الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

فصل الاستثناء في الإيمان

وأما مذهب سلف أصحاب الحديث كابن مسعود وأصحابه والثوري [ ص: 439 ] وابن عيينة وأكثر علماء الكوفة ويحيى بن سعيد القطان فيما يرويه عن علماء أهل البصرة وأحمد بن حنبل وغيره من أئمة السنة فكانوا يستثنون في الإيمان . وهذا متواتر عنهم لكن ليس في هؤلاء من قال : أنا أستثني لأجل الموافاة وأن الإيمان إنما هو اسم لما يوافي به العبد ربه ; بل صرح أئمة هؤلاء بأن الاستثناء إنما هو لأن الإيمان يتضمن فعل الواجبات فلا يشهدون لأنفسهم بذلك كما لا يشهدون لها بالبر والتقوى ; فإن ذلك مما لا يعلمونه وهو تزكية لأنفسهم بلا علم ; كما سنذكر أقوالهم إن شاء الله في ذلك . وأما الموافاة ; فما علمت أحدا من السلف علل بها الاستثناء ولكن كثير من المتأخرين يعلل بها من أصحاب الحديث من أصحاب أحمد ومالك والشافعي وغيرهم ; كما يعلل بها نظارهم كأبي الحسن الأشعري وأكثر أصحابه لكن ليس هذا قول سلف أصحاب الحديث . ثم قال : فإن قال قائل : إذا قلتم إن الإيمان المأمور به في الشريعة هو ما وصفتموه بشرائطه وليس ذلك متلقى من اللغة فكيف يستقيم قولكم إن الإيمان لغوي ؟ قلنا الإيمان هو التصديق لغة وشرعا غير أن الشرع ضم إلى التصديق أوصافا وشرائط : مجموعها يصير مجزيا مقبولا كما قلنا في الصلاة والصوم والحج ونحوها والصلاة في اللغة : هي الدعاء غير أن الشرع ضم إليها شرائط . فيقال : هذا يناقض ما ذكروه في مسمى الإيمان فإنهم لما زعموا أنه في اللغة التصديق والشرع لم يغيره أوردوا على أنفسهم . [ ص: 440 ] فإن قيل : أليس الصلاة والحج والزكاة معدولة عن اللغة مستعملة في غير مذهب أهلها .

قلنا : قد اختلف العلماء في ذلك والصحيح أنها مقررة على استعمال أهل اللغة ومبقاة على مقتضياتها وليست منقولة إلا أنها زيد فيها أمور . فلو سلمنا للخصم كون هذه الألفاظ منقولة أو محمولة على وجه من المجاز بدليل مقطوع به فعليه إقامة الدليل على وجود ذلك في الإيمان . فإنه لا يجب إزالة ظواهر القرآن بسبب إزالة ظاهر منها . فيقال : أنتم في الإيمان جعلتم الشرع زاد فيه وجعلتموه كالصلاة والزكاة مع أنه لا يمكن أحدا أن يذكر شيئا من الشرع دليلا على أن الإيمان لا يسمى به إلا الموافاة به وبتقدير ذلك فمعلوم أن دلالة الشرع على ضم الأعمال إليه أكثر وأشهر فكيف لم تدخل الأعمال في مسماه شرعا ؟ وقوله : لا بد من دليل مقطوع به عنه جوابان : ( أحدهما : النقض بالموافاة فإنه لا يقطع فيه . ( الثاني : لا نسلم بل نحن نقطع بأن حب الله ورسوله وخشية الله ونحو ذلك داخل في مسمى الإيمان في كلام الله ورسوله أعظم مما نقطع ببعض أفعال الصلاة والصوم والحج كمسائل النزاع . ثم أبو الحسن وابن فورك وغيرهما من القائلين بالموافاة هم لا يجعلون الشرع ضم إليه شيئا بل عندهم كل من سلبه الشرع اسم الإيمان فقد فقد من قلبه التصديق . قال : ومن أصحابنا [ من ] لم يجعل الموافاة على الإيمان شرطا في كونه إيمانا [ ص: 441 ] حقيقيا في الحال وإن جعل ذلك شرطا في استحقاق الثواب عليه وهذا مذهب المعتزلة والكرامية وهو اختيار أبي إسحاق الإسفراييني وكلام القاضي يدل عليه قال : وهو اختيار شيخنا أبي المعالي ; فإنه قال : الإيمان ثابت في الحال قطعا لا شك فيه ولكن الإيمان الذي هو علم الفوز وآية النجاة إيمان الموافاة . فاعتنى السلف به وقرنوه بالاستثناء ولم يقصدوا الشك في الإيمان الناجز . قال : ومن صار إلى هذا يقول : الإيمان صفة يشتق منها اسم المؤمن وهو المعرفة والتصديق ; كما أن العالم مشتق من العلم فإذا عرفت ذلك من نفسي قطعت به كما قطعت بأني عالم وعارف ومصدق فإن ورد في المستقبل ما يزيله خرج إذ ذاك عن استحقاق هذا الوصف .

ولا يقال : تبينا أنه لم يكن إيمانا مأمورا به بل كان إيمانا مجزيا فتغير وبطل . وليس كذلك قوله : أنا من أهل الجنة فإن ذلك مغيب عنه وهو مرجو . قال : ومن صار إلى القول الأول يتمسك بأشياء . منها أن يقال : الإيمان عبادة العمر وهو كطاعة واحدة فيتوقف صحة أولها على سلامة آخرها . كما نقول في الصلاة والصيام والحج . قالوا : ولا شك أنه لا يسمى في الحال وليا ولا سعيدا ولا مرضيا عند الله . وكذلك الكافر لا يسمى في الحال عدوا لله ولا شقيا إلا على معنى أنه تجري عليه أحكام الأعداء في الحال لإظهاره من نفسه علامتهم . قلت : هذا الذي قالوه أنه لا شك فيه هو قول ابن كلاب والأشعري [ ص: 442 ] وأصحابه ومن وافقهم من أصحاب أحمد ومالك والشافعي وغيرهم . وأما أكثر الناس فيقولون : بل هو إذا كان كافرا فهو عدو لله ثم إذا آمن واتقى صار وليا لله . قال الله تعالى : { يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء تلقون إليهم } إلى قوله : { عسى الله أن يجعل بينكم وبين الذين عاديتم منهم مودة والله قدير والله غفور رحيم } وكذلك كان فإن هؤلاء أهل مكة الذين كانوا يعادون الله ورسوله قبل الفتح آمن أكثرهم وصاروا من أولياء الله ورسوله وابن كلاب وأتباعه بنوا ذلك على أن الولاية صفة قديمة لذات الله وهي الإرادة والمحبة والرضا ونحو ذلك . فمعناها إرادة إثابته بعد الموت ; وهذا المعنى تابع لعلم الله فمن علم أنه يموت مؤمنا لم يزل وليا لله ; لأنه لم يزل الله مريدا لإدخاله الجنة وكذلك العداوة .

وأما الجمهور فيقولون : الولاية والعداوة وإن تضمنت محبة الله ورضاه وبغضه وسخطه فهو سبحانه يرضى عن الإنسان ويحبه بعد أن يؤمن ويعمل صالحا ; وإنما يسخط عليه ويغضب بعد أن يكفر كما قال تعالى : { ذلك بأنهم اتبعوا ما أسخط الله وكرهوا رضوانه } فأخبر أن الأعمال أسخطته ; وكذلك قال : { فلما آسفونا انتقمنا منهم } قال المفسرون : أغضبونا وكذلك قال الله تعالى : { وإن تشكروا يرضه لكم } وفي الحديث الصحيح الذي في البخاري عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : { يقول الله تعالى : من عادى لي وليا فقد بارزني بالمحاربة وما تقرب إلي عبدي بمثل أداء ما افترضت عليه ; ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه ; فإذا أحببته كنت سمعه الذي [ ص: 443 ] يسمع به وبصره الذي يبصر به ويده التي يبطش بها ورجله التي يمشي بها فبي يسمع وبي يبصر وبي يبطش وبي يمشي ; ولئن سألني لأعطينه ولئن استعاذني لأعيذنه وما ترددت عن شيء أنا فاعله ترددي عن قبض نفس عبدي المؤمن يكره الموت وأكره مساءته ولا بد له منه } . فأخبر أنه : لا يزال يتقرب إليه بالنوافل حتى يحبه ثم قال : فإذا أحببته : كنت كذا وكذا . وهذا يبين أن حبه لعبده إنما يكون بعد أن يأتي بمحابه . والقرآن قد دل على مثل ذلك قال تعالى : { قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله } فقوله : ( يحببكم جواب الأمر في قوله : فاتبعوني وهو بمنزلة الجزاء مع الشرط ولهذا جزم وهذا ثواب عملهم وهو اتباع الرسول فأثابهم على ذلك بأن أحبهم ; وجزاء الشرط وثواب العمل ومسبب السبب لا يكون إلا بعده لا قبله وهذا كقوله تعالى : { ادعوني أستجب لكم } وقوله تعالى { يا قومنا أجيبوا داعي الله وآمنوا به يغفر لكم من ذنوبكم ويجركم من عذاب أليم } وقوله تعالى { اتقوا الله وقولوا قولا سديدا } { يصلح لكم أعمالكم ويغفر لكم ذنوبكم } ومثل هذا كثير وكذلك قوله : { فأتموا إليهم عهدهم إلى مدتهم إن الله يحب المتقين } وقوله : { لم تقولون ما لا تفعلون } { كبر مقتا عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون } { إن الله يحب الذين يقاتلون في سبيله صفا كأنهم بنيان مرصوص } وكانوا قد سألوه : لو علمنا أي العمل أحب إلى الله لعملناه .

وقوله : { إن الذين كفروا ينادون لمقت الله أكبر من مقتكم أنفسكم إذ تدعون إلى الإيمان فتكفرون } فهذا يدل على أن حبه ومقته جزاء لعملهم وأنه يحبهم إذا اتقوا وقاتلوا ; ولهذا رغبهم في العمل بذلك كما يرغبهم بسائر ما يعدهم به ; وجزاء العمل بعد العمل وكذلك قوله : { إذ تدعون إلى الإيمان فتكفرون } فإنه سبحانه يمقتهم إذ يدعون إلى الإيمان فيكفرون ; ومثل هذا قوله : { لقد رضي الله عن المؤمنين إذ يبايعونك تحت الشجرة فعلم ما في قلوبهم فأنزل السكينة عليهم وأثابهم فتحا قريبا } فقوله : { لقد رضي الله عن المؤمنين إذ يبايعونك } ; بين أنه رضي عنهم هذا الوقت فإن حرف ( إذ ظرف لما مضى من الزمان ; فعلم أنه ذاك الوقت رضي عنهم بسبب ذلك العمل وأثابهم عليه والمسبب لا يكون قبل سببه والموقت بوقت لا يكون قبل وقته ; وإذا كان راضيا عنهم من جهة فهذا الرضى الخاص الحاصل بالبيعة لم يكن إلا حينئذ كما ثبت في الصحيح أنه يقول لأهل الجنة : { يا أهل الجنة هل رضيتم ; فيقولون : يا ربنا وما لنا لا نرضى وقد أعطيتنا ما لم تعط أحدا من خلقك فيقول : ألا أعطيكم ما هو أفضل من ذلك فيقولون : يا ربنا وأي شيء أفضل من ذلك ; فيقول : أحل عليكم رضواني فلا أسخط عليكم بعده أبدا } وهذا يدل على أنه في ذلك الوقت حصل لهم هذا الرضوان الذي لا يتعقبه سخط أبدا . ودل على أن غيره من الرضوان قد يتعقبه سخط .

" وفي الصحيحين " في حديث الشفاعة { يقول : كل من الرسل : إن ربي قد غضب اليوم غضبا لم يغضب قبله مثله ولن يغضب بعده مثله } وفي " الصحاح " : عن النبي صلى الله عليه وسلم من غير وجه [ ص: 445 ] أنه قال : { لله أشد فرحا بتوبة عبده من رجل أضل راحلته بأرض دوية مهلكة عليها طعامه وشرابه فطلبها فلم يجدها ; فاضطجع ينتظر الموت فلما استيقظ إذا دابته عليها طعامه وشرابه - وفي رواية - كيف تجدون فرحه بها ؟ قالوا : عظيما يا رسول الله ; قال : لله أشد فرحا بتوبة عبده من هذا براحلته } وكذلك ضحكه إلى رجلين يقتل أحدهما الآخر كلاهما يدخل الجنة ; وضحكه إلى الذي يدخل الجنة آخر الناس ويقول أتسخر بي وأنت رب العالمين ; فيقول : لا ولكني على ما أشاء قادر وكل هذا في " الصحيح " . وفي دعاء القنوت : ( تولني فيمن توليت ) والقديم لا يتصور طلبه وقد قال تعالى : { إن وليي الله الذي نزل الكتاب وهو يتولى الصالحين } وقال : { والله ولي المتقين } . فهذا التولي لهم جزاء صلاحهم وتقواهم ومسبب عنه فلا يكون متقدما عليه وإن كان إنما صاروا صالحين ومتقين بمشيئته وقدرته وفضله وإحسانه ; لكن تعلق بكونهم متقين وصالحين فدل على أن هذا التولي هو بعد ذلك مثل كونه مع المتقين والصالحين بنصره وتأييده ; ليس ذلك قبل كونهم متقين وصالحين وهكذا الرحمة قال صلى الله عليه وسلم ( { الراحمون يرحمهم الرحمن ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء } قال الترمذي حديث صحيح . وكذلك قوله : { وإن تشكروا يرضه لكم } علق الرضا به تعليق الجزاء بالشرط والمسبب بالسبب والجزاء إنما يكون بعد الشرط [ ص: 446 ] وكذلك قوله : { لتدخلن المسجد الحرام إن شاء الله آمنين } . يدل على أنه يشاء ذلك فيما بعد . وكذلك قوله : { إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون } ; " فإذا " ظرف لما يستقبل من الزمان . فدل على أنه إذا أراد كونه . قال له : كن فيكون . وكذلك قوله : { وقل اعملوا فسيرى الله عملكم } فبين فيه أنه سيرى ذلك في المستقبل إذا عملوه .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث