الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

مسألة تفصيل الإرادة والإذن والكتاب والحكم والقضاء والتحريم

جزء التالي صفحة
السابق

[ ص: 58 ] وسئل رحمه الله - عن تفصيل " الإرادة " و " الإذن " و " الكتاب " و " الحكم " و " القضاء " و " التحريم " وغير ذلك ; مما هو ديني موافق لمحبة الله ورضاه وأمره الشرعي ; وما هو كوني موافق لمشيئته الكونية

التالي السابق


فأجاب : الحمد لله هذه الأمور المذكورة وهي الإرادة والإذن والكتاب والحكم والقضاء والتحريم وغيرها كالأمر والبعث والإرسال ينقسم في كتاب الله إلى نوعين : ( أحدهما ما يتعلق بالأمور الدينية التي يحبها الله تعالى ويرضاها . ويثيب أصحابها ويدخلهم الجنة وينصرهم في الحياة الدنيا وفي الآخرة . وينصر بها العباد من أوليائه المتقين . وحزبه المفلحين وعباده الصالحين .

و ( الثاني ما يتعلق بالحوادث الكونية التي قدرها الله وقضاها مما يشترك فيها المؤمن والكافر والبر والفاجر . وأهل الجنة وأهل النار وأولياء الله وأعداؤه وأهل طاعته الذين يحبهم ويحبونه ويصلي عليهم هو وملائكته وأهل معصيته الذين يبغضهم ويمقتهم ويلعنهم الله ويلعنهم اللاعنون .

[ ص: 59 ] فمن نظر إليها من هذا الوجه شهد الحقيقة الكونية الوجودية فرأى الأشياء كلها مخلوقة لله مدبرة بمشيئته مقهورة بحكمته فما شاء الله كان وإن لم يشأ الناس وما لم يشأ لم يكن وإن شاء الناس لا معقب لحكمه ولا راد لأمره ورأى أنه سبحانه رب كل شيء ومليكه له الخلق والأمر : وكل ما سواه مربوب له مدبر مقهور لا يملك لنفسه ضرا ولا نفعا ولا موتا ولا حياة ولا نشورا بل هو عبد فقير إلى الله تعالى من جميع الجهات والله غني عنه كما أنه الغني عن جميع المخلوقات وهذا الشهود في نفسه حق لكن " طائفة " قصرت عنه : وهم القدرية المجوسية و " طائفة " وقفت عنده وهم القدرية المشركية .

أما الأولون : فهم الذين زعموا أن في المخلوقات ما لا تتعلق به قدرة الله ومشيئته وخلقه كأفعال العباد وغلاتهم أنكروا علمه القديم وكتابه السابق وهؤلاء هم أول من حدث من القدرية في هذه الأمة فرد عليهم الصحابة وسلف الأمة وتبرءوا منهم .

وأما " الطائفة الثانية " فهم شر منهم وهم طوائف من أهل السلوك والإرادة والتأله والتصوف والفقر ونحوهم يشهدون هذه الحقيقة ورأوا أن الله خالق المخلوقات كلها فهو خالق أفعال العباد ومريد جميع الكائنات ولم يميزوا بعد ذلك بين إيمان وكفر ولا عرفان ولا نكر ولا حق ولا باطل ولا مهتد ولا ضال ولا راشد ولا غوي ولا نبي ولا متنبئ ولا ولي لله ولا عدو ; [ ص: 60 ] ولا مرضي لله ولا مسخوط ; ولا محبوب لله ولا ممقوت ; ولا بين العدل والظلم ولا بين البر والعقوق ولا بين أعمال أهل الجنة وأعمال أهل النار ولا بين الأبرار والفجار حيث شهدوا ما تجتمع فيه الكائنات من القضاء السابق والمشيئة النافذة والقدرة الشاملة والخلق العام ; فشهدوا المشترك بين المخلوقات وعموا عن الفارق بينهما ; وصاروا ممن يخاطب بقوله تعالى : { أفنجعل المسلمين كالمجرمين } { ما لكم كيف تحكمون } وبقوله تعالى : { أم نجعل الذين آمنوا وعملوا الصالحات كالمفسدين في الأرض أم نجعل المتقين كالفجار } وبقوله تعالى : { أم حسب الذين اجترحوا السيئات أن نجعلهم كالذين آمنوا وعملوا الصالحات } . { وتمت كلمة ربك الحسنى على بني إسرائيل بما صبروا } ومنه قول النبي صلى الله عليه وسلم { أعوذ بكلمات الله التامات التي لا يتجاوزهن بر ولا فاجر من شر ما خلق وذرأ وبرأ ومن شر ما ينزل من السماء وما يعرج فيها ومن شر ما ذرأ في الأرض وما يخرج منها ومن شر فتن الليل والنهار ; ومن شر كل طارق إلا طارقا يطرق بخير يا رحمن } فالكلمات التي لا يجاوزهن بر ولا فاجر ليست هي أمره ونهيه الشرعيين فإن الفجار عصوا أمره ونهيه بل هي التي بها يكون الكائنات . وأما الكلمات الدينية المتضمنة لأمره ونهيه الشرعيين فمثل الكتب الإلهية : التوراة والإنجيل والزبور والقرآن وقال [ ص: 61 ] تعالى : { وجعل كلمة الذين كفروا السفلى وكلمة الله هي العليا } . وقال صلى الله عليه وسلم { واستحللتم فروجهن بكلمة الله } وأما قوله تعالى { وتمت كلمة ربك صدقا وعدلا } فإنه يعم النوعين .

وأما " البعث " بالمعنى الأول ففي مثل قوله تعالى { فإذا جاء وعد أولاهما بعثنا عليكم عبادا لنا أولي بأس شديد } والثاني في مثل قوله تعالى { هو الذي بعث في الأميين رسولا منهم } وقوله تعالى { ربنا وابعث فيهم رسولا منهم } وقوله تعالى { ولقد بعثنا في كل أمة رسولا أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت } .

وأما " الإرسال " بالمعنى الأول ففي مثل قوله تعالى { أنا أرسلنا الشياطين على الكافرين تؤزهم أزا } وقوله تعالى { وأرسلنا الرياح لواقح } .

وبالمعنى الثاني : في مثل قوله تعالى { إنا أرسلنا نوحا إلى قومه } وقوله تعالى { إنا أرسلناك بالحق بشيرا ونذيرا } وقوله تعالى { واسأل من أرسلنا من قبلك من رسلنا } وقوله تعالى { وما أرسلنا من رسول إلا ليطاع بإذن الله } وقوله تعالى : { وما أرسلنا من قبلك من رسول إلا نوحي إليه أنه لا إله إلا أنا فاعبدون } وقوله تعالى { إنا أرسلنا إليكم رسولا شاهدا عليكم كما أرسلنا إلى فرعون رسولا } { فعصى فرعون الرسول فأخذناه أخذا وبيلا } .



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث