يسمونه سارقا كما قالت عائشة : سارق موتانا كسارق أحيانا . واللائط عندهم كان أغلظ من الزاني بالمرأة . ولا بد في تفسير القرآن والحديث من أن يعرف ما يدل على مراد الله ورسوله من الألفاظ وكيف يفهم كلامه ، فمعرفة العربية التي خوطبنا بها مما يعين على أن نفقه مراد الله ورسوله بكلامه ، وكذلك معرفة دلالة الألفاظ على المعاني ; فإن عامة ضلال أهل البدع كان بهذا السبب ; فإنهم صاروا يحملون كلام الله ورسوله على ما يدعون أنه دال عليه ولا يكون الأمر كذلك ويجعلون هذه الدلالة حقيقة ، وهذه مجازا ، كما أخطأ المرجئة في اسم " الإيمان " جعلوا لفظ " الإيمان " حقيقة في مجرد التصديق وتناوله للأعمال مجازا . فيقال : إن لم يصح التقسيم إلى حقيقة ومجاز فلا حاجة إلى هذا وإن صح فهذا لا ينفعكم . بل هو عليكم لا لكم ; لأن الحقيقة هي اللفظ الذي يدل بإطلاقه بلا قرينة والمجاز إنما يدل بقرينة . وقد تبين أن لفظ الإيمان حيث أطلق في الكتاب والسنة دخلت فيه الأعمال وإنما يدعي خروجها منه [ ص: 117 ] عند التقييد ; وهذا يدل على أن الحقيقة قوله . " { الإيمان بضع وسبعون شعبة } " . وأما حديث جبريل فإن كان أراد بالإيمان ما ذكر مع الإسلام . فهو كذلك .

وهذا هو المعنى الذي أراد النبي صلى الله عليه وسلم قطعا . كما أنه لما ذكر الإحسان أراد الإحسان مع الإيمان والإسلام ; لم يرد أن الإحسان مجرد عن إيمان وإسلام . ولو قدر أنه أريد بلفظ " الإيمان " مجرد التصديق ; فلم يقع ذلك إلا مع قرينة فيلزم أن يكون مجازا وهذا معلوم بالضرورة لا يمكننا المنازعة فيه بعد تدبر القرآن والحديث بخلاف كون لفظ " الإيمان " في اللغة مرادفا للتصديق ودعوى أن الشارع لم يغيره ولم ينقله ; بل أراد به ما كان يريده أهل اللغة بلا تخصيص ولا تقييد ; فإن هاتين المقدمتين لا يمكن الجزم بواحدة منهما ، فلا يعارض اليقين ، كيف وقد عرف فساد كل واحدة من المقدمتين وأنها من أفسد الكلام . و " أيضا " فليس لفظ الإيمان في دلالته على الأعمال المأمور بها بدون لفظ الصلاة والصيام والزكاة والحج ; في دلالته على الصلاة الشرعية والصيام الشرعي ; والحج الشرعي ; سواء قيل : إن الشارع نقله ; أو أراد الحكم دون الاسم ; أو أراد الاسم وتصرف فيه تصرف أهل العرف ; أو خاطب بالاسم مقيدا لا مطلقا . فإن قيل : الصلاة والحج ونحوهما لو ترك بعضها بطلت بخلاف الإيمان [ ص: 118 ] فإنه لا يبطل عند الصحابة وأهل السنة والجماعة بمجرد الذنب ; قيل : إن أريد بالبطلان أنه لا تبرأ الذمة منها كلها ; فكذلك الإيمان الواجب إذا ترك منه شيئا لم تبرأ الذمة منه كله . وإن أريد به وجوب الإعادة فهذا ليس على الإطلاق . فإن في الحج واجبات إذا تركها لم يعد بل تجبر بدم ، وكذلك في الصلاة عند أكثر العلماء إذا تركها سهوا أو مطلقا وجبت الإعادة فإنما تجب إذا أمكنت الإعادة وإلا فما تعذرت إعادته يبقى مطالبا به كالجمعة ونحوها . وإن أريد بذلك أنه لا يثاب على ما فعله فليس كذلك بل قد بين النبي صلى الله عليه وسلم في حديث المسيء في صلاته أنه إذا لم يتمها يثاب على ما فعل ولا يكون بمنزلة من لم يصل .

وفي عدة أحاديث أن الفرائض تكمل يوم القيامة من النوافل ; فإذا كانت الفرائض مجبورة بثواب النوافل دل على أنه يعتد له بما فعل منها ; فكذلك الإيمان إذا ترك منه شيئا كان عليه فعله ; إن كان محرما تاب منه وإن كان واجبا فعله ; فإذا لم يفعله لم تبرأ ذمته منه وأثيب على ما فعله كسائر العبادات وقد دلت النصوص على أنه يخرج من النار من في قلبه مثقال ذرة من الإيمان . وقد عدلت " المرجئة " في هذا الأصل عن بيان الكتاب والسنة وأقوال الصحابة والتابعين لهم بإحسان واعتمدوا على رأيهم وعلى ما تأولوه بفهمهم اللغة ، وهذه طريقة أهل البدع ; ولهذا كان الإمام أحمد يقول : أكثر ما يخطئ الناس من جهة التأويل والقياس . [ ص: 119 ] ولهذا تجد المعتزلة والمرجئة والرافضة وغيرهم من أهل البدع يفسرون القرآن برأيهم ومعقولهم وما تأولوه من اللغة ; ولهذا تجدهم لا يعتمدون على أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم والصحابة والتابعين وأئمة المسلمين ; فلا يعتمدون لا على السنة ولا على إجماع السلف وآثارهم ; وإنما يعتمدون على العقل واللغة وتجدهم لا يعتمدون على كتب التفسير المأثورة والحديث ; وآثار السلف وإنما يعتمدون على كتب الأدب وكتب الكلام التي وضعتها رءوسهم وهذه طريقة الملاحدة أيضا ; إنما يأخذون ما في كتب الفلسفة وكتب الأدب واللغة وأما كتب القرآن والحديث والآثار ; فلا يلتفتون إليها . هؤلاء يعرضون عن نصوص الأنبياء إذ هي عندهم لا تفيد العلم وأولئك يتأولون القرآن برأيهم وفهمهم بلا آثار عن النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه وقد ذكرنا كلام أحمد وغيره في إنكار هذا وجعله طريقة أهل البدع . وإذا تدبرت حججهم وجدت دعاوى لا يقوم عليها دليل . والقاضي أبو بكر الباقلاني نصر قول جهم في " مسألة الإيمان " متابعة لأبي الحسن الأشعري وكذلك أكثر أصحابه . فأما أبو العباس القلانسي وأبو علي الثقفي وأبو عبد الله بن مجاهد شيخ القاضي أبي بكر وصاحب أبي الحسن - فإنهم نصروا مذهب السلف . وابن كلاب - نفسه - والحسين بن الفضل البجلي ونحوهما كانوا يقولون : هو التصديق والقول جميعا موافقة لمن قاله من فقهاء الكوفيين كحماد بن أبي سليمان ومن اتبعه مثل أبي حنيفة وغيره .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث