الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

مسألة حسن إرادة الله لخلق الخلق وهل يخلق لعلة أو لغير علة

[ ص: 81 ] سئل شيخ الإسلام رحمه الله تعالى عن حسن إرادة الله تعالى لخلق الخلق وإنشاء الأنام وهل يخلق لعلة أو لغير علة ؟ فإن قيل لا لعلة فهو عبث - تعالى الله عنه - وإن قيل لعلة فإن قلتم إنها لم تزل لزم أن يكون المعلول لم يزل وإن قلتم إنها محدثة لزم أن يكون لها علة والتسلسل محال .

التالي السابق


فأجاب الحمد لله رب العالمين . هذه المسألة كبيرة من أجل المسائل الكبار التي تكلم فيها الناس وأعظمها شعوبا وفروعا وأكثرها شبها ومحارات ; فإن لها تعلقا بصفات الله تعالى وبأسمائه وأفعاله وأحكامه من الأمر والنهي والوعد والوعيد وهي داخلة في خلقه وأمره فكل ما في الوجود متعلق بهذه المسألة فإن المخلوقات جميعها متعلقة بها وهي متعلقة بالخالق سبحانه وكذلك الشرائع كلها : الأمر والنهي والوعد والوعيد متعلقة بها وهي متعلقة بمسائل القدر والأمر وبمسائل الصفات والأفعال وهذه جوامع علوم الناس فعلم الفقه الذي هو الأمر والنهي متعلق بها .

[ ص: 82 ] وقد تكلم الناس في " تعليل الأحكام الشرعية والأمر والنهي " كالأمر بالتوحيد والصدق والعدل والصلاة والزكاة والصيام والحج والنهي عن الشرك والكذب والظلم والفواحش هل أمر بذلك لحكمة ومصلحة وعلة اقتضت ذلك ؟ أم ذلك لمحض المشيئة وصرف الإرادة ؟ وهل علل الشرع بمعنى الداعي والباعث ؟ أو بمعنى الأمارة والعلامة ؟ وهل يسوغ في الحكمة أن ينهى الله عن التوحيد والصدق والعدل ويأمر بالشرك والكذب والظلم أم لا ؟ وتكلم الناس في تنزيه الله تعالى عن الظلم هل هو منزه عنه مع قدرته عليه أم الظلم ممتنع لنفسه لا يمكن وقوعه ؟ وتكلموا في محبة الله ورضاه وغضبه وسخطه هل هي بمعنى إرادته أو هي الثواب والعقاب المخلوق أم هذه صفات أخص من الإرادة ؟ وتنازعوا فيما وقع في الأرض من الكفر والفسوق والعصيان هل يريده ويحبه ويرضاه كما يريد ويحب سائر ما يحدث ؟ أم هو واقع بدون قدرته ومشيئته وهو لا يقدر أن يهدي ضالا ولا يضل مهتديا ؟ أم هو واقع بقدرته ومشيئته ؟ ولا يكون في ملكه ما لا يريد وله في جميع خلقه حكمة بالغة وهو يبغضه ويكرهه ويمقت فاعله ولا يحب الفساد ولا يرضى لعباده الكفر ولا يريده الإرادة الدينية المتضمنة لمحبته ورضاه وإن أراده الإرادة الكونية التي تتناول ما قدره وقضاه ؟ وفروع هذا الأصل كثيرة لا يحتمل هذا الموضع استقصاءها .

[ ص: 83 ] ولأجل تجاذب هذا الأصل ووقوع الاشتباه فيه صار الناس فيه إلى التقديرات الثلاثة المذكورة في سؤال السائل وكل تقدير قال به طوائف من بني آدم من المسلمين وغير المسلمين .

( فالتقدير الأول هو قول من يقول خلق المخلوقات وأمر بالمأمورات لا لعلة ولا لداع ولا باعث بل فعل ذلك لمحض المشيئة وصرف الإرادة وهذا قول كثير ممن يثبت القدر وينتسب إلى السنة من أهل الكلام والفقه وغيرهم . وقد قال بهذا طوائف من أصحاب مالك والشافعي وأحمد وغيرهم وهو قول الأشعري وأصحابه وقول كثير من " نفاة القياس في الفقه " الظاهرية كابن حزم وأمثاله .

ومن حجة هؤلاء أنه لو خلق الخلق لعلة لكان ناقصا بدونها مستكملا بها ; فإنه إما أن يكون وجود تلك العلة وعدمها بالنسبة إليه سواء أو يكون وجودها أولى به . فإن كان الأول امتنع أن يفعل لأجلها وإن كان الثاني ثبت أن وجودها أولى به فيكون مستكملا بها فيكون قبلها ناقصا .

ومن حجتهم ما ذكره السائل من أن العلة إن كانت قديمة وجب تقديم المعلول ; لأن العلة الغائية وإن كانت متقدمة على المعلول في العلم والقصد - كما يقال : أول الفكرة آخر العمل وأول البغية آخر الدرك . ويقال إن العلة الغائية بها صار الفاعل فاعلا - فلا ريب أنها متأخرة في الوجود عنه ; فمن فعل فعلا [ ص: 84 ] لمطلوب يطلبه بذلك الفعل كان حصول المطلوب بعد الفعل فإذا قدر أن ذلك المطلوب الذي هو العلة قديما كان الفعل قديما بطريق الأولى .

فلو قيل : إنه يفعل لعلة قديمة لزم أن لا يحدث شيء من الحوادث وهو خلاف المشاهدة وإن قيل إنه فعل لعلة حادثة لزم محذوران : ( أحدهما أن يكون محلا للحوادث ; فإن العلة إذا كانت منفصلة عنه فإن لم يعد إليه منها حكم امتنع أن يكون وجودها أولى به من عدمها وإذا قدر أنه عاد إليه منها حكم كان ذلك حادثا فتقوم به الحوادث .

( المحذور الثاني أن ذلك يستلزم التسلسل من وجهين ( أحدهما أن تلك العلة الحادثة المطلوبة بالفعل هي أيضا مما يحدثه الله تعالى بقدرته ومشيئته فإن كانت لغير علة لزم العبث كما تقدم وإن كانت لعلة عاد التقسيم فيها فإذا كان كل ما أحدثه أحدثه لعلة والعلة مما أحدثه لزم تسلسل الحوادث ( الثاني أن تلك العلة إما أن تكون مرادة لنفسها أو لعلة أخرى فإن كانت مرادة لنفسها امتنع حدوثها لأن ما أراده الله تعالى لذاته وهو قادر عليه لا يؤخر إحداثه وإن كانت مرادة لغيرها فالقول في ذلك الغير كالقول فيها ويلزم التسلسل . فهذا ونحوه من حجج من ينفي تعليل أفعال الله تعالى وأحكامه .

( والتقدير الثاني قول من يجعل العلة الغائية قديمة كما يجعل العلة الفاعلية [ ص: 85 ] قديمة كما يقول ذلك طوائف من المسلمين كما سيأتي بيانه وكما يقول ذلك من يقوله من المتفلسفة القائلين بقدم العالم ، وهؤلاء أصل قولهم أن المبدع للعالم علة تامة تستلزم معلولها لا يجوز أن يتأخر عنها معلولها . وأعظم حججهم قولهم : إن جميع الأمور المعتبرة في كونه فاعلا إن كانت موجودة في الأزل لزم وجود المفعول في الأزل لأن العلة التامة لا يتأخر عنها معلولها فإنه لو تأخر لم تكن جميع شروط الفعل وجدت في الأزل فإنا لا نعني بالعلة التامة إلا ما يستلزم المعلول فإذا قدر أنه تخلف عنها المعلول لم تكن تامة وإن لم تكن العلة التامة - التي هي جميع الأمور المعتبرة في الفعل وهي المقتضي التام لوجود الفعل وهي جميع شروط الفعل التي يلزم من وجودها وجود الفعل إن لم يكن جميعها في الأزل - فلا بد إذا وجد المفعول بعد ذلك من تجدد سبب حادث وإلا لزم ترجيح أحد طرفي الممكن بلا مرجح وإذا كان هناك سبب حادث فالقول في حدوثه كالقول في الحادث الأول ويلزم التسلسل . قالوا فالقول بانتفاء العلة التامة المستلزمة للمفعول يوجب إما التسلسل وإما الترجيح بلا مرجح .

ثم أكثر هؤلاء يثبتون علة غائية للفعل وهي بعينها الفاعلية ولكنهم متناقضون فإنهم يثبتون له العلة الغائية ويثبتون لفعله العلة الغائية ويقولون مع هذا ليس له إرادة بل هو موجب بالذات لا فاعل بالاختيار وقولهم باطل من وجوه كثيرة .

[ ص: 86 ] ( منها أن يقال : هذا القول يستلزم أن لا يحدث شيء وأن كل ما حدث حدث بغير إحداث محدث . ومعلوم أن بطلان هذا أبين من بطلان التسلسل وبطلان الترجيح بلا مرجح وذلك أن العلة التامة المستلزمة لمعلولها يقترن بها معلولها ولا يجوز أن يتأخر عنها شيء من معلولها فكل ما حدث من الحوادث لا يجوز أن يحدث عن هذه العلة التامة وليس هناك ما تصدر عنه الممكنات سوى الواجب بنفسه الذي سماه هؤلاء علة تامة فإذا امتنع صدور الحوادث عنه وليس هناك ما يحدثها غيره لزم أن تحدث بلا محدث .

( وأيضا فلو قدر أن غيره أحدثها فإن كان واجبا بنفسه كان القول فيه كالقول في الواجب الأول وأصل قولهم : إن الواجب بنفسه علة تامة تستلزم مقارنة معلوله له فلا يجوز أن يصدر على قولهم عن العلة التامة حادث لا بواسطة ولا بغير واسطة ; لأن تلك الواسطة إن كانت من لوازم وجوده كانت قديمة معه فامتنع صدور الحوادث عنها وإن كانت حادثة كان القول فيها كالقول في غيرها .

وإن قدر أن المحدث للحوادث غير واجب بنفسه كان ممكنا مفتقرا إلى موجب يوجب به . ثم إن قيل أنه محدث كان من الحوادث وإن قيل أنه قديم كان له علة تامة مستلزمة له وامتنع حينئذ حدوث الحوادث عنه فإن الممكن لا يوجد هو ولا شيء من صفاته وأفعاله إلا عن الواجب بنفسه ; فإذا قدر حدوث الحوادث عن ممكن قديم معلول لعلة قديمة قيل : هل حدث فيه سبب [ ص: 87 ] يقتضي الحدوث أم لا ؟ فإن قيل : لم يحدث سبب لزم الترجيح بلا مرجح وإن قيل : حدث سبب لزم التسلسل كما تقدم .

( الوجه الثاني الذي يبين بطلان قولهم أن يقال : مضمون الحجة أنه إذا لم يكن ثم علة قديمة لزم التسلسل أو الترجيح بلا مرجح والتسلسل عندكم جائز فإن أصل قولهم إن هذه الحوادث متسلسلة شيئا بعد شيء وإن حركات الفلك توجب استعداد القوابل لأن تفيض عليها الصور الحادثة من العلة القديمة سواء قلتم : هي العقل الفعال أو هي الواجب الذي يصدر عنه بتوسط العقول أو غير ذلك من الوسائط وإذا كان التسلسل جائزا عندكم لم يمتنع حدوث الحوادث عن غير علة موجبة للمعلول وإن لزم التسلسل ; بل هذا خير في الشرع والعقل من قولكم . وذلك أن الشرع أخبر أن الله خلق السموات والأرض في ستة أيام وهذا مما اتفق عليه أهل الملل : المسلمون واليهود والنصارى . فإن قيل : إنه خلقها بسبب حادث قبل ذلك كان خيرا من قولكم إنها قديمة أزلية معه في الشرع وكان أولى في العقل ; لأن العقل ليس فيه ما يدل على قدم هذه الأفلاك حتى يعارض الشرع وهذه الحجة العقلية إنما تقتضي أنه لا يحدث شيء إلا بسبب حادث فإذا قيل : إن السموات والأرض خلقها الله تعالى بما حدث قبل ذلك لم يكن في حجتكم العقلية ما يبطل هذا .

( الوجه الثالث أن يقال : حدوث حادث بعد حادث بلا نهاية إما أن يكون ممكنا في العقل أو ممتنعا ; فإن كان ممتنعا في العقل لزم أن الحوادث جميعها [ ص: 88 ] لها أول كما يقول ذلك من يقوله من أهل الكلام وبطل قولهم بقدم حركات الأفلاك وإن كان ممكنا أمكن أن يكون حدوث ما أحدثه الله تعالى كالسموات والأرض موقوفا على حوادث قبل ذلك كما تقولون أنتم فيما يحدث في هذا العالم من الحيوان والنبات والمعادن والمطر والسحاب وغير ذلك فيلزم فساد حجتكم على التقديرين .

ثم يقال : إما أن تثبتوا لمبدع العالم حكمة وغاية مطلوبة وإما أن لا تثبتوا ; فإن لم تثبتوا بطل قولكم بإثبات العلة الغائية وبطل ما تذكرونه من حكمة الباري تعالى في خلق الحيوان وغير ذلك من المخلوقات و ( أيضا فالوجود يبطل هذا القول ; فإن الحكمة الموجودة في الوجود أمر يفوق العد والإحصاء كإحداثه سبحانه لما يحدثه من نعمته ورحمته وقت حاجة الخلق إليه كإحداث المطر وقت الشتاء بقدر الحاجة وإحداثه للإنسان الآلات التي يحتاج إليها بقدر حاجته وأمثال ذلك مما ليس هذا موضع بسطه وإن أثبتم له حكمة مطلوبة - وهي باصطلاحكم العلة الغائية - لزمكم أن تثبتوا له المشيئة والإرادة بالضرورة فإن القول : بأن الفاعل فعل كذا لحكمة كذا بدون كونه مريدا لتلك الحكمة المطلوبة جمع بين النقيضين ; وهؤلاء المتفلسفة من أكثر الناس تناقضا ولهذا يجعلون العلم هو العالم ، والعلم هو الإرادة والإرادة هي القدرة وأمثال ذلك كما قد بسط الكلام عليهم في غير هذا الموضع .

( وأما التقدير الثالث وهو أنه فعل المفعولات وأمر بالمأمورات لحكمة [ ص: 89 ] محمودة فهذا قول أكثر الناس من المسلمين وغير المسلمين وقول طوائف من أصحاب أبي حنيفة والشافعي ومالك وأحمد وغيرهم وقول طوائف من أهل الكلام من المعتزلة والكرامية والمرجئة وغيرهم وقول أكثر أهل الحديث والتصوف وأهل التفسير وقول أكثر قدماء الفلاسفة وكثير من متأخريهم كأبي البركات وأمثاله ; لكن هؤلاء على أقوال . ( منهم من قال : إن الحكمة المطلوبة مخلوقة منفصلة عنه أيضا ; كما يقول ذلك من يقوله من المعتزلة والشيعة ومن وافقهم ; وقالوا : الحكمة في ذلك إحسانه إلى الخلق ; والحكمة في الأمر تعويض المكلفين بالثواب ; وقالوا إن فعل الإحسان إلى الغير حسن محمود في العقل ; فخلق الخلق لهذه الحكمة من غير أن يعود إليه من ذلك حكم ; ولا قام به فعل ولا نعت .

فقال لهم الناس : أنتم متناقضون في هذا القول لأن الإحسان إلى الغير محمود لكونه يعود منه على فاعله حكم يحمد لأجله ; إما لتكميل نفسه بذلك ; وإما لقصده الحمد والثواب بذلك ; وإما لرقة وألم يجده في نفسه يدفع بالإحسان ذلك الألم وإما لالتذاذه وسروره وفرحه بالإحسان ; فإن النفس الكريمة تفرح وتسر وتلتذ بالخير الذي يحصل منها إلى غيرها فالإحسان إلى الغير محمود لكون المحسن يعود إليه من فعله هذه الأمور حكم يحمد لأجله أما إذا قدر أن وجود الإحسان وعدمه بالنسبة إلى الفاعل سواء لم يعلم أن مثل هذا الفعل يحسن منه بل مثل هذا يعد عبثا في عقول العقلاء وكل من فعل فعلا ليس فيه لنفسه لذة [ ص: 90 ] ولا مصلحة ولا منفعة بوجه من الوجوه لا عاجلة ولا آجلة كان عابثا ولم يكن محمودا على هذا وأنتم عللتم أفعاله فرارا من العبث فوقعتم في العبث ; فإن العبث هو الفعل الذي ليس فيه مصلحة ولا منفعة ولا فائدة تعود على الفاعل ; ولهذا لم يأمر الله تعالى ولا رسوله صلى الله عليه وسلم ولا أحد من العقلاء أحدا بالإحسان إلى غيره ونفعه ونحو ذلك إلا لما له في ذلك من المنفعة والمصلحة وإلا فأمر الفاعل بفعل لا يعود إليه منه لذة ولا سرور ولا منفعة ولا فرح بوجه من الوجوه لا في العاجل ولا في الآجل لا يستحسن من الآمر .

ونشأ من هذا الكلام نزاع بين المعتزلة وغيرهم ومن وافقهم في " مسألة التحسين والتقبيح العقلي " فأثبت ذلك المعتزلة وغيرهم ومن وافقهم من أصحاب أبي حنيفة ومالك والشافعي وأحمد وأهل الحديث وغيرهم وحكوا ذلك عن أبي حنيفة نفسه ونفى ذلك الأشعرية ومن وافقهم من أصحاب مالك والشافعي وأحمد وغيرهم واتفق الفريقان على أن الحسن والقبح إذا فسرا بكون الفعل نافعا للفاعل ملائما له وكونه ضارا للفاعل منافرا له أنه يمكن معرفته بالعقل كما يعرف بالشرع وظن من ظن من هؤلاء أن الحسن والقبح المعلوم بالشرع خارج عن هذا وهذا ليس كذلك بل جميع الأفعال التي أوجبها الله تعالى وندب إليها هي نافعة لفاعليها ومصلحة لهم . وجميع الأفعال التي نهى الله عنها هي ضارة لفاعليها ومفسدة في حقهم والحمد والثواب المترتب على طاعة الشارع نافع للفاعل ومصلحة له والذم والعقاب المترتب على معصيته ضار للفاعل ومفسدة له .

[ ص: 91 ] والمعتزلة أثبتت الحسن في أفعال الله تعالى لا بمعنى حكم يعود إليه من أفعاله . ومنازعوهم لما اعتقدوا أن لا حسن ولا قبح في الفعل إلا ما عاد إلى الفاعل منه حكم نفوا ذلك وقالوا : القبيح في حق الله تعالى هو الممتنع لذاته وكل ما يقدر ممكنا من الأفعال فهو حسن ; إذ لا فرق بالنسبة إليه عندهم بين مفعول ومفعول وأولئك أثبتوا حسنا وقبحا لا يعود إلى الفاعل منه حكم يقوم بذاته إذ عندهم لا يقوم بذاته لا وصف ولا فعل ولا غير ذلك وإن كانوا قد يتناقضون .

ثم أخذوا يقيسون ذلك على ما يحسن من العبد ويقبح فجعلوا يوجبون على الله سبحانه ما يوجبون على العبد ويحرمون عليه من جنس ما يحرمون على العبد ويسمون ذلك العدل والحكمة مع قصور عقلهم عن معرفة حكمته وعدله ولا يثبتون له مشيئة عامة ولا قدرة تامة فلا يجعلونه على كل شيء قديرا ولا يقولون " ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن " ولا يقرون بأنه خالق كل شيء ويثبتون له من الظلم ما نزه نفسه عنه سبحانه فإنه قال { ومن يعمل من الصالحات وهو مؤمن فلا يخاف ظلما ولا هضما } أي لا يخاف أن يظلم فيحمل عليه من سيئات غيره ولا يهضم من حسناته . وقال تعالى { ما يبدل القول لدي وما أنا بظلام للعبيد } وقال النبي صلى الله عليه وسلم في حديث البطاقة الذي رواه الإمام أحمد والترمذي وغيرهما { يجاء برجل من أمتي يوم القيامة فتنشر له تسعة وتسعون سجلا كل سجل مد البصر فيقال له : هل تنكر من هذا شيئا ؟ . فيقول : لا يا رب فيقال له : ألك عذر ألك حسنة ؟ فيقول لا يا رب فيقول : بلى [ ص: 92 ] إن لك عندنا حسنة وإنه لا ظلم عليك اليوم قال فتخرج له بطاقة فيها أشهد أن لا إله إلا الله فتوضع البطاقة في كفة والسجلات في كفة فطاشت السجلات وثقلت البطاقة } . فقد أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أنه لا يظلم بل يثاب على ما أتى به من التوحيد كما قال تعالى { فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره } { ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره } .

وجمهور هؤلاء الذين يسمون أنفسهم " عدلية " يقولون : من فعل كبيرة واحدة أحبطت جميع حسناته وخلد في نار جهنم . فهذا الذي سماه الله ورسوله ظلما يصفون الله به مع دعواهم تنزيهه عن الظلم ويسمون تخصيصه من يشاء برحمته وفضله وخلقه ما خلقه لما له فيه من الحكمة البالغة ظلما . والكلام في هذه الأمور مبسوط في غير هذا الموضع ولكن نبهنا على مجامع أصول الناس في هذا المقام .

وهؤلاء المعتزلة ومن وافقهم من الشيعة يوجبون على الله سبحانه أن يفعل بكل عبد ما هو الأصلح له في دينه وتنازعوا في وجوب الأصلح في دنياه ومذهبهم أنه لا يقدر أن يفعل مع مخلوق من المصلحة الدينية غير ما فعل ولا يقدر أن يهدي ضالا ولا يضل مهتديا .

وأما سائر الطوائف الذين يقولون بالتعليل من الفقهاء وأهل الحديث والصوفية وأهل الكلام كالكرامية وغيرهم والمتفلسفة أيضا فلا يوافقونهم على [ ص: 93 ] هذا ; بل يقولون إنه يفعل ما يفعل سبحانه لحكمة يعلمها سبحانه وتعالى وقد يعلم العباد أو بعض العباد من حكمته ما يطلعهم عليه وقد لا يعلمون ذلك . والأمور العامة التي يفعلها تكون لحكمة عامة ورحمة عامة كإرسال محمد صلى الله عليه وسلم فإنه كما قال تعالى { وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين } فإن إرساله كان من أعظم النعمة على الخلق وفيه أعظم حكمة للخالق ورحمة منه لعباده كما قال تعالى { لقد من الله على المؤمنين إذ بعث فيهم رسولا من أنفسهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة } وقال تعالى { وكذلك فتنا بعضهم ببعض ليقولوا أهؤلاء من الله عليهم من بيننا أليس الله بأعلم بالشاكرين } وقال { وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل أفإن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم ومن ينقلب على عقبيه فلن يضر الله شيئا وسيجزي الله الشاكرين } وقال تعالى { ألم تر إلى الذين بدلوا نعمة الله كفرا } قالوا هو محمد .

صلى الله عليه وسلم فإذا قال قائل : فقد تضرر برسالته طائفة من الناس كالذين كذبوه من المشركين وأهل الكتاب كان عن هذا جوابان : ( أحدهما أنه نفعهم بحسب الإمكان فإنه أضعف شرهم الذي كانوا يفعلونه لولا الرسالة بإظهار الحجج والآيات التي زلزلت ما في قلوبهم وبالجهاد والجزية التي أخافتهم وأذلتهم حتى قل شرهم ومن قتله منهم مات قبل أن يطول عمره في الكفر فيعظم كفره فكان ذلك تقليلا لشره والرسل صلوات الله عليهم [ ص: 94 ] بعثوا بتحصيل المصالح وتكميلها وتعطيل المفاسد وتقليلها بحسب الإمكان .

( والجواب الثاني أن ما حصل من الضرر أمر مغمور في جنب ما حصل من النفع كالمطر الذي عم نفعه إذا خرب به بعض البيوت أو احتبس به بعض المسافرين والمكتسبين كالقصارين ونحوهم وما كان نفعه ومصلحته عامة كان خيرا مقصودا ورحمة محبوبة وإن تضرر به بعض الناس . وهذا الجواب أجاب به طوائف من المسلمين وأهل الكلام والفقه وغيرهم من الحنفية والحنبلية وغيرهم ومن الكرامية والصوفية وهو جواب كثير من المتفلسفة .

وقال هؤلاء : جميع ما يحدثه في الوجود من الضرر فلا بد فيه من حكمة قال الله تعالى { صنع الله الذي أتقن كل شيء } وقال { الذي أحسن كل شيء خلقه } والضرر الذي يحصل به حكمة مطلوبة لا يكون شرا مطلقا وإن كان شرا بالنسبة إلى من تضرر به ; ولهذا لا يجيء في كلام الله تعالى وكلام رسوله صلى الله عليه وسلم إضافة الشر وحده إلى الله ; بل لا يذكر الشر إلا على أحد وجوه " ثلاثة " إما أن يدخل في عموم المخلوقات فإنه إذا دخل في العموم أفاد عموم القدرة والمشيئة والخلق وتضمن ما اشتمل عليه من حكمة تتعلق بالعموم وإما أن يضاف إلى السبب الفاعل وإما أن يحذف فاعله .

فالأول كقوله تعالى { الله خالق كل شيء } ونحو ذلك ومن هذا الباب أسماء الله المقترنة كالمعطي المانع والضار النافع المعز المذل الخافض الرافع [ ص: 95 ] فلا يفرد الاسم المانع عن قرينه ولا الضار عن قرينه ; لأن اقترانهما يدل على العموم وكل ما في الوجود من رحمة ونفع ومصلحة فهو من فضله تعالى وما في الوجود من غير ذلك فهو من عدله فكل نعمة منه فضل وكل نقمة منه عدل كما في الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : { يمين الله ملأى لا يغيضها نفقة سحاء الليل والنهار أرأيتم ما أنفق منذ خلق السموات والأرض ؟ فإنه لم يغض ما في يمينه وبيده الأخرى القسط يخفض ويرفع } فأخبر أن يده اليمنى فيها الإحسان إلى الخلق ويده الأخرى فيها العدل والميزان الذي به يخفض ويرفع فخفضه ورفعه من عدله وإحسانه إلى خلقه من فضله .

وأما حذف الفاعل فمثل قول الجن { وأنا لا ندري أشر أريد بمن في الأرض أم أراد بهم ربهم رشدا } وقوله تعالى في سورة الفاتحة { صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين } ونحو ذلك .

وإضافته إلى السبب كقوله { من شر ما خلق } وقوله { فأردت أن أعيبها } مع قوله { فأراد ربك أن يبلغا أشدهما ويستخرجا كنزهما } وقوله تعالى { ما أصابك من حسنة فمن الله وما أصابك من سيئة فمن نفسك } وقوله { ربنا ظلمنا أنفسنا } وقوله تعالى { أولما أصابتكم مصيبة قد أصبتم مثليها قلتم أنى هذا قل هو من عند أنفسكم } وأمثال ذلك .

[ ص: 96 ] ولهذا ليس من أسماء الله الحسنى اسم يتضمن الشر وإنما يذكر الشر في مفعولاته كقوله { نبئ عبادي أني أنا الغفور الرحيم } { وأن عذابي هو العذاب الأليم } وقوله { إن ربك لسريع العقاب وإنه لغفور رحيم } وقوله { اعلموا أن الله شديد العقاب وأن الله غفور رحيم } وقوله { إن بطش ربك لشديد } { إنه هو يبدئ ويعيد } { وهو الغفور الودود } فبين سبحانه أن بطشه شديد وأنه هو الغفور الودود .

واسم " المنتقم " ليس من أسماء الله الحسنى الثابتة عن النبي صلى الله عليه وسلم وإنما جاء في القرآن مقيدا كقوله تعالى { إنا من المجرمين منتقمون } وقوله { إن الله عزيز ذو انتقام } والحديث الذي في عدد الأسماء الحسنى الذي يذكر فيه المنتقم فذكر في سياقه { البر التواب المنتقم العفو الرءوف } ليس هو عند أهل المعرفة بالحديث من كلام النبي صلى الله عليه وسلم بل هذا ذكره الوليد بن مسلم عن سعيد بن عبد العزيز أو عن بعض شيوخه ; ولهذا لم يروه أحد من أهل الكتب المشهورة إلا الترمذي رواه عن طريق الوليد بن مسلم بسياق ورواه غيره باختلاف في الأسماء وفي ترتيبها : يبين أنه ليس من كلام النبي صلى الله عليه وسلم . وسائر من روى هذا الحديث عن أبي هريرة ثم عن الأعرج ثم عن أبي الزناد لم يذكروا أعيان الأسماء ; بل ذكروا قوله صلى الله عليه وسلم { إن لله تسعة وتسعين اسما مائة إلا واحدا من أحصاها دخل الجنة } وهكذا أخرجه أهل الصحيح كالبخاري ومسلم وغيرهما ولكن روي عدد الأسماء من [ ص: 97 ] طريق أخرى من حديث محمد بن سيرين عن أبي هريرة ورواه ابن ماجه وإسناده ضعيف يعلم أهل الحديث أنه ليس من كلام النبي صلى الله عليه وسلم وليس في عدد الأسماء الحسنى عن النبي صلى الله عليه وسلم إلا هذان الحديثان كلاهما مروي من طريق أبي هريرة وهذا مبسوط في موضعه .

والمقصود هنا التنبيه على أصول تنفع في معرفة هذه المسألة فإن نفوس بني آدم لا يزال يحوك فيها من هذه المسألة أمر عظيم .

وإذا علم العبد من حيث الجملة أن لله فيما خلقه وما أمر به حكمة عظيمة كفاه هذا ثم كلما ازداد علما وإيمانا ظهر له من حكمة الله ورحمته ما يبهر عقله ويبين له تصديق ما أخبر الله به في كتابه حيث قال { سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق } فإنه صلى الله عليه وسلم قال في الحديث الصحيح { الله أرحم بعباده من الوالدة بولدها } وفي الصحيحين عنه أنه قال : { إن الله خلق الرحمة يوم خلقها مائة رحمة أنزل منها رحمة واحدة فبها يتراحم الخلق حتى إن الدابة لترفع حافرها عن ولدها من تلك الرحمة واحتبس عنده تسعا وتسعين رحمة فإذا كان يوم القيامة جمع هذه إلى تلك فرحم بها عباده } أو كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم .

ثم هؤلاء الجمهور من المسلمين وغيرهم كأئمة المذاهب الأربعة وغيرهم من السلف والعلماء الذين يثبتون حكمته فلا ينفونها - كما نفاها الأشعرية ونحوهم [ ص: 98 ] الذين لم يثبتوا إلا إرادة بلا حكمة ومشيئة بلا رحمة ولا محبة ولا رضى وجعلوا جميع المخلوقات بالنسبة إليه سواء لا يفرقون بين الإرادة والمحبة والرضى بل ما وقع من الكفر والفسوق والعصيان قالوا : إنه يحبه ويرضاه كما يريده وإذا قالوا لا يحبه ولا يرضاه دينا قالوا إنه لا يريده دينا وما لم يقع من الإيمان والتقوى فإنه لا يحبه ولا يرضاه عندهم كما لا يريده . وقد قال تعالى { إذ يبيتون ما لا يرضى من القول } فأخبر أنه لا يرضاه مع أنه قدره وقضاه - لا يوافقون المعتزلة على إنكار قدرة الله تعالى وعموم خلقه ومشيئته وقدرته ولا يشبهونه بخلقه فيما يوجب ويحرم كما فعل هؤلاء ولا يسلبونه ما وصف به نفسه من صفاته وأفعاله بل أثبتوا له ما أثبته لنفسه من الصفات والأفعال ونزهوه عما نزه عنه نفسه من الصفات والأفعال وقالوا إن الله خالق كل شيء ومليكه وما شاء كان وما لم يشأ لم يكن وهو على كل شيء قدير وهو يحب المحسنين والمتقين والمقسطين ويرضى عن السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان ولا يحب الفساد ولا يرضى لعباده الكفر ولا يرضى بالقول المخالف لأمر الله ورسوله .

وقالوا : مع أنه خالق كل شيء وربه ومليكه فقد فرق بين المخلوقات أعيانها وأفعالها كما قال تعالى : { أفنجعل المسلمين كالمجرمين } وكما قال : { أم حسب الذين اجترحوا السيئات أن نجعلهم كالذين آمنوا وعملوا الصالحات سواء محياهم ومماتهم ساء ما يحكمون } وقال تعالى : { أم نجعل الذين آمنوا وعملوا الصالحات كالمفسدين في الأرض أم نجعل المتقين كالفجار } .

وقال تعالى : [ ص: 99 ] { وما يستوي الأعمى والبصير } { ولا الظلمات ولا النور } { ولا الظل ولا الحرور } { وما يستوي الأحياء ولا الأموات } وأمثال ذلك مما يبين الفرق بين المخلوقات وانقسام الخلق إلى شقي وسعيد كما قال تعالى : { هو الذي خلقكم فمنكم كافر ومنكم مؤمن } وقال تعالى : { فريقا هدى وفريقا حق عليهم الضلالة } وقال تعالى : { يدخل من يشاء في رحمته والظالمين أعد لهم عذابا أليما } وقال تعالى : { ويوم تقوم الساعة يومئذ يتفرقون } { فأما الذين آمنوا وعملوا الصالحات فهم في روضة يحبرون } { وأما الذين كفروا وكذبوا بآياتنا ولقاء الآخرة فأولئك في العذاب محضرون } ونظائر هذا في القرآن كثيرة .

وينبغي أن يعلم أن هذا المقام زل فيه طوائف من أهل الكلام والتصوف وصاروا فيه إلى ما هو شر من قول المعتزلة ونحوهم من القدرية فإن هؤلاء يعظمون الأمر والنهي والوعد والوعيد وطاعة الله ورسوله ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر لكن ضلوا في القدر واعتقدوا أنهم إذا أثبتوا مشيئة عامة وقدرة شاملة وخلقا متناولا لكل شيء لزم من ذلك القدح في عدل الرب وحكمته وغلطوا في ذلك .

فقابل هؤلاء قوم من العلماء والعباد وأهل الكلام والتصوف فأثبتوا القدر وآمنوا بأن الله رب كل شيء ومليكه وأنه ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن وأنه خالق كل شيء وربه ومليكه وهذا حسن وصواب ; لكنهم قصروا في الأمر والنهي والوعد والوعيد وأفرطوا حتى خرج غلاتهم إلى الإلحاد فصاروا من جنس المشركين الذين قالوا { لو شاء الله ما أشركنا ولا آباؤنا ولا حرمنا من شيء } فأولئك القدرية وإن كانوا يشبهون المجوس من حيث إنهم أثبتوا فاعلا لما اعتقدوه شرا غير الله سبحانه فهؤلاء شابهوا المشركين الذين قالوا : { لو شاء الله ما أشركنا ولا آباؤنا ولا حرمنا من شيء } فالمشركون شر من المجوس فإن المجوس يقرون بالجزية باتفاق المسلمين وقد ذهب بعض العلماء إلى حل نسائهم وطعامهم وأما المشركون فاتفقت الأمة على تحريم نكاح نسائهم وطعامهم ومذهب الشافعي وأحمد في المشهور عنه وغيرهما أنهم لا يقرون بالجزية وجمهور العلماء على أن مشركي العرب لا يقرون بالجزية وإن أقرت المجوس فإن النبي صلى الله عليه وسلم لم يقبل الجزية من أحد من المشركين ; بل قال { أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأني رسول الله ; فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها وحسابهم على الله عز وجل } .

والمقصود هنا أن من أثبت القدر واحتج به على إبطال الأمر والنهي فهو شر ممن أثبت الأمر والنهي ولم يثبت القدر وهذا متفق عليه بين المسلمين وغيرهم من أهل الملل بل بين جميع الخلق فإن من احتج بالقدر وشهود الربوبية العامة لجميع المخلوقات ولم يفرق بين المأمور والمحظور والمؤمنين والكفار وأهل الطاعة وأهل المعصية لم يؤمن بأحد من الرسل ولا بشيء من الكتب وكان عنده آدم وإبليس سواء ونوح وقومه سواء وموسى وفرعون سواء والسابقون الأولون وكفار مكة سواء .

وهذا الضلال قد كثر في كثير من أهل التصوف والزهد والعبادة لا سيما [ ص: 101 ] إذا قرنوا به توحيد أهل الكلام المثبتين للقدر والمشيئة من غير إثبات المحبة والبغض والرضى والسخط الذين يقولون : " التوحيد " هو توحيد الربوبية . و " الإلهية " عندهم هي القدرة على الاختراع ولا يعرفون توحيد الإلهية ولا يعلمون أن الإله هو المألوه المعبود وأن مجرد الإقرار بأن الله رب كل شيء لا يكون توحيدا حتى يشهد أن لا إله إلا الله كما قال تعالى : { وما يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم مشركون } . قال عكرمة : تسألهم من خلق السموات والأرض فيقولون الله وهم يعبدون غيره وهؤلاء يدعون التحقيق والفناء في التوحيد ويقولون إن هذا نهاية المعرفة وإن العارف إذا صار في هذا المقام لا يستحسن حسنة ولا يستقبح سيئة لشهوده الربوبية العامة والقيومية الشاملة . وهذا الموضع وقع فيه من الشيوخ الكبار من شاء الله ولا حول ولا قوة إلا بالله .

وهؤلاء غاية توحيدهم هو توحيد المشركين الذين كانوا يعبدون الأصنام الذين قال الله عنهم : { قل لمن الأرض ومن فيها إن كنتم تعلمون } { سيقولون لله قل أفلا تذكرون } { قل من رب السماوات السبع ورب العرش العظيم } { سيقولون لله قل أفلا تتقون } { قل من بيده ملكوت كل شيء وهو يجير ولا يجار عليه إن كنتم تعلمون } { سيقولون لله قل فأنى تسحرون } . وقال تعالى { ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض وسخر الشمس والقمر ليقولن الله فأنى يؤفكون } { الله يبسط الرزق لمن يشاء من عباده ويقدر له إن الله بكل شيء عليم } { ولئن سألتهم من نزل من السماء ماء فأحيا به الأرض من بعد موتها ليقولن الله قل الحمد لله بل أكثرهم لا يعقلون } وقال تعالى { ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض ليقولن الله قل الحمد لله بل أكثرهم لا يعلمون } .

وقال تعالى : { ولئن سألتهم من خلقهم ليقولن الله فأنى يؤفكون } وقال تعالى : { قل من يرزقكم من السماء والأرض أمن يملك السمع والأبصار ومن يخرج الحي من الميت ويخرج الميت من الحي ومن يدبر الأمر فسيقولون الله فقل أفلا تتقون } { فذلكم الله ربكم الحق فماذا بعد الحق إلا الضلال فأنى تصرفون } { كذلك حقت كلمة ربك على الذين فسقوا أنهم لا يؤمنون } { قل هل من شركائكم من يبدأ الخلق ثم يعيده قل الله يبدأ الخلق ثم يعيده فأنى تؤفكون } { قل هل من شركائكم من يهدي إلى الحق قل الله يهدي للحق أفمن يهدي إلى الحق أحق أن يتبع أمن لا يهدي إلا أن يهدى فما لكم كيف تحكمون } وقال تعالى : { أمن خلق السماوات والأرض وأنزل لكم من السماء ماء فأنبتنا به حدائق ذات بهجة ما كان لكم أن تنبتوا شجرها أإله مع الله بل هم قوم يعدلون } { أمن جعل الأرض قرارا وجعل خلالها أنهارا وجعل لها رواسي وجعل بين البحرين حاجزا أإله مع الله بل أكثرهم لا يعلمون } { أمن يجيب المضطر إذا دعاه ويكشف السوء ويجعلكم خلفاء الأرض أإله مع الله قليلا ما تذكرون } { أمن يهديكم في ظلمات البر والبحر ومن يرسل الرياح بشرا بين يدي رحمته أإله مع الله تعالى الله عما يشركون } { أمن يبدأ الخلق ثم يعيده ومن يرزقكم من السماء والأرض أإله مع الله قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين } .

[ ص: 103 ] فإن هؤلاء المشركين كانوا مقرين بأن الله خالق السموات والأرض وخالقهم وبيده ملكوت كل شيء بل كانوا مقرين بالقدر أيضا فإن العرب كانوا يثبتون القدر في الجاهلية وهو معروف عنهم في النظم والنثر ومع هذا فلما لم يكونوا يعبدون الله وحده لا شريك له بل عبدوا غيره كانوا مشركين شرا من اليهود والنصارى . فمن كان غاية توحيده وتحقيقه هو هذا التوحيد كان غاية توحيده توحيد المشركين .

وهذا المقام مقام وأي مقام زلت فيه أقدام وضلت فيه أفهام وبدل فيه دين المسلمين والتبس فيه أهل التوحيد بعباد الأصنام على كثير ممن يدعون نهاية التوحيد والتحقيق والمعرفة والكلام .

ومعلوم عند كل من يؤمن بالله ورسوله أن المعتزلة والشيعة القدرية المثبتين للأمر والنهي والوعد والوعيد خير ممن يسوي بين المؤمن والكافر والبر والفاجر والنبي الصادق والمتنبئ الكاذب وأولياء الله وأعدائه ويجعل هذا غاية التحقيق ونهاية التوحيد وهؤلاء يدخلون في مسمى " القدرية " الذين ذمهم السلف بل هم أحق بالذم من المعتزلة ونحوهم كما قال أبو بكر الخلال في " كتاب السنة " : الرد على القدرية وقولهم إن الله أجبر العباد على المعاصي وذكر عن المروذي قال قلت لأبي عبد الله : رجل يقول إن الله أجبر العباد فقال : هكذا لا تقول وأنكر ذلك وقال { يضل الله من يشاء ويهدي من يشاء } وذكر عن المروذي أن رجلا قال إن الله لم يجبر العباد على المعاصي [ ص: 104 ] فرد عليه آخر فقال إن الله جبر العباد أراد بذلك إثبات القدر فسألوا عن ذلك أحمد بن حنبل فأنكر عليهما جميعا على الذي قال جبر وعلى الذي قال لم يجبر حتى تاب وأمر أن يقال : - { يضل الله من يشاء ويهدي من يشاء } .

وذكر عن عبد الرحمن بن مهدي قال أنكر سفيان الثوري " جبر " وقال إن الله جبل العباد . قال المروذي أراد قول النبي صلى الله عليه وسلم لأشج عبد القيس : يعني قوله { إن فيك لخلقين يحبهما الله : الحلم والأناة فقال : أخلقين تخلقت بهما أم خلقين جبلت عليهما ؟ فقال بل خلقين جبلت عليهما فقال : الحمد لله الذي جبلني على خلقين يحبهما } .

وذكر عن أبي إسحاق الفزاري قال قال الأوزاعي : أتاني رجلان فسألاني عن القدر فأحببت أن آتيك بهما تسمع كلامهما وتجيبهما : قلت رحمك الله أنت أولى بالجواب قال : فأتاني الأوزاعي ومعه الرجلان فقال تكلما فقالا : قدم علينا ناس من أهل القدر فنازعونا في القدر ونازعناهم فيه حتى بلغ بنا وبهم إلى أن قلنا : إن الله جبرنا على ما نهانا عنه وحال بيننا وبين ما أمرنا به ورزقنا ما حرم علينا فقلت : يا هؤلاء إن الذين أتوكم بما أتوكم به قد ابتدعوا بدعة وأحدثوا حدثا وإني أراكم قد خرجتم من البدعة إلى مثل ما خرجوا إليه . فقال : أصبت وأحسنت يا أبا إسحاق .

وذكر عن بقية بن الوليد قال سألت الزبيدي والأوزاعي عن " الجبر " [ ص: 105 ] فقال الزبيدي أمر الله أعظم وقدرته أعظم من أن يجبر أو يعضل ولكن يقضي ويقدر ويخلق ويجبل عبده على ما أحب . وقال الأوزاعي : ما أعرف للجبر أصلا من القرآن والسنة فأهاب أن أقول ذلك ولكن القضاء والقدر والخلق والجبل فهذا يعرف في القرآن والحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم .

وقد قال مطرف بن الشخير : لم نوكل إلى القدر وإليه نصير . وقال ضمرة بن ربيعة : لم نؤمر أن نتكل على القدر وإليه نصير .

وقد ثبت في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : { ما منكم من أحد إلا وقد علم مقعده من الجنة ومقعده من النار قالوا يا رسول الله أفلا ندع العمل ونتكل على الكتاب ؟ فقال : لا اعملوا فكل ميسر لما خلق له } . وهذا باب واسع .

والمقصود هنا أن الخلال وغيره من أهل العلم أدخلوا القائلين بالجبر في مسمى " القدرية " وإن كانوا لا يحتجون بالقدر على المعاصي فكيف بمن يحتج به على المعاصي ؟ ومعلوم أنه يدخل في ذم من ذم الله من القدرية من يحتج به على إسقاط الأمر والنهي أعظم مما يدخل فيه المنكر له ; فإن ضلال هذا أعظم ولهذا قرنت القدرية بالمرجئة في كلام غير واحد من السلف وروي في ذلك حديث مرفوع ; لأن كلا من هاتين البدعتين تفسد الأمر والنهي والوعد والوعيد ; فالإرجاء يضعف الإيمان بالوعيد ويهون أمر الفرائض والمحارم [ ص: 106 ] والقدري إن احتج به كان عونا للمرجئ وإن كذب به كان هو والمرجئ قد تقابلا هذا يبالغ في التشديد حتى لا يجعل العبد يستعين بالله على فعل ما أمر به وترك ما نهي عنه وهذا يبالغ في الناحية الأخرى .

ومن المعلوم أن الله تعالى أرسل الرسل وأنزل الكتب لتصدق الرسل فيما أخبرت وتطاع فيما أمرت كما قال تعالى : { وما أرسلنا من رسول إلا ليطاع بإذن الله } وقال تعالى { من يطع الرسول فقد أطاع الله } والإيمان بالقدر من تمام ذلك . فمن أثبت القدر وجعل ذلك معارضا للأمر فقد أذهب الأصل .

ومعلوم أن من أسقط الأمر والنهي الذي بعث الله به رسله فهو كافر باتفاق المسلمين واليهود والنصارى ; بل هؤلاء قولهم متناقض لا يمكن أحدا منهم أن يعيش به ولا تقوم به مصلحة أحد من الخلق ولا يتعاشر عليه اثنان ; فإن القدر إن كان حجة فهو حجة لكل أحد وإلا فليس حجة لأحد . فإذا قدر أن الرجل ظلمه ظالم أو شتمه شاتم أو أخذ ماله أو أفسد أهله أو غير ذلك فمتى لامه أو ذمه أو طلب عقوبته أبطل الاحتجاج بالقدر . ومن ادعى أن العارف إذا شهد القدر سقط عنه الأمر كان هذا الكلام من الكفر الذي لا يرضاه لا اليهود ولا النصارى بل ذلك ممتنع في العقل محال في الشرع ; فإن الجائع يفرق بين الخبز والتراب والعطشان يفرق بين الماء والسراب فيحب ما يشبعه ويرويه ; دون ما لا ينفعه والجميع مخلوق لله تعالى فالحي - وإن [ ص: 107 ] كان من كان - لا بد أن يفرق بين ما ينفعه وينعمه ويسره وبين ما يضره ويشقيه ويؤلمه . وهذا حقيقة الأمر والنهي فإن الله تعالى أمر العباد بما ينفعهم ونهاهم عما يضرهم .



والناس في الشرع والقدر على " أربعة أنواع " فشر الخلق من يحتج بالقدر لنفسه ولا يراه حجة لغيره يستند إليه في الذنوب والمعائب ولا يطمئن إليه في المصائب كما قال بعض العلماء : أنت عند الطاعة قدري وعند المعصية جبري أي مذهب وافق هواك تمذهبت به . وبإزاء هؤلاء خير الخلق الذين يصبرون على المصائب ويستغفرون من المعائب كما قال تعالى : { فاصبر إن وعد الله حق واستغفر لذنبك } وقال تعالى : { ما أصاب من مصيبة في الأرض ولا في أنفسكم إلا في كتاب من قبل أن نبرأها إن ذلك على الله يسير } { لكي لا تأسوا على ما فاتكم ولا تفرحوا بما آتاكم } وقال تعالى { ما أصاب من مصيبة إلا بإذن الله ومن يؤمن بالله يهد قلبه } قال بعض السلف : هو الرجل تصيبه المصيبة فيعلم أنها من عند الله فيرضى ويسلم . قال تعالى { والذين إذا فعلوا فاحشة أو ظلموا أنفسهم ذكروا الله فاستغفروا لذنوبهم ومن يغفر الذنوب إلا الله ولم يصروا على ما فعلوا وهم يعلمون } .

وقد ذكر الله تعالى عن آدم عليه السلام أنه لما فعل ما فعل قال { ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين } وعن إبليس أنه قال { بما أغويتني لأزينن لهم في الأرض ولأغوينهم أجمعين } فمن تاب أشبه [ ص: 108 ] أباه آدم ومن أصر واحتج بالقدر أشبه إبليس . والحديث الذي في الصحيحين في احتجاج آدم وموسى عليهما السلام لما قال له موسى . { أنت آدم أبو البشر خلقك الله بيده ونفخ فيك من روحه وعلمك أسماء كل شيء لماذا أخرجتنا ونفسك من الجنة ؟ فقال له آدم : أنت موسى الذي اصطفاك الله برسالته وبكلامه وخط لك التوراة بيده فبكم وجدت مكتوبا علي قبل أن أخلق { وعصى آدم ربه فغوى } قال : بكذا وكذا سنة قال فحج آدم موسى } . وهذا الحديث في الصحيحين من حديث أبي هريرة وقد روي بإسناد جيد من حديث عمر رضي الله عنه .

فآدم عليه السلام إنما حج موسى لأن موسى لامه على ما فعل لأجل ما حصل لهم من المصيبة بسبب أكله من الشجرة لم يكن لومه له لأجل حق الله في الذنب . فإن آدم كان قد تاب من الذنب كما قال تعالى { فتلقى آدم من ربه كلمات فتاب عليه } وقال تعالى { ثم اجتباه ربه فتاب عليه وهدى } وموسى - ومن هو دون موسى - عليه السلام يعلم أنه بعد التوبة والمغفرة لا يبقى ملام على الذنب وآدم أعلم بالله من أن يحتج بالقدر على الذنب وموسى عليه السلام أعلم بالله تعالى من أن يقبل هذه الحجة فإن هذه لو كانت حجة على الذنب لكانت حجة لإبليس عدو آدم وحجة لفرعون عدو موسى وحجة لكل كافر وفاجر وبطل أمر الله ونهيه ; بل إنما كان القدر حجة لآدم على موسى لأنه لام غيره لأجل المصيبة التي حصلت له بفعل ذلك وتلك المصيبة كانت مكتوبة عليه .

[ ص: 109 ] وقد قال تعالى : { ما أصاب من مصيبة إلا بإذن الله ومن يؤمن بالله يهد قلبه } . وقال أنس : { خدمت النبي صلى الله عليه وسلم عشر سنين فما قال لي : أف قط ولا قال لشيء فعلته : لم فعلته ؟ ولا لشيء لم أفعله : لم لا فعلته ؟ وكان بعض أهله إذا عاتبني على شيء يقول دعوه فلو قضي شيء لكان } وفي الصحيحين عن عائشة رضي الله عنها قالت { ما ضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم بيده خادما ولا امرأة ولا دابة ولا شيئا قط إلا أن يجاهد في سبيل الله ولا نيل منه شيء قط فانتقم لنفسه إلا أن تنتهك محارم الله فإذا انتهكت محارم الله لم يقم لغضبه شيء حتى ينتقم لله } . وقد قال صلى الله عليه وسلم { لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها } . ففي أمر الله ونهيه يسارع إلى الطاعة ويقيم الحدود على من تعدى حدود الله ولا تأخذه في الله لومة لائم وإذا آذاه مؤذ أو قصر مقصر في حقه عفا عنه ولم يؤاخذه نظرا إلى القدر .

فهذا سبيل الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا . وهذا واجب فيما قدر من المصائب بغير فعل آدمي كالمصائب السماوية أو بفعل لا سبيل فيه إلى العقوبة كفعل آدم عليه السلام فإنه لا سبيل إلى لومه شرعا - لأجل التوبة - ولا قدرا ; لأجل القضاء والقدر . وأما إذا ظلم رجل رجلا فله أن يستوفي مظلمته على وجه العدل وإن عفا عنه كان أفضل له كما قال تعالى { والجروح قصاص فمن تصدق به فهو كفارة له } .

[ ص: 110 ] وأما " الصنف الثالث " فهم الذين لا ينظرون إلى القدر لا في المعائب ولا في المصائب التي هي من أفعال العباد بل يضيفون ذلك كله إلى العبد وإذا أساءوا استغفروا وهذا حسن ; لكن إذا أصابتهم مصيبة بفعل العبد لم ينظروا إلى القدر الذي مضى به عليهم ولا يقولون لمن قصر في حقهم دعوه فلو قضي شيء لكان لا سيما وقد تكون تلك المصيبة بسبب ذنوبهم فلا ينظرون إليها وقد قال تعالى { أولما أصابتكم مصيبة قد أصبتم مثليها قلتم أنى هذا قل هو من عند أنفسكم } وقال تعالى { وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم } وقال تعالى { وإن تصبهم سيئة بما قدمت أيديهم فإن الإنسان كفور } .

ومن هذا قوله تعالى { أينما تكونوا يدرككم الموت ولو كنتم في بروج مشيدة وإن تصبهم حسنة يقولوا هذه من عند الله وإن تصبهم سيئة يقولوا هذه من عندك قل كل من عند الله فمال هؤلاء القوم لا يكادون يفقهون حديثا } { ما أصابك من حسنة فمن الله وما أصابك من سيئة فمن نفسك } . فإن هذه الآية تنازع فيها كثير من مثبتي القدر ونفاته : هؤلاء يقولون الأفعال كلها من الله لقوله تعالى : { قل كل من عند الله } . وهؤلاء يقولون : الحسنة من الله والسيئة من نفسك لقوله { ما أصابك من حسنة فمن الله وما أصابك من سيئة فمن نفسك } .

وقد يجيبهم الأولون بقراءة مكذوبة { فمن نفسك } بالفتح على معنى الاستفهام وربما قدر بعضهم تقديرا : أي أفمن نفسك ؟ وربما قدر بعضهم القول في قوله تعالى { ما أصابك } فيقولون : تقدير الآية { فمال هؤلاء القوم لا يكادون يفقهون حديثا } يقولون فيحرفون لفظ القرآن ومعناه ويجعلون ما هو من قول الله - قول الصدق - من قول المنافقين الذين أنكر الله قولهم ويضمرون في القرآن ما لا دليل على ثبوته بل سياق الكلام ينفيه ; فكل من هاتين الطائفتين جاهلة بمعنى القرآن وبحقيقة المذهب الذي تنصره .

وأما القرآن فالمراد منه هنا بالحسنات والسيئات النعم والمصائب ; ليس المراد الطاعات والمعاصي وهذا كقوله تعالى : { إن تمسسكم حسنة تسؤهم وإن تصبكم سيئة يفرحوا بها وإن تصبروا وتتقوا لا يضركم كيدهم شيئا } وكقوله : { إن تصبك حسنة تسؤهم وإن تصبك مصيبة يقولوا قد أخذنا أمرنا من قبل ويتولوا وهم فرحون } { قل لن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا هو مولانا } الآية . ومنه قوله تعالى { وبلوناهم بالحسنات والسيئات لعلهم يرجعون } كما قال تعالى : { ونبلوكم بالشر والخير فتنة وإلينا ترجعون } أي بالنعم والمصائب .

وهذا بخلاف قوله { من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها ومن جاء بالسيئة فلا يجزى إلا مثلها } وأمثال ذلك فإن المراد بها الطاعة والمعصية وفي كل موضع ما يبين المراد باللفظ فليس في القرآن العزيز بحمد الله تعالى إشكال ; بل هو مبين . وذلك أنه إذا قال : { ما أصابك } وما { مسك } ونحو ذلك كان من فعل غيرك بك كما قال { ما أصابك من حسنة فمن الله وما أصابك من سيئة فمن نفسك } وكما قال تعالى { إن تصبك حسنة تسؤهم } وقال تعالى { وإن تصبهم سيئة بما قدمت أيديهم } .

[ ص: 112 ] وإذا قال { من جاء بالحسنة } كانت من فعله لأنه هو الجائي بها فهذا يكون فيما فعله العبد لا فيما فعل به . وسياق الآية يبين ذلك فإنه ذكر هذا في سياق الحض على الجهاد وذم المتخلفين عنه فقال تعالى { يا أيها الذين آمنوا خذوا حذركم فانفروا ثبات أو انفروا جميعا } { وإن منكم لمن ليبطئن فإن أصابتكم مصيبة قال قد أنعم الله علي إذ لم أكن معهم شهيدا } { ولئن أصابكم فضل من الله ليقولن كأن لم تكن بينكم وبينه مودة يا ليتني كنت معهم فأفوز فوزا عظيما } .

فأمر سبحانه بالجهاد وذم المثبطين وذكر ما يصيب المؤمنين تارة من المصيبة فيه وتارة من فضل الله فيه كما أصابهم يوم أحد مصيبة فقال : { أولما أصابتكم مصيبة قد أصبتم مثليها قلتم أنى هذا قل هو من عند أنفسكم } . وأصابهم يوم بدر فضل من الله بنصره لهم وتأييده كما قال تعالى : { ولقد نصركم الله ببدر وأنتم أذلة } ثم إنه سبحانه قال : { فليقاتل في سبيل الله الذين يشرون الحياة الدنيا بالآخرة ومن يقاتل في سبيل الله فيقتل أو يغلب فسوف نؤتيه أجرا عظيما } { وما لكم لا تقاتلون في سبيل الله والمستضعفين من الرجال والنساء والولدان } - إلى قوله - { أينما تكونوا يدرككم الموت ولو كنتم في بروج مشيدة وإن تصبهم حسنة يقولوا هذه من عند الله وإن تصبهم سيئة يقولوا هذه من عندك } فهذا من كلام الكفار والمنافقين إذا أصابهم نصر وغيره من النعم قالوا هذا من عند الله وإن أصابهم ذل وخوف وغير ذلك من المصائب قالوا : [ ص: 113 ] هذا من عند محمد بسبب الدين الذي جاء به فإن الكفار يضيفون ما أصابهم من المصائب إلى فعل أهل الإيمان .

وقد ذكر نظير ذلك في قصة موسى وفرعون قال تعالى : { ولقد أخذنا آل فرعون بالسنين ونقص من الثمرات لعلهم يذكرون } { فإذا جاءتهم الحسنة قالوا لنا هذه وإن تصبهم سيئة يطيروا بموسى ومن معه ألا إنما طائرهم عند الله } . ونظيره قوله تعالى في سورة يس { قالوا ربنا يعلم إنا إليكم لمرسلون } { وما علينا إلا البلاغ المبين } { قالوا إنا تطيرنا بكم لئن لم تنتهوا لنرجمنكم وليمسنكم منا عذاب أليم } فأخبر الله تعالى أن الكفار كانوا يتطيرون بالمؤمنين فإذا أصابهم بلاء جعلوه بسبب أهل الإيمان وما أصابهم من الخير جعلوه لهم من الله عز وجل فقال تعالى { فمال هؤلاء القوم لا يكادون يفقهون حديثا } والله تعالى نزل أحسن الحديث فلو فهموا القرآن لعلموا أن الله أمرهم بالمعروف ونهاهم عن المنكر أمر بالخير ونهى عن الشر فليس فيما بعث الله به رسله ما يكون سببا للشر بل الشر حصل بذنوب العباد فقال تعالى { ما أصابك من حسنة فمن الله } أي ما أصابك من نصر ورزق وعافية فمن الله نعمة أنعم بها عليك وإن كانت بسبب أعمالك الصالحة فهو الذي هداك وأعانك ويسرك لليسرى ومن عليك بالإيمان وزينه في قلبك وكره إليك الكفر والفسوق والعصيان .

وفي آخر الحديث الصحيح الإلهي حديث أبي ذر عن النبي صلى الله عليه وسلم فيما يروي عن ربه تبارك وتعالى { يا عبادي إنما هي أعمالكم أحصيها لكم [ ص: 114 ] ثم أوفيكم إياها فمن وجد خيرا فليحمد الله ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه } وفي الحديث الصحيح { سيد الاستغفار أن يقول العبد : اللهم أنت ربي لا إله إلا أنت خلقتني وأنا عبدك وأنا على عهدك ووعدك ما استطعت أعوذ بك من شر ما صنعت أبوء لك بنعمتك علي وأبوء بذنبي ; فاغفر لي إنه لا يغفر الذنوب إلا أنت . من قالها إذا أصبح موقنا بها فمات من يومه ذلك دخل الجنة ومن قالها إذا أمسى موقنا بها فمات من ليلته دخل الجنة } .

ثم قال تعالى { وما أصابك من سيئة } من ذل وخوف وهزيمة كما أصابهم يوم أحد { فمن نفسك } أي بذنوبك وخطاياك وإن كان ذلك مكتوبا مقدرا عليك فإن القدر ليس حجة لأحد لا على الله ولا على خلقه ولو جاز لأحد أن يحتج بالقدر على ما يفعله من السيئات لم يعاقب ظالم ولم يقاتل مشرك ولم يقم حد ولم يكف أحد عن ظلم أحد وهذا من الفساد في الدين والدنيا المعلوم ضرورة فساده للعالم بصريح المعقول المطابق لما جاء به الرسول .

فالقدر يؤمن به ولا يحتج به فمن لم يؤمن بالقدر ضارع المجوس ومن احتج به ضارع المشركين ومن أقر بالأمر والقدر وطعن في عدل الله وحكمته كان شبيها بإبليس فإن الله ذكر عنه أنه طعن في حكمته وعارضه برأيه وهواه وأنه قال { بما أغويتني لأزينن لهم في الأرض ولأغوينهم أجمعين } .

وقد ذكر طائفة من أهل الكتاب وبعض المصنفين في المقالات كالشهرستاني [ ص: 115 ] أنه ناظر الملائكة في ذلك معارضا لله تعالى في خلقه وأمره ; لكن هذه المناظرة بين إبليس والملائكة التي ذكرها الشهرستاني في أول المقالات ونقلها عن بعض أهل الكتاب ليس لها إسناد يعتمد عليه ولو وجدناها في كتب أهل الكتاب لم يجز أن نصدقها لمجرد ذلك فإن النبي صلى الله عليه وسلم ثبت عنه في الصحيح أنه قال { إذا حدثكم أهل الكتاب فلا تصدقوهم ولا تكذبوهم فإما أن يحدثوكم بحق فتكذبونه وإما أن يحدثوكم بباطل فتصدقونه } .

ويشبه - والله أعلم - أن تكون تلك المناظرة من وضع بعض المكذبين بالقدر إما من أهل الكتاب وإما من المسلمين . والشهرستاني نقلها من كتب المقالات والمصنفون في المقالات ينقلون كثيرا من المقالات من كتب المعتزلة كما نقل الأشعري وغيره ما نقله في المقالات من كتب المعتزلة فإنهم من أكثر الطوائف وأولها تصنيفا في هذا الباب ولهذا توجد المقالات منقولة بعباراتهم فوضعوا هذه المناظرة على لسان إبليس كما رأينا كثيرا منهم يضع كتابا أو قصيدة على لسان بعض اليهود أو غيرهم ومقصودهم بذلك الرد على المثبتين للقدر يقولون إن حجة الله على خلقه لا تتم إلا بالتكذيب بالقدر ; كما وضعوا في مثالب ابن كلاب أنه كان نصرانيا لأنه أثبت الصفات وعندهم من أثبت الصفات فقد أشبه النصارى وتتلقى أمثال هذه الحكايات بالقبول من المنتسبين إلى السنة ممن لم يعرف حقيقة أمرها .

والمقصود هنا أن الآية الكريمة حجة على هؤلاء وهؤلاء : حجة على من يحتج بالقدر فإن الله تعالى أخبر أنه عذبهم بذنوبهم فلو كانت حجتهم مقبولة [ ص: 116 ] لم يعذبهم بذنوبهم وحجة على من كذب بالقدر فإنه سبحانه أخبر أن الحسنة من الله وأن السيئة من نفس العبد والقدرية متفقون على أن العبد هو المحدث للمعصية كما هو المحدث للطاعة والله عندهم ما أحدث لا هذا ولا هذا ; بل أمر بهذا ونهى عن هذا .

وليس عندهم لله نعمة أنعمها على عباده المؤمنين في الدين إلا وقد أنعم بمثلها على الكفار فعندهم أن علي بن أبي طالب رضي الله عنه وأبا لهب مستويان في نعمة الله الدينية إذ كل منهما أرسل إليه الرسول وأقدر على الفعل وأزيحت علته لكن هذا فعل الإيمان بنفسه من غير أن يخصه بنعمة آمن بها وهذا فعل الكفر بنفسه من غير أن يفضل الله عليه ذلك المؤمن ولا خصه بنعمة آمن لأجلها وعندهم أن الله حبب الإيمان إلى الكفار كأبي لهب وأمثاله كما حببه إلى المؤمنين كعلي رضي الله عنه وأمثاله وزينه في قلوب الطائفتين وكره الكفر والفسوق والعصيان إلى الطائفتين سواء لكن هؤلاء كرهوا ما كرهه الله إليهم بغير نعمة خصهم بها وهؤلاء لم يكرهوا ما كرهه الله إليهم .

ومن توهم عنهم أو من نقل عنهم أن الطاعة من الله والمعصية من العبد فهو جاهل بمذهبهم ; فإن هذا لم يقله أحد من علماء القدرية ولا يمكن أن يقوله فإن أصل قولهم إن فعل العبد للطاعة كفعله للمعصية كلاهما فعله بقدرة تحصل له من غير أن يخصه الله بإرادة خلقها فيه ولا قوة جعلها فيه تختص بأحدهما فإذا احتجوا بهذه الآية على مذهبهم كانوا جاهلين بمذهبهم وكانت الآية حجة عليهم [ ص: 117 ] لا لهم ; لأنه تعالى قال : { قل كل من عند الله } وعندهم ليس الحسنات المفعولة ولا السيئات المفعولة من عند الله بل كلاهما من العبد وقوله تعالى { ما أصابك من حسنة فمن الله وما أصابك من سيئة فمن نفسك } مخالف لقولهم فإن عندهم الحسنة المفعولة والسيئة المفعولة من العبد لا من الله سبحانه .

وكذلك من احتج من مثبتة القدر بالآية على إثباته إذا احتج بقوله تعالى { قل كل من عند الله } كان مخطئا ; فإن الله ذكر هذه الآية ردا على من يقول الحسنة من الله والسيئة من العبد ولم يقل أحد من طوائف الناس ; أن الحسنة المفعولة من الله والسيئة المفعولة من العبد .

وأيضا فإن نفس فعل العبد وإن قال أهل الإثبات : أن الله خلقه وهو مخلوق له ومفعول له ; فإنهم لا ينكرون أن العبد هو المتحرك بالأفعال وبه قامت ومنه نشأت وإن كان الله خلقها .

وأيضا فإن قوله بعد هذا { ما أصابك من حسنة فمن الله وما أصابك من سيئة فمن نفسك } يمتنع أن يفسر بالطاعة والمعصية ; فإن أهل الإثبات لا يقولون : إن الله خالق إحداهما دون الأخرى ; بل يقولون إن الله خالق لجميع الأفعال وكل الحوادث .

ومما ينبغي أن يعلم أن مذهب سلف الأمة - مع قولهم : الله خالق كل [ ص: 118 ] شيء وربه ومليكه وأنه ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن وأنه على كل شيء قدير وأنه هو الذي خلق العبد هلوعا إذا مسه الشر جزوعا وإذا مسه الخير منوعا ونحو ذلك - إن العبد فاعل حقيقة وله مشيئة وقدرة قال تعالى : { لمن شاء منكم أن يستقيم } { وما تشاءون إلا أن يشاء الله رب العالمين } وقال تعالى { إن هذه تذكرة فمن شاء اتخذ إلى ربه سبيلا } { وما تشاءون إلا أن يشاء الله } وقال تعالى : { كلا إنه تذكرة } { فمن شاء ذكره } { وما يذكرون إلا أن يشاء الله هو أهل التقوى وأهل المغفرة } .

وهذا الموضع اضطرب فيه الخائضون في القدر فقالت المعتزلة ونحوهم من النفاة : الكفر والفسوق والعصيان أفعال قبيحة والله منزه عن فعل القبيح باتفاق المسلمين فلا تكون فعلا له .

وقال من رد عليهم من المائلين إلى الجبر بل هي فعله وليست أفعالا للعباد بل هي كسب للعبد : وقالوا : إن قدرة العبد لا تأثير لها في حدوث مقدورها ولا في صفة من صفاتها وإن الله أجرى العادة بخلق مقدورها مقارنا لها فيكون الفعل خلقا من الله إبداعا وإحداثا وكسبا من العبد لوقوعه مقارنا لقدرته وقالوا : إن العبد ليس محدثا لأفعاله ولا موجدا لها ومع هذا فقد يقولون : إنا لا نقول بالجبر المحض بل نثبت للعبد قدرة حادثة والجبري المحض الذي لا يثبت للعبد قدرة .

[ ص: 119 ] وأخذوا يفرقون بين الكسب الذي أثبتوه وبين الخلق فقالوا : الكسب عبارة عن اقتران المقدور بالقدرة الحادثة والخلق هو المقدور بالقدرة القديمة وقالوا : أيضا الكسب هو الفعل القائم بمحل القدرة عليه والخلق هو الفعل الخارج عن محل القدرة عليه .

فقال لهم الناس : هذا لا يوجب فرقا بين كون العبد كسب وبين كونه فعل وأوجد وأحدث وصنع وعمل ونحو ذلك ; فإن فعله وإحداثه وعمله وصنعه هو أيضا مقدور بالقدرة الحادثة وهو قائم في محل القدرة الحادثة .

و ( أيضا فهذا فرق لا حقيقة له فإن كون المقدور في محل القدرة أو خارجا عن محلها لا يعود إلى نفس تأثير القدرة فيه : وهو مبني على " أصلين " إن الله لا يقدر على فعل يقوم بنفسه وإن خلقه للعالم هو نفس العالم وأكثر العقلاء من المسلمين وغيرهم على خلاف ذلك .

و ( الثاني إن قدرة العبد لا يكون مقدورها إلا في محل وجودها ولا يكون شيء من مقدورها خارجا عن محلها . وفي ذلك نزاع طويل ليس هذا موضعه .

و ( أيضا فإذا فسر التأثير بمجرد الاقتران فلا فرق بين أن يكون الفارق في المحل أو خارجا عن المحل .

و ( أيضا قال لهم المنازعون : من المستقر في فطر الناس أن من فعل [ ص: 120 ] العدل فهو عادل ومن فعل الظلم فهو ظالم ومن فعل الكذب فهو كاذب فإذا لم يكن العبد فاعلا لكذبه وظلمه وعدله بل الله فاعل ذلك لزم أن يكون هو المتصف بالكذب والظلم قالوا : وهذا كما قلتم أنتم وسائر الصفاتية : من المستقر في فطر الناس أن من قام به العلم فهو عالم ومن قامت به القدرة فهو قادر ومن قامت به الحركة فهو متحرك ومن قام به التكلم فهو متكلم ومن قامت به الإرادة فهو مريد وقلتم إذا كان الكلام مخلوقا كان كلاما للمحل الذي خلقه فيه كسائر الصفات فهذه القاعدة المطردة فيمن قامت به الصفات نظيرها أيضا من فعل الأفعال .

وقالوا أيضا : القرآن مملوء بذكر إضافة هذه الأفعال إلى العباد كقوله تعالى : { جزاء بما كانوا يعملون } وقوله : { اعملوا ما شئتم } وقوله : { وقل اعملوا فسيرى الله عملكم } وقوله : { إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات } وأمثال ذلك .

وقالوا ( أيضا إن الشرع والعقل متفقان على أن العبد يحمد ويذم على فعله ويكون حسنة له أو سيئة فلو لم يكن إلا فعل غيره لكان ذلك الغير هو المحمود المذموم عليها .

وفي " المسألة " كلام ليس هذا موضع بسطه لكن ننبه على نكت نافعة في هذا الموضع المشكل فنقول : [ ص: 121 ] قول القائل : هذا فعل هذا وفعل هذا : لفظ فيه إجمال ; فإنه تارة يراد بالفعل نفس الفعل وتارة يراد به مسمى المصدر . فيقول فعلت هذا أفعله فعلا وعملت هذا أعمله عملا فإذا أريد بالعمل نفس الفعل الذي هو مسمى المصدر كصلاة الإنسان وصيامه ونحو ذلك فالعمل هنا هو المعمول وقد اتحد هنا مسمى المصدر والفعل ; وإذا أريد بذلك ما يحصل بعمله كنساجة الثوب وبناء الدار ونحو ذلك فالعمل هنا غير المعمول قال تعالى { يعملون له ما يشاء من محاريب وتماثيل وجفان كالجواب وقدور راسيات } فجعل هذه المصنوعات معمولة للجن . ومن هذا الباب قوله تعالى { والله خلقكم وما تعملون } فإنه في أصح القولين { ما } بمعنى الذي والمراد به ما تنحتونه من الأصنام كما قال تعالى { أتعبدون ما تنحتون } { والله خلقكم وما تعملون } أي والله خلقكم وخلق الأصنام التي تنحتونها . ومنه حديث حذيفة عن النبي صلى الله عليه وسلم { إن الله خالق كل صانع وصنعته } لكن قد يستدل بالآية على أن الله خلق أفعال العباد من وجه آخر فيقال : إذا كان خالقا لما يعملونه من المنحوتات لزم أن يكون هو الخالق للتأليف الذي أحدثوه فيها فإنها إنما صارت أوثانا بذلك التأليف وإلا فهي بدون ذلك ليست معمولة لهم وإذا كان خالقا للتأليف كان خالقا لأفعالهم .

والمقصود أن لفظ " الفعل " و " العمل " و " الصنع " أنواع وذلك كلفظ البناء والخياطة والنجارة تقع على نفس مسمى المصدر وعلى المفعول وكذلك لفظ " التلاوة " و " القراءة " و " الكلام " و " القول " يقع على نفس مسمى [ ص: 122 ] المصدر وعلى ما يحصل بذلك من نفس القول والكلام فيراد بالتلاوة والقراءة نفس القرآن المقروء المتلو ; كما يراد بها مسمى المصدر .

والمقصود هنا أن القائل إذا قال هذه التصرفات فعل الله أو فعل العبد ; فإن أراد بذلك أنها فعل الله بمعنى المصدر فهذا باطل باتفاق المسلمين وبصريح العقل ولكن من قال هي فعل الله وأراد به أنها مفعولة مخلوقة لله كسائر المخلوقات [ فهذا حق ] .

ثم من هؤلاء من قال إنه ليس لله فعل يقوم به فلا فرق عنده بين فعله ومفعوله وخلقه ومخلوقه .

وأما الجمهور الذين يفرقون بين هذا وهذا فيقولون هذه مخلوقة لله مفعولة لله ليست هي نفس فعله وأما العبد فهي فعله القائم به وهي أيضا مفعولة له إذا أريد بالفعل المفعول ; فمن لم يفرق في حق الرب تعالى بين الفعل والمفعول إذا قال إنها فعل الله تعالى وليس لمسمى فعل الله عنده معنيان وحينئذ فلا تكون فعلا للعبد ولا مفعولة له بطريق الأولى وبعض هؤلاء قال هي فعل للرب وللعبد فأثبت مفعولا بين فاعلين .

وأكثر المعتزلة يوافقون هؤلاء على أن فعل الرب تعالى لا يكون إلا بمعنى مفعوله مع أنهم يفرقون في العبد بين الفعل والمفعول ; فلهذا عظم النزاع [ ص: 123 ] وأشكلت المسألة على الطائفتين وحاروا فيها .

وأما من قال : خلق الرب تعالى لمخلوقاته ليس هو نفس مخلوقاته قال : إن أفعال العباد مخلوقة كسائر المخلوقات ومفعولة للرب كسائر المفعولات ولم يقل : إنها نفس فعل الرب وخلقه بل قال إنها نفس فعل العبد وعلى هذا تزول الشبهة ; فإنه يقال الكذب والظلم ونحو ذلك من القبائح يتصف بها من كانت فعلا له كما يفعلها العبد وتقوم به ولا يتصف بها من كانت مخلوقة له إذا كان قد جعلها صفة لغيره كما أنه سبحانه لا يتصف بما خلقه في غيره من الطعوم والألوان والروائح والأشكال والمقادير والحركات وغير ذلك ; فإذا كان قد خلق لون الإنسان لم يكن هو المتلون به وإذا خلق رائحة منتنة أو طعما مرا أو صورة قبيحة ونحو ذلك مما هو مكروه مذموم مستقبح لم يكن هو متصفا بهذه المخلوقات القبيحة المذمومة المكروهة والأفعال القبيحة . ومعنى قبحها كونها ضارة لفاعلها وسببا لذمه وعقابه وجالبة لألمه وعذابه . وهذا أمر يعود على الفاعل الذي قامت به ; لا على الخالق الذي خلقها فعلا لغيره .

ثم على قول الجمهور الذين يقولون له حكمة فيما خلقه في العالم مما هو مستقبح وضار ومؤذ يقولون : له فيما خلقه من هذه الأفعال القبيحة الضارة لفاعلها حكمة عظيمة ; كما له حكمة عظيمة فيما خلقه من الأمراض والغموم . ومن يقول : لا تعلل أفعاله لا يعلل لا هذا ولا هذا .

[ ص: 124 ] يوضح ذلك أن الله تعالى إذا خلق في الإنسان عمى ومرضا وجوعا وعطشا ووصبا ونصبا ونحو ذلك كان العبد هو المريض الجائع العطشان المتألم فضرر هذه المخلوقات وما فيها من الأذى والكراهة عاد إليه ولا يعود إلى الله تعالى شيء من ذلك فكذلك ما خلق فيه من كذب وظلم وكفر ونحو ذلك هي أمور ضارة مكروهة مؤذية . وهذا معنى كونها سيئات وقبائح أي أنها تسوء صاحبها وتضره وقد تسوء أيضا غيره وتضره كما أن مرضه ونتن ريحه ونحو ذلك قد يسوء غيره ويضره .

يبين ذلك أن القدرية سلموا أن الله قد يخلق في العبد كفرا وفسوقا على سبيل الجزاء كما في قوله تعالى { ونقلب أفئدتهم وأبصارهم كما لم يؤمنوا به أول مرة } وقوله { في قلوبهم مرض فزادهم الله مرضا } وقوله { فلما زاغوا أزاغ الله قلوبهم } .

ثم إنه من المعلوم أن هذه المخلوقات تكون فعلا للعبد وكسبا له يجزى عليها ويستحق الذم عليها والعقاب وهي مخلوقة لله تعالى فالقول عند أهل الإثبات فيما يخلقه من أعمال العباد ابتداء كالقول فيما يخلقه جزاء من هذا الوجه وإن افترقا من وجه آخر وهم لا يمكنهم أن يفرقوا بينهما بفرق يعود إلى كون هذا فعلا لله دون هذا وهذا فعلا للعبد دون هذا ; ولكن يقولون إن هذا يحسن من الله تعالى لكونه جزاء للعبد وذلك لا يحسن منه لكونه ابتداء للعبد [ ص: 125 ] بما يضره وهم يقولون لا يحسن منه أن يضر الحيوان إلا بجرم سابق أو عوض لاحق .

وأما أهل الإثبات للقدر فمن لم يعلل منهم لا يفرق بين مخلوق ومخلوق . وأما القائلون بالحكمة وهم الجمهور فيقولون : لله تعالى فيما يخلقه من أذى الحيوان حكم عظيمة كما له حكم في غير هذا ونحن لا نحصر حكمته في الثواب والعوض فإن هذا قياس لله تعالى على الواحد من الناس وتمثيل لحكمة الله وعدله بحكمة الواحد من الناس وعدله .

و " المعتزلة " مشبهة في الأفعال معطلة في الصفات ومن أصولهم الفاسدة أنهم يصفون الله بما يخلقه في العالم إذ ليس عندهم صفة لله قائمة به ولا فعل قائم به فيسمونه به ويصفونه بما يخلقه في العالم : مثل قولهم : هو متكلم بكلام يخلقه في غيره ومريد بإرادة يحدثها لا في محل وقولهم : أن رضاه وغضبه وحبه وبغضه هو نفس المخلوق الذي يخلقه من الثواب والعقاب وقولهم : إنه لو كان خالقا لظلم العبد وكذبه لكان هو الظالم الكاذب . وأمثال ذلك من الأقوال التي إذا تدبرها العاقل علم فسادها بالضرورة . ولهذا اشتد نكير السلف والأئمة عليهم لا سيما لما أظهروا القول بأن القرآن مخلوق وعلم السلف أن هذا في الحقيقة هو إنكار لكلام الله تعالى وأنه لو كان كلامه هو ما يخلقه للزم أن يكون كل كلام مخلوق كلاما له فيكون إنطاقه للجلود يوم القيامة وإنطاقه للجبال والحصى بالتسبيح وشهادة الأيدي والأرجل ونحو ذلك كلاما له وإذا كان خالقا لكل [ ص: 126 ] شيء كان كل كلام موجود كلامه وهذا قول الحلولية من الجهمية كصاحب الفصوص وأمثاله ولهذا يقولون :

وكل كلام في الوجود كلامه سواء علينا نثره ونظامه

وقد علم بصريح المعقول أن الله تعالى إذا خلق صفة في محل كانت صفة لذلك المحل فإذا خلق حركة في محل كان ذلك المحل هو المتحرك بها ; وإذا خلق لونا أو ريحا في جسم كان هو المتلون المتروح بذلك وإذا خلق علما أو قدرة أو حياة في محل كان ذلك المحل هو العالم القادر الحي فكذلك إذا خلق إرادة وحبا وبغضا في محل كان هو المريد المحب المبغض وإذا خلق فعلا لعبد كان العبد هو الفاعل فإذا خلق له كذبا وظلما وكفرا كان العبد هو الكاذب الظالم الكافر وإن خلق له صلاة وصوما وحجا كان العبد هو المصلي الصائم الحاج .

والله تعالى لا يوصف بشيء من مخلوقاته بل صفاته قائمة بذاته وهذا مطرد على أصول السلف وجمهور المسلمين من أهل السنة وغيرهم ويقولون إن خلق الله للسموات والأرض ليس هو نفس السموات والأرض ; بل الخلق غير المخلوق لا سيما مذهب السلف والأئمة وأهل السنة الذين وافقوهم على إثبات صفات الله وأفعاله . فإن المعتزلة ومن وافقهم من الجهمية والقدرية نقضوا هذا الأصل على من لم يقل إن الخلق غير المخلوق كالأشعري ومن وافقه فقالوا ; [ ص: 127 ] إذا قلتم إن الصفة إذا قامت بمحل عاد حكمها على ذلك المحل دون غيره - كما ذكرتم في الحركة والعلم والقدرة وسائر الأعراض - انتقض ذلك عليكم بالعدل والإحسان وغيرهما من أفعال الله تعالى فإنه يسمى عادلا بعدل خلقه في غيره محسنا بإحسان خلقه في غيره فكذا يسمى متكلما بكلام خلقه في غيره .

والجمهور من أهل السنة وغيرهم يجيبون بالتزام هذا الأصل ويقولون إنما كان عادلا بالعدل الذي قام بنفسه ومحسنا بالإحسان الذي قام بنفسه . وأما المخلوق الذي حصل للعبد فهو أثر ذلك كما أنه رحمن رحيم بالرحمة التي هي صفته وأما ما يخلقه من الرحمة فهو أثر تلك الرحمة واسم الصفة يقع تارة على الصفة التي هي مسمى المصدر ويقع تارة على متعلقها الذي هو مسمى المفعول كلفظ " الخلق " يقع تارة على الفعل وعلى المخلوق أخرى والرحمة تقع على هذا وهذا وكذلك الأمر يقع على أمره الذي هو مصدر أمر يأمر أمرا ويقع على المفعول تارة كقوله تعالى { وكان أمر الله قدرا مقدورا } وكذلك لفظ " العلم " يقع على المعلوم و " القدرة " تقع على المقدور ونظائر هذا متعددة . وقد استدل الإمام أحمد وغيره من أئمة السنة في جملة ما استدلوا على أن كلام الله غير مخلوق بقوله عليه السلام { أعوذ بكلمات الله التامات } ونحو ذلك وقالوا الاستعاذة لا تحصل بالمخلوق ونظير هذا قول النبي صلى الله عليه وسلم { اللهم إني أعوذ برضاك من سخطك وبمعافاتك من عقوبتك وبك منك } .

[ ص: 128 ] ومن تدبر هذا الباب ونحوه وجد أهل البدع والضلال لا يستطيلون على فريق من المنتسبين إلى السنة والهدى إلا بما دخلوا فيه من نوع بدعة أخرى وضلال آخر لا سيما إذا وافقوهم على ذلك فيحتجون عليهم بما وافقوهم عليه من ذلك ويطلبون لوازمه حتى يخرجوهم من الدين إن استطاعوا خروج الشعرة من العجين كما فعلت القرامطة الباطنية والفلاسفة وأمثالهم بفريق من طوائف المسلمين .

و " المعتزلة " استطالوا على " الأشعرية " ونحوهم من المثبتين للصفات والقدر بما وافقوهم عليه من نفي الأفعال القائمة بالله تعالى فنقضوا بذلك أصلهم الذي استدلوا به عليهم في أن كلام الله غير مخلوق وأن الكلام وغيره من الأمور إذا خلق بمحل عاد حكمه على ذلك المحل . واستطالوا عليهم بذلك في " مسألة القدر " واضطروهم إلى أن جعلوا نفس ما يفعله العبد من القبيح فعلا لله رب العالمين دون العبد ثم أثبتوا كسبا لا حقيقة له ; فإنه لا يعقل من حيث تعلق القدرة بالمقدور فرق بين الكسب والفعل ; ولهذا صار الناس يسخرون بمن قال هذا ويقولون : ثلاثة أشياء لا حقيقة لها : طفرة النظام وأحوال أبي هاشم وكسب الأشعري .

واضطروهم إلى أن فسروا تأثير القدرة في المقدور بمجرد الاقتران العادي والاقتران العادي يقع بين كل ملزوم ولازمه ويقع بين المقدور والقدرة فليس جعل هذا مؤثرا في هذا بأولى من العكس ويقع بين المعلول وعلته [ ص: 129 ] المنفصلة عنه مع أن قدرة العباد عنده لا تتجاوز محلها . ولهذا فر القاضي أبو بكر إلى قول وأبو إسحاق الإسفراييني إلى قول وأبو المعالي الجويني إلى قول ; لما رأوا ما في هذا القول من التناقض . والكلام على هذا مبسوط في موضعه والمقصود هنا التنبيه .

ومن النكت في هذا الباب أن لفظ " التأثير " ولفظ " الجبر " ولفظ " الرزق " ونحو ذلك ألفاظ جملة فإذا قال القائل : هل قدرة العبد مؤثرة في مقدورها أم لا ؟ قيل له أولا : لفظ القدرة يتناول نوعين : ( أحدهما القدرة الشرعية المصححة للفعل التي هي مناط الأمر والنهي .

( والثاني القدرة القدرية الموجبة للفعل التي هي مقارنة للمقدور لا يتأخر عنها . فالأولى هي المذكورة في قوله تعالى { ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا } فإن هذه الاستطاعة لو كانت هي المقارنة للفعل لم يجب حج البيت إلا على من حج فلا يكون من لم يحجج عاصيا بترك الحج سواء كان له زاد وراحلة وهو قادر على الحج أو لم يكن . وكذلك { قول النبي صلى الله عليه وسلم لعمران بن حصين صل قائما فإن لم تستطع فقاعدا فإن لم تستطع فعلى جنب } وكذا قوله تعالى { فاتقوا الله ما استطعتم } وقوله صلى الله عليه وسلم { إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم } لو أراد استطاعة لا تكون إلا مع الفعل لكان قد قال فافعلوا منه ما تفعلون فلا يكون من لم يفعل شيئا عاصيا [ ص: 130 ] له وهذه الاستطاعة المذكورة في كتب الفقه ولسان العموم .



والناس متنازعون في مسمى الاستطاعة والقدرة فمنهم من لا يثبت استطاعة إلا هذه ويقولون الاستطاعة لا بد أن تكون قبل الفعل ومنهم من لا يثبت استطاعة إلا ما قارن الفعل وتجد كثيرا من الفقهاء يتناقضون ; فإذا خاضوا مع من يقول من المتكلمين - المثبتين للقدر - أن الاستطاعة لا تكون إلا مع الفعل وافقوهم على ذلك وإذا خاضوا في الفقه أثبتوا الاستطاعة المتقدمة التي هي مناط الأمر والنهي .

وعلى هذا تتفرع " مسألة تكليف ما لا يطاق " فإن الطاقة هي الاستطاعة وهي لفظ مجمل . فالاستطاعة الشرعية التي هي مناط الأمر والنهي لم يكلف الله أحدا شيئا بدونها فلا يكلف ما لا يطاق بهذا التفسير وأما الطاقة التي لا تكون إلا مقارنة للفعل فجميع الأمر والنهي تكليف ما لا يطاق بهذا الاعتبار فإن هذه ليست مشروطة في شيء من الأمر والنهي باتفاق المسلمين .

بهذا تنازعهم في العبد هل هو قادر على خلاف المعلوم فإذا أريد بالقدرة القدرة الشرعية التي هي مناط الأمر والنهي كالاستطاعة المذكورة في قوله تعالى { فاتقوا الله ما استطعتم } فكل من أمره الله ونهاه فهو مستطيع بهذا الاعتبار وإن علم أنه لا يطيعه . وإن أريد بالقدرة " القدرية " التي لا تكون إلا مقارنة للمفعول فمن علم أنه لا يفعل الفعل لم تكن هذه القدرة ثابتة له .

[ ص: 131 ] ومن هذا الباب تنازع الناس في " الأمر والإرادة " هل يأمر بما لا يريد أو لا يأمر إلا بما يريد ; فإن الإرادة لفظ فيه إجمال يراد بالإرادة الإرادة الكونية الشاملة لجميع الحوادث كقول المسلمين : ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن . وكقوله تعالى { فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام ومن يرد أن يضله يجعل صدره ضيقا حرجا كأنما يصعد في السماء } وقول نوح عليه السلام { ولا ينفعكم نصحي إن أردت أن أنصح لكم إن كان الله يريد أن يغويكم } ولا ريب أن الله يأمر العباد بما لا يريده بهذا التفسير والمعنى كما قال تعالى { ولو شئنا لآتينا كل نفس هداها } فدل على أنه لم يؤت كل نفس هداها مع أنه قد أمر كل نفس بهداها وكما اتفق العلماء على أن من حلف بالله ليقضين دين غريمه غدا إن شاء الله أو ليردن وديعته أو غصبه أو ليصلين الظهر أو العصر إن شاء الله أو ليصومن رمضان إن شاء الله ونحو ذلك مما أمره الله به فإنه إذا لم يفعل المحلوف عليه لا يحنث مع أن الله أمره به لقوله : إن شاء الله فعلم أن الله لم يشأه مع أمره به .

وأما الإرادة الدينية فهي بمعنى المحبة والرضى وهي ملازمة للأمر كقوله تعالى { يريد الله ليبين لكم ويهديكم سنن الذين من قبلكم ويتوب عليكم } ومنه قول المسلمين : هذا يفعل شيئا لا يريده الله إذا كان يفعل بعض الفواحش أي أنه لا يحبه ولا يرضاه بل ينهى عنه ويكرهه .

وكذلك لفظ " الجبر " فيه إجمال يراد به إكراه الفاعل على الفعل بدون [ ص: 132 ] رضاه كما يقال : إن الأب يجبر المرأة على النكاح والله تعالى أجل وأعظم من أن يكون مجبرا بهذا التفسير فإنه يخلق للعبد الرضا والاختيار بما يفعله وليس ذلك جبرا بهذا الاعتبار ويراد بالجبر خلق ما في النفوس من الاعتقادات والإرادات كقول محمد بن كعب القرظي : الجبار الذي جبر العباد على ما أراد وكما في الدعاء المأثور عن علي رضي الله عنه " جبار القلوب على فطراتها : شقيها وسعيدها " والجبر ثابت بهذا التفسير .

فلما كان لفظ الجبر مجملا نهى الأئمة الأعلام عن إطلاق إثباته أو نفيه .

وكذلك لفظ " الرزق " فيه إجمال فقد يراد بلفظ الرزق ما أباحه أو ملكه فلا يدخل الحرام في مسمى هذا الرزق كما في قوله تعالى { ومما رزقناهم ينفقون } وقوله تعالى { وأنفقوا من ما رزقناكم من قبل أن يأتي أحدكم الموت } وقوله { ومن رزقناه منا رزقا حسنا فهو ينفق منه سرا وجهرا } وأمثال ذلك . وقد يراد بالرزق ما ينتفع به الحيوان وإن لم يكن هناك إباحة ولا تمليك فيدخل فيه الحرام كما في قوله تعالى { وما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها } وقوله عليه السلام في الصحيح : { فيكتب رزقه وعمله وأجله وشقي أو سعيد } .

ولما كان لفظ الجبر والرزق ونحوهما فيها إجمال منع الأئمة من إطلاق ذلك نفيا أو إثباتا كما تقدم عن الأوزاعي وأبي إسحاق الفزاري وغيرهما من الأئمة .

[ ص: 133 ] وكذا لفظ " التأثير " فيه إجمال فإن القدرة مع مقدورها كالسبب مع المسبب والعلة مع المعلول والشرط مع المشروط فإن أريد بالقدرة القدرة الشرعية المصححة للفعل المتقدمة عليه فتلك شرط للفعل وسبب من أسبابه وعلة ناقصة له . وإن أريد بالقدرة القدرة المقارنة للفعل المستلزمة له فتلك علة للفعل وسبب تام ومعلوم أنه ليس في المخلوقات شيء هو وحده علة تامة وسبب تام للحوادث بمعنى أن وجوده مستلزم لوجود الحوادث بل ليس هذا إلا مشيئة الله تعالى خاصة فما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن .

وأما الأسباب المخلوقة كالنار في الإحراق والشمس في الإشراق والطعام والشراب في الإشباع والإرواء ونحو ذلك فجميع هذه الأمور سبب لا يكون الحادث به وحده بل لا بد من أن ينضم إليه سبب آخر ومع هذا فلهما موانع تمنعهما عن الأثر فكل سبب فهو موقوف على وجود الشروط وانتفاء الموانع وليس في المخلوقات واحد يصدر عنه وحده شيء .

وهذا مما يبين لك خطأ المتفلسفة الذين قالوا : الواحد لا يصدر عنه إلا واحد واعتبروا ذلك بالآثار الطبيعية كالمسخن والمبرد ونحو ذلك . فإن هذا غلط فإن التسخين لا يكون إلا بشيئين ( أحدهما فاعل كالنار ( والثاني قابل كالجسم القابل للسخونة والاحتراق وإلا فالنار إذا وقعت على السمندل والياقوت لم تحرقه وكذلك الشمس فإن شعاعها مشروط بالجسم المقابل للشمس الذي ينعكس عليه الشعاع وله موانع من السحاب والسقوف وغير [ ص: 134 ] ذلك فهذا الواحد الذي قدروه في أنفسهم لا وجود له في الخارج وقد بسط هذا في غير هذا الموضع .

فإن الواحد العقلي الذي يثبته الفلاسفة كالوجود المجرد عن الصفات وكالعقول المجردة وكالكليات التي يدعون تركب الأنواع منها وكالمادة والصورة العقليين وأمثال ذلك لا وجود لها في الخارج بل إنما توجد في الأذهان لا في الأعيان وهي أشد بعدا عن الوجود من الجوهر الفرد الذي يثبته من يثبته من أهل الكلام فإن هذا الواحد لا حقيقة له في الخارج وكذلك الجوهر كما قد بسط في موضعه .

والمقصود هنا أن التأثير إذا فسر بوجود شرط الحادث أو سبب يتوقف حدوث الحادث به على سبب آخر وانتفاء موانع - وكل ذلك بخلق الله تعالى - فهذا حق وتأثير قدرة العبد في مقدورها ثابت بهذا الاعتبار . وإن فسر التأثير بأن المؤثر مستقل بالأثر من غير مشارك معاون ولا معاوق مانع فليس شيء من المخلوقات مؤثرا بل الله وحده خالق كل شيء لا شريك له ولا ند له فما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن { ما يفتح الله للناس من رحمة فلا ممسك لها وما يمسك فلا مرسل له من بعده } { قل ادعوا الذين زعمتم من دون الله لا يملكون مثقال ذرة في السماوات ولا في الأرض وما لهم فيهما من شرك وما له منهم من ظهير } { ولا تنفع الشفاعة عنده إلا لمن أذن له } { قل أفرأيتم ما تدعون من دون الله إن أرادني الله بضر هل هن كاشفات ضره أو أرادني برحمة هل هن ممسكات رحمته قل حسبي الله عليه يتوكل المتوكلون } ونظائر هذا في القرآن كثيرة .

فإذا عرف ما في لفظ " التأثير " من الإجمال والاشتراك ارتفعت الشبهة وعرف العدل المتوسط بين الطائفتين . فمن قال : إن المؤمن والكافر سواء فيما أنعم الله عليهما من الأسباب المقتضية للإيمان وإن المؤمن لم يخصه الله بقدرة ولا إرادة آمن بها وإن العبد إذا فعل لم تحدث له معونة من الله وإرادة لم تكن قبل الفعل : فقوله معلوم الفساد . وقيل لهؤلاء : فعل العبد من جملة الحوادث والممكنات فكل ما به يعلم أن الله تعالى أحدث غيره يعلم به أن الله أحدثه . فكون العبد فاعلا بعد أن لم يكن أمر ممكن حادث فإن أمكن صدور هذا الممكن الحادث بدون محدث واجب يحدثه ويرجح وجوده على عدمه أمكن ذلك في غيره فانتقض دليل إثبات الصانع .

ولا ريب أن كثيرا من متكلمة الإثبات القائلين بالقدر سلموا للمعتزلة أن القادر المختار يمكنه ترجيح أحد مقدوريه على الآخر بلا مرجح وقالوا في " مسألة إحداث العالم " إن القادر المختار أو الإرادة القديمة التي نسبتها إلى جميع الحوادث والأزمنة نسبة واحدة رجحت أنواعا من الممكنات في الوقت الذي رجحته بلا حدوث سبب اقتضى الرجحان وادعوا أن القادر المختار يمكنه الترجيح بلا مرجح أو الإرادة القديمة ترجح بلا مرجح آخر فاعترض عليهم هناك من نازعهم من أهل الملل والفلاسفة القائلين بأن الله يحدث الحوادث [ ص: 136 ] بأفعال تقوم بنفسه وأن الله خلق السموات والأرض وما بينهما في ستة أيام . والقائلين بقدم العالم قالوا : هذا الذي قلتموه معلوم الفساد بالضرورة وتجويز هذا يقتضي حدوث الحوادث بلا سبب والترجيح بلا مرجح وذلك يسد باب إثبات الصانع .

ثم إن هؤلاء المثبتين للقدر احتجوا بهذه الحجة على نفاة القدر وقالوا : حدوث فعل العبد بعد أن لم يكن لا بد له من محدث مرجح تام غير العبد فإن ما كان من العبد فهو محدث أيضا وعند وجود ذلك المحدث المرجح التام يجب وجود فعل العبد وهذا الذي قالوه حق وهو حجة قاطعة على القدرية والمعتزلة ; لكنهم نقضوه وتناقضوا فيه في فعل الرب تبارك وتعالى وادعوا هناك أن البديهة فرقت بين فعل القادر وبين الموجب بالذات فإن كان هذا الفرق صحيحا بطلت حجتهم على المعتزلة ولم يبطل قول القدرية وإن كان باطلا بطل قولهم في إحداث الله وفعله للعالم وهذا هو الباطل في نفس الأمر فإن القول بأن الممكن لا يترجح وجوده على عدمه إلا بمرجح تام أمر معلوم بالفطرة الضرورية لا يمكن القدح فيه وهو عام لا تخصيص فيه فالفرق المذكور باطل وذلك يبطل قولهم بأن خلق العالم هو العالم وأنه حدث بعد أن لم يكن بغير سبب حادث .

ومن قال إن قدرة العبد وغيرها من الأسباب التي خلق الله تعالى بها المخلوقات ليست أسبابا أو أن وجودها كعدمها وليس هناك إلا مجرد اقتران [ ص: 137 ] عادي كاقتران الدليل بالمدلول فقد جحد ما في خلق الله وشرعه من الأسباب والحكم والعلل ولم يجعل في العين قوة تمتاز بها عن الخد تبصر بها ولا في القلب قوة يمتاز بها عن الرجل يعقل بها ولا في النار قوة تمتاز بها عن التراب تحرق بها وهؤلاء ينكرون ما في الأجسام المطبوعة من الطبائع والغرائز .

قال بعض الفضلاء : تكلم قوم من الناس في إبطال الأسباب والقوى والطبائع فأضحكوا العقلاء على عقولهم .

ثم إن هؤلاء يقولون لا ينبغي للإنسان أن يقول إنه شبع بالخبز وروي بالماء بل يقول شبعت عنده ورويت عنده ; فإن الله يخلق الشبع والري ونحو ذلك من الحوادث عند هذه المقترنات بها عادة ; لا بها . وهذا خلاف الكتاب والسنة فإن الله تعالى يقول : { وهو الذي يرسل الرياح بشرا بين يدي رحمته حتى إذا أقلت سحابا ثقالا سقناه لبلد ميت فأنزلنا به الماء فأخرجنا به من كل الثمرات } الآية وقال تعالى { وما أنزل الله من السماء من ماء فأحيا به الأرض بعد موتها وبث فيها من كل دابة } وقال تعالى { قاتلوهم يعذبهم الله بأيديكم } وقال { قل هل تربصون بنا إلا إحدى الحسنيين ونحن نتربص بكم أن يصيبكم الله بعذاب من عنده أو بأيدينا } وقال { ونزلنا من السماء ماء مباركا فأنبتنا به جنات وحب الحصيد } وقال تعالى { وهو الذي أنزل من السماء ماء فأخرجنا به نبات كل شيء } وقال تعالى { ألم تر أن الله أنزل من السماء ماء فأخرجنا به ثمرات مختلفا ألوانها } وقال تعالى { هو الذي أنزل من السماء ماء لكم منه شراب ومنه شجر فيه تسيمون } { ينبت لكم به الزرع والزيتون والنخيل والأعناب ومن كل الثمرات } وقال تعالى { إن الله لا يستحيي أن يضرب مثلا } - إلى قوله - { يضل به كثيرا ويهدي به كثيرا } وقال { قد جاءكم من الله نور وكتاب مبين } { يهدي به الله من اتبع رضوانه سبل السلام } ومثل هذا في القرآن كثير . وكذلك في الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم كقوله { لا يموتن أحد منكم ; إلا آذنتموني به حتى أصلي عليه فإن الله جاعل بصلاتي عليه بركة ورحمة } . وقال صلى الله عليه وسلم { إن هذه القبور مملوءة على أهلها ظلمة وإن الله جاعل بصلاتي عليهم نورا } ومثل هذا كثير .

ونظير هؤلاء الذين أبطلوا الأسباب المقدرة في خلق الله من أبطل الأسباب المشروعة في أمر الله ; كالذين يظنون أن ما يحصل بالدعاء والأعمال الصالحة وغير ذلك من الخيرات إن كان مقدرا حصل بدون ذلك . وإن لم يكن مقدرا لم يحصل بذلك . وهؤلاء كالذين قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم { أفلا ندع العمل ونتكل على الكتاب ؟ فقال لا . اعملوا فكل ميسر لما خلق له } .

وفي السنن أنه { قيل : يا رسول الله ; أرأيت أدوية نتداوى بها ، ورقى نسترقي بها ; وتقاة نتقيها ; هل ترد من قدر الله شيئا ؟ فقال هي من قدر الله } ولهذا قال من قال من العلماء : الالتفات إلى الأسباب شرك في التوحيد [ ص: 139 ] ومحو الأسباب أن تكون أسبابا تغيير في وجه العقل ; والإعراض عن الأسباب بالكلية قدح في الشرع .

والله سبحانه خلق الأسباب والمسببات ; وجعل هذا سببا لهذا فإذا قال القائل إن كان هذا مقدرا حصل بدون السبب وإلا لم يحصل ; جوابه أنه مقدر بالسبب وليس مقدرا بدون السبب ; كما قال النبي صلى الله عليه وسلم { إن الله خلق للجنة أهلا خلقهم لها وهم في أصلاب آبائهم ; وخلق للنار أهلا خلقهم لها وهم في أصلاب آبائهم } وقال صلى الله عليه وسلم { اعملوا فكل ميسر لما خلق له أما من كان من أهل السعادة فسييسر لعمل أهل السعادة . وأما من كان من أهل الشقاوة فسييسر لعمل أهل الشقاوة } .

وفي الصحيحين عن ابن مسعود رضي الله عنه قال : حدثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو الصادق المصدوق { إن أحدكم يجمع خلقه في بطن أمه أربعين يوما نطفة ثم يكون علقة مثل ذلك ثم يكون مضغة مثل ذلك ثم يرسل إليه الملك فيؤمر بأربع كلمات فيقال اكتب رزقه وعمله وأجله وشقي أو سعيد ثم ينفخ فيه الروح . قال فوالذي نفسي بيده إن أحدكم ليعمل بعمل أهل الجنة حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل النار فيدخلها ، وإن أحدكم ليعمل بعمل أهل النار حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل الجنة فيدخلها } .

[ ص: 140 ] فبين صلى الله عليه وسلم أن هذا يدخل الجنة بالعمل الذي يعمله ويختم له به وهذا يدخل النار بالعمل الذي يعمله ويختم له به كما قال صلى الله عليه وسلم { إنما الأعمال بالخواتيم } وذلك لأن جميع الحسنات تحبط بالردة وجميع السيئات تغفر بالتوبة ونظير ذلك من صام ثم أفطر قبل الغروب أو صلى وأحدث عمدا قبل كمال الصلاة بطل عمله .

وبالجملة فالذي عليه سلف الأمة وأئمتها ما بعث الله به رسله وأنزل كتبه فيؤمنون بخلق الله وأمره بقدره وشرعه بحكمه الكوني وحكمه الديني وإرادته الكونية والدينية كما قال في الآية الأولى { فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام ومن يرد أن يضله يجعل صدره ضيقا حرجا كأنما يصعد في السماء } وقال نوح عليه السلام { ولا ينفعكم نصحي إن أردت أن أنصح لكم إن كان الله يريد أن يغويكم } وقال تعالى في الإرادة الدينية { يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر } وقال { يريد الله ليبين لكم ويهديكم سنن الذين من قبلكم ويتوب عليكم والله عليم حكيم } وقال { ما يريد الله ليجعل عليكم من حرج ولكن يريد ليطهركم وليتم نعمته عليكم } .

وهم مع إقرارهم بأن الله خالق كل شيء وربه ومليكه وأنه خلق الأشياء بقدرته ومشيئته يقرون بأنه لا إله إلا هو لا يستحق العبادة غيره ويطيعونه ويطيعون رسله ويحبونه ويرجونه ويخشونه ويتكلون عليه وينيبون إليه ويوالون أولياءه ويعادون أعداءه ويقرون بمحبته لما أمر به ولعباده المؤمنين [ ص: 141 ] ورضاه بذلك وبغضه لما نهى عنه وللكافرين وسخطه لذلك ومقته له ويقرون بما استفاض عن النبي صلى الله عليه وسلم من { أن الله أشد فرحا بتوبة عبده التائب من رجل أضل راحلته بأرض دوية مهلكة عليها طعامه وشرابه فطلبها فلم يجدها فقال تحت شجرة فلما استيقظ إذا بدابته عليها طعامه وشرابه فالله أشد فرحا بتوبة عبده من هذا براحلته } .

فهو إلههم الذي يعبدونه وربهم الذي يسألونه كما قال تعالى : { الحمد لله رب العالمين } إلى قوله { إياك نعبد وإياك نستعين } فهو المعبود المستعان . والعبادة تجمع كمال الحب مع كمال الذل . فهم يحبونه أعظم مما يحب كل محب محبوبه كما قال تعالى : { ومن الناس من يتخذ من دون الله أندادا يحبونهم كحب الله والذين آمنوا أشد حبا لله } وكل ما يحبونه سواه فإنما يحبونه لأجله كما في الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال { ثلاث من كن فيه وجد حلاوة الإيمان : من كان الله ورسوله أحب إليه مما سواهما ومن كان يحب المرء لا يحبه إلا لله : ومن كان يكره أن يرجع في الكفر بعد إذ أنقذه الله منه كما يكره أن يلقى في النار } وفي الترمذي وغيره { أوثق عرى الإيمان الحب في الله والبغض في الله ومن أحب لله وأبغض لله وأعطى لله ومنع لله فقد استكمل الإيمان } .

وهو سبحانه يحب عباده المؤمنين وكمال الحب هو الخلة التي جعلها الله لإبراهيم ومحمد صلى الله عليهما وسلم . فإن الله اتخذ إبراهيم خليلا . واستفاض [ ص: 142 ] عن النبي صلى الله عليه وسلم في الصحيح من غير وجه أنه قال { إن الله اتخذني خليلا كما اتخذ إبراهيم خليلا } وقال { لو كنت متخذا من أهل الأرض خليلا لاتخذت أبا بكر خليلا ولكن صاحبكم خليل الله } يعني نفسه ولهذا اتفق سلف الأمة وأئمتها وسائر أهل السنة وأهل المعرفة أن الله نفسه يحب ويحب .

وأنكرت الجهمية ومن اتبعهم محبته . وأول من أنكر ذلك الجعد بن درهم شيخ الجهم بن صفوان فضحى به خالد بن عبد الله القسري بواسط وقال : أيها الناس ضحوا تقبل الله ضحاياكم فإني مضح بالجعد بن درهم إنه زعم أن الله لم يتخذ إبراهيم خليلا ولم يكلم موسى تكليما تعالى الله عما يقول الجعد علوا كبيرا . ثم نزل فذبحه .

وهذا أصل ملة إبراهيم الذي جعله الله إماما للناس قال تعالى { وإذ ابتلى إبراهيم ربه بكلمات فأتمهن قال إني جاعلك للناس إماما } وقال { ومن أحسن دينا ممن أسلم وجهه لله وهو محسن واتبع ملة إبراهيم حنيفا واتخذ الله إبراهيم خليلا } .

ومن قال : إن المراد بمحبة الله محبة التقرب إليه فقوله متناقض ; فإن محبة التقرب إليه تبع لمحبته . فمن أحب الله نفسه أحب التقرب إليه ومن كان لا يحبه نفسه امتنع أن يحب التقرب إليه . وأما من كان لا يطيعه ولا يمتثل أمره إلا لأجل غرض آخر فهو في الحقيقة إنما يحب ذلك الغرض الذي عمل لأجله وقد [ ص: 143 ] جعل طاعة الله وسيلة إليه وقد ثبت في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال { إذا دخل أهل الجنة الجنة نادى مناد : يا أهل الجنة إن لكم عند الله موعدا يريد أن ينجزكموه فيقولون ما هو ؟ ألم يبيض وجوهنا ؟ ويثقل موازيننا ؟ ويدخلنا الجنة ؟ ويجرنا من النار ؟ فيكشف الحجاب فينظرون إليه فما أعطاهم شيئا أحب إليهم من النظر إليه وهو الزيادة } " .

فأخبر أن النظر إليه أحب إليهم من كل ما يتنعمون به ومحبة النظر إليه تبع لمحبته فإنما أحبوا النظر إليه لمحبتهم إياه وما من مؤمن إلا ويجد في قلبه محبة الله وطمأنينة بذكره وتنعما بمعرفته ولذة وسرورا بذكره ومناجاته . وذلك يقوى ويضعف ويزيد وينقص بحسب إيمان الخلق . فكل من كان إيمانه أكمل كان تنعمه بهذا أكمل . ولهذا قال صلى الله عليه وسلم في الحديث الذي رواه أحمد وغيره : { حبب إلي من دنياكم النساء والطيب - ثم قال - وجعلت قرة عيني في الصلاة } وكان صلى الله عليه وسلم يقول { أرحنا بالصلاة يا بلال } وهذا مبسوط في غير هذا الموضع .

والمقصود هنا أن عباده المؤمنين يحبونه وهو يحبهم سبحانه وتعالى وحبهم له بحسب فعلهم لما يحبه كما في صحيح البخاري عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال { يقول الله تعالى من عادى لي وليا فقد بارزني بالمحاربة وما تقرب إلي عبدي بمثل أداء ما افترضت عليه ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر [ ص: 144 ] به ويده التي يبطش بها ورجله التي يمشي بها . فبي يسمع وبي يبصر وبي يبطش وبي يمشي ولئن سألني لأعطينه ولئن استعاذني لأعيذنه . وما ترددت عن شيء أنا فاعله ترددي عن قبض نفس عبدي المؤمن يكره الموت وأكره مساءته ولا بد له منه } .

فقد بين أن العبد إذا تقرب إلى الله بما يحبه من النوافل بعد الفرائض أحبه الله فحب الله لعبده بحسب فعل العبد لما يحبه الله . وما يحبه الله من عبادته وطاعته فهو تبع لحب نفسه وحبه ذلك هو سبب حب عباده المؤمنين فكان حبه للمؤمنين تبعا لحب نفسه .

فالمؤمنون وإن كانوا يحمدون ربهم ويثنون عليه فهم لا يحصون ثناء عليه بل هو كما أثنى على نفسه كما في الحديث الصحيح عنه صلى الله عليه وسلم أنه كان يقول : { اللهم إني أعوذ برضاك من سخطك وبمعافاتك من عقوبتك . وبك منك لا أحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك } وقد ثبت عنه في الصحيح أنه قال { لا أحد أحب إليه المدح من الله من أجل ذلك مدح نفسه } . { وقال له الأسود بن سريع : إني حمدت ربي بمحامد فقال إن ربك يحب الحمد } فهو يحب حمد العباد له وحمده لنفسه أعظم من حمد العباد له ويحب ثناءهم عليه وثناؤه على نفسه أعظم من ثنائهم عليه . وكذلك حبه لنفسه وتعظيمه لنفسه فهو سبحانه أعلم بنفسه من كل أحد وهو الموصوف بصفات الكمال التي لا تبلغها عقول الخلائق فالعظمة إزاره والكبرياء رداؤه . وفي الصحيح عن النبي [ ص: 145 ] صلى الله عليه وسلم { أنه قرأ على المنبر { وما قدروا الله حق قدره والأرض جميعا قبضته يوم القيامة والسماوات مطويات بيمينه سبحانه } . قال يقبض الله الأرض ويطوي السموات بيمينه ثم يهزهن ثم يقول : أنا الملك أنا القدوس أنا السلام أنا المؤمن أنا المهيمن أنا الذي بدأت الدنيا ولم تك شيئا أنا الذي أعيدها } وفي رواية { يمجد الرب نفسه سبحانه } فهو يحمد نفسه ويثني عليها ويمجد نفسه سبحانه وتعالى وهو الغني بنفسه لا يحتاج إلى أحد غيره بل كل ما سواه فقير إليه { يسأله من في السماوات والأرض كل يوم هو في شأن } وهو الأحد الصمد الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد .

فإذا فرح بتوبة التائب وأحب من تقرب إليه بالنوافل ورضي عن السابقين الأولين ونحو ذلك لم يجز أن يقال : هو مفتقر في ذلك إلى غيره ولا مستكمل بسواه فإنه هو الذي خلق هؤلاء وهو الذي هداهم وأعانهم حتى فعلوا ما يحبه ويرضاه ويفرح به .

فهذه المحبوبات لم تحصل إلا بقدرته ومشيئته وخلقه فله الملك لا شريك له وله الحمد في الأولى والآخرة وله الحكم وإليه ترجعون .

فهذا ونحوه يحتج به الجمهور الذين يثبتون لأفعاله حكمة تتعلق به يحبها ويرضاها ويفعل لأجلها .

[ ص: 146 ] قالوا : وقول القائل : إن هذا يقتضي أنه مستكمل بغيره فيكون ناقصا قبل ذلك عنه أجوبة .

( أحدها أن هذا منقوض بنفس ما يفعله من المفعولات فما كان جوابا في المفعولات كان جوابا عن هذا ونحن لا نعقل في الشاهد فاعلا إلا مستكملا بفعله .

( الثاني أنهم قالوا : كما له أن يكون لا يزال قادرا على الفعل بحكمة فلو قدر كونه غير قادر على ذلك لكان ناقصا .

( الثالث قول القائل : إنه مستكمل بغيره باطل ; فإن ذلك إنما حصل بقدرته ومشيئته لا شريك له في ذلك فلم يكن في ذلك محتاجا إلى غيره وإذا قيل كمل بفعله الذي لا يحتاج فيه إلى غيره كان كما لو قيل كمل بصفاته أو كمل بذاته .

( الرابع قول القائل : كان قبل ذلك ناقصا إن أراد به عدم ما تجدد فلا نسلم أن عدمه قبل الوقت الذي اقتضت الحكمة وجوده فيه يكون نقصا وإن أراد بكونه ناقصا معنى غير ذلك فهو ممنوع بل يقال عدم الشيء في الوقت الذي لم تقتض الحكمة وجوده فيه من الكمال كما أن وجوده في وقت اقتضاء الحكمة وجوده فيه كمال . فليس عدم كل شيء نقصا بل عدم ما يصلح وجوده [ ص: 147 ] هو النقص كما أن وجود ما لا يصلح وجوده نقص فتبين أن وجود هذه الأمور حين اقتضت الحكمة عدمها هو النقص لا أن عدمها هو النقص . ولهذا كان الرب تعالى موصوفا بالصفات الثبوتية المتضمنة لكماله وموصوفا بالصفات السلبية المستلزمة لكماله أيضا . فكان عدم ما ينفي عنه هو من الكمال كما أن وجود ما يستحق ثبوته من الكمال . وإذا عقل مثل هذا في الصفات فكذلك في الأفعال ونحوها وليس كل زيادة يقدرها الذهن من الكمال بل كثير من الزيادات تكون نقصا في كمال المزيد كما يعقل مثل ذلك في كثير من الموجودات . والإنسان قد يكون وجود أشياء في حقه في وقت نقصا وعيبا وفي وقت آخر كمالا ومدحا في حقه ; كما يكون في وقت مضرة له وفي وقت منفعة له .

( الخامس أنا إذا قدرنا من يقدر على إحداث الحوادث لحكمة ومن لا يقدر على ذلك كان معلوما ببديهة العقل أن القادر على ذلك أكمل مع أن الحوادث لا يمكن وجودها إلا حوادث لا تكون قديمة وإذا كانت القدرة على ذلك أكمل وهذا المقدور لا يكون إلا حادثا كان وجوده هو الكمال وعدمه قبل ذلك من تمام الكمال إذ عدم الممتنع الذي هو شرط في وجود الكمال من الكمال .

ثم هم هنا ثلاث فرق ( فرقة تقول إرادته وحبه ورضاه ونحو هذا قديم ولم يزل راضيا عمن علم أنه يموت مؤمنا ولم يزل ساخطا على من علم أنه يموت [ ص: 148 ] كافرا كما يقول ذلك من يقوله من الكلابية وأهل الحديث والفقهاء والصوفية فهؤلاء لا يلزمهم التسلسل لأجل حلول الحوادث ; لكن يعارضهم الأكثرون الذين ينازعونهم في الحكمة المحبوبة كما ينازعونهم في الإرادة ; فإنهم قالوا لهم : إذا كانت الإرادة قديمة لم تزل ونسبتها إلى جميع الأزمنة والحوادث سواء فاختصاص زمان دون زمان بالحدوث ومفعول دون مفعول تخصيص بلا مخصص .

قال أولئك : الإرادة من شأنها أن تخصص . قال لهم المعارضون : من شأنها جنس التخصيص . وأما تخصيص هذا المعين على هذا المعين فليس منه لوازم الإرادة بل لا بد من سبب يوجب اختصاص أحدهما بالإرادة دون الآخر . والإنسان يجد من نفسه أنه يخصص بإرادته ولكنه يعلم أنه لا يريد هذا دون هذا إلا لسبب اقتضى التخصيص وإلا فلو تساوى ما يمكن إرادته من جميع الوجوه امتنع تخصيص الإرادة لواحد من ذلك دون أمثاله فإن هذا ترجيح بلا مرجح . ومتى جوز هذا انسد باب إثبات الصانع قالوا : ومن تدبر هذا وأمعن النظر فيه علمه حقيقة وإنما ينازع فيه من يقلد قولا قاله غيره من غير اعتبار لحقيقته .

وهكذا يقول لهم الجمهور : إذا كان الله تعالى راضيا في أزله ومحبا وفرحا بما يحدثه قبل أن يحدثه فإذا أحدثه هل حصل بإحداثه حكمة يحبها ويرضاها ويفرح بها أو لم يحصل إلا ما كان في الأزل ؟ فإن قلتم لم يحصل إلا ما كان في [ ص: 149 ] الأزل قيل ذاك كان حاصلا بدون ما أحدثه من المفعولات فامتنع أن تكون المفعولات فعلت لكي يحصل [ ذاك ] ; فقولكم كما تضمن أن المفعولات تحدث بلا سبب يحدثه الله تعالى يتضمن أنه يفعلها بلا حكمة يحبها ويرضاها قالوا : فقولكم يتضمن نفي إرادته المقارنة ومحبته وحكمته التي لا يحصل الفعل إلا بها .

( والفرقة الثانية قالوا : إن الحكمة المتعلقة به تحصل بمشيئته وقدرته كما يحصل الفعل بمشيئته وقدرته . قالوا وإن قام ذلك بذاته فهو كقيام سائر ما أخبر به من صفاته وأفعاله بذاته . والمعتزلة تنفي قيام الصفات والأفعال به وتسمي الصفات أعراضا والأفعال حوادث ويقولون لا تقوم به الأعراض ولا الحوادث فيتوهم من لم يعرف حقيقة قولهم إنهم ينزهون الله تعالى عن النقائص والعيوب والآفات . ولا ريب أن الله يجب تنزيهه عن كل عيب ونقص وآفة فإنه القدوس السلام الصمد السيد الكامل في كل نعت من نعوت الكمال كمالا يدرك الخلق حقيقته منزه عن كل نقص تنزيها لا يدرك الخلق كماله . وكل كمال ثبت لموجود من غير استلزام نقص فالخالق تعالى أحق به وأكمل فيه منه وكل نقص ينزه عنه مخلوق فالخالق أحق بتنزيهه عنه وأولى ببراءته منه .

روينا من طريق غير واحد كعثمان بن سعيد الدارمي وأبي جعفر الطبري وأبي بكر البيهقي وغيرهم في تفسير علي بن أبي طلحة عن ابن عباس في قوله تعالى { الصمد } قال : السيد الذي قد كمل في سؤدده والشريف الذي قد كمل [ ص: 150 ] في شرفه والعظيم الذي قد كمل في عظمته والحكيم الذي قد كمل في حكمته والغني الذي قد كمل في غناه والجبار الذي قد كمل في جبروته والعالم الذي قد كمل في علمه والحليم الذي قد كمل في حلمه وهو الذي قد كمل في أنواع الشرف والسؤدد وهو الله عز وجل هذه صفة لا تنبغي إلا له ليس له كفؤ وليس كمثله شيء سبحانه الواحد القهار .

وهذا التفسير ثابت عن عبد الله بن أبي صالح عن معاوية بن صالح عن علي بن أبي طلحة الوالبي لكن يقال : إنه لم يسمع التفسير من ابن عباس ولكن مثل هذا الكلام ثابت عن السلف وروي عن سعيد بن جبير أنه قال : الصمد الكامل في صفاته وأفعاله . وثبت عن أبي وائل شقيق بن سلمة أنه قال : الصمد السيد الذي انتهى سؤدده .

وهذه الأقوال وما أشبهها لا تنافي ما قاله كثير من السلف كسعيد بن المسيب وسعيد بن جبير ومجاهد والحسن والسدي والضحاك وغيرهم من أن الصمد هو الذي لا جوف له وهذا منقول عن ابن مسعود وعن عبد الله بن بريدة عن أبيه موقوفا أو مرفوعا فإن كلا القولين حق كما بسط الكلام على ذلك في غير هذا الموضع .

ولفظ " الأعراض في اللغة " قد يفهم منه ما يعرض للإنسان من الأمراض ونحوها وكذلك لفظ " الحوادث والمحدثات " قد يفهم ما يحدثه الإنسان من [ ص: 151 ] الأفعال المذمومة والبدع التي ليست مشروعة أو ما يحدث للإنسان من الأمراض ونحو ذلك . والله سبحانه وتعالى يجب تنزيهه عما هو فوق ذلك مما فيه نوع نقص فكيف تنزيهه عن هذه الأمور ؟ ولكن لم يكن مقصود المعتزلة بقولهم هو منزه عن الأعراض والحوادث إلا نفي صفاته وأفعاله فعندهم لا يقوم به علم ولا قدرة ولا مشيئة ولا رحمة ولا حب ولا رضا ولا فرح ولا خلق ولا إحسان ولا عدل ولا إتيان ولا مجيء ولا نزول ولا استواء ولا غير ذلك من صفاته وأفعاله .

وجماهير المسلمين يخالفونهم في ذلك ومن الطوائف من ينازعهم في الصفات دون الأفعال ومنهم من ينازعهم في بعض الصفات دون بعض ومن الناس من ينازعهم في الفعل القديم ويقول إن فعله قديم وإن كان المفعول محدثا ; كما يقول في نظير ذلك من يقوله في الإرادة . وبسط هذه الأقوال وذكر قائليها وأدلتهم مذكور في غير هذا الموضع .

والمقصود هنا التنبيه على مجامع أجوبة الناس عن السؤال المذكور وهذا الفريق الثاني إذا قال لهم الناس : إذا أثبتم حكمة حدثت بعد أن لم تكن لزمكم التسلسل قالوا : القول في حدوث هذه الحكمة كالقول في حدوث سائر ما أحدثه من المفعولات ونحن نخاطب من يسلم لنا أنه أحدث المحدثات بعد أن لم تكن فإذا قلنا إنه أحدثها بحكمة حادثة لم يكن له أن [ ص: 152 ] يقول هذا يستلزم التسلسل بل نقول له : القول في حدوث الحكمة كالقول في حدوث المفعول المستعقب للحكمة فما كان جوابك عن هذا كان جوابنا عن هذا .

فلما خصم الفريق الثاني الفريق الأول قال لهم الفريق الثالث - من أئمة الحديث والفقهاء والصوفية وأهل الكلام - هذه حجة جدلية إلزامية ولم تشفوا الغليل بهذا الجواب وليس معكم من الأدلة الشرعية ولا العقلية ما ينفي هذا التسلسل بل التسلسل نوعان والدور نوعان .

( أحدهما التسلسل في العلل والمعلولات فهذا ممتنع وفاقا .

و ( الثاني التسلسل في الشروط والآثار فهذا في جوازه قولان معروفان للمسلمين وغيرهم . وطوائف من أهل الكلام والحديث والفلسفة يجوزون هذا ومن هؤلاء السلف والأئمة الذين يقولون لم يزل الله متكلما إذا شاء وأنه لم يزل يقوم به ما يتعلق بمشيئته وقدرته من الأفعال وغيرها .

وبين هؤلاء أن ما استدل به منازعوهم على نفي التسلسل في الآثار وامتناع وجود ما لا يتناهى في الماضي أدلة ضعيفة كدليل المطابقة بين الجملتين مع زيادة إحداهما وكدليل الشفع والوتر ونحو ذلك من الأدلة التي بين هؤلاء فسادها ونقضوها عليهم بالحوادث في المستقبل وبعقود الأعداد وبمعلومات الله مع [ ص: 153 ] مقدوراته وغير ذلك مما قد بسط في موضعه .

والدور " نوعان " : فالدور القبلي السبقي ممتنع : وهو أن لا يوجد هذا إلا بعد هذا ولا يوجد هذا إلا بعد هذا وهذا دور العلل وأما الدور المعي الاقتراني وهو أنه لا يكون هذا إلا مع هذا ولا يكون هذا إلا مع هذا فهذا هو الدور في الشروط وما أشبهها من المتضايفات والمتلازمات ومثل هذا جائز .

فهذه مجامع أجوبة الناس عن هذا السؤال . وهي عدة أقوال ( الأول قول من لا يعلل لا أفعاله ولا أحكامه . و ( الثاني قول من يعلل ذلك بأمور مباينة له منفصلة عنه من جملة مفعولاته . و ( الثالث قول من يعلل ذلك بأمور قائمة به قديمة . و ( الرابع قول من يعلل ذلك بأمور قائمة به متعلقة بقدرته ومشيئته لكن يقول جنسها حادث . و ( الخامس قول من يعلل ذلك بأمور متعلقة بمشيئته وقدرته . فإن كان الفعل المقتضي للحكمة حادث النوع كانت الحكمة كذلك وإن قدر أنه قام به كلام أو فعل متعلق بمشيئته وأنه لم يزل كذلك كانت الحكمة كذلك فيكون النوع قديما وإن كانت آحاده حادثة .

ويمكن الجواب عن السؤال بتقسيم حاصر بأن يقال : لا ريب أن الله عز وجل يحدث مفعولات لم تكن فإما أن تكون الأفعال المحدثة يجب أن يكون لها ابتداء ويجوز أن تكون غير متناهية في الابتداء كما هي غير متناهية في [ ص: 154 ] الانتهاء فإن وجب أن يكون لها ابتداء أمكن حدوث الحوادث بدون تسلسلها فإذا قال القائل : لو فعل لعلة محدثة لكان القول في حدوث تلك العلة كالقول في حدوث معلولها ويلزم التسلسل كان جوابه على هذا التقدير أن الحوادث يجب أن يكون لها ابتداء وإذا فعل الفعل لحكمة محدثة كان الفعل وحكمته محدثين ولا يجب أن يكون للعلة المحدثة علة محدثة إلا إذا جاز أن لا يكون للحوادث ابتداء . فأما إذا جاز أن يكون لها ابتداء بطل هذا السؤال فكيف إذا وجب أن يكون لهما ابتداء .

وإن قيل : يجوز أن يكون الحوادث غير متناهية في الابتداء كما أنها غير متناهية في الانتهاء عند المسلمين وسائر أهل الملل وجمهور الخلق ولم ينازع في ذلك إلا بعض أهل البدع : الذين يقولون بفناء الجنة والنار كما يقوله الجهم بن صفوان أو بفناء حركات أهل الجنة كما يقوله أبو الهذيل فإن هذين أوجبا أن يكون لجنس الحوادث انتهاء كما يجب أن يكون لها عندهم ابتداء وأكثر الذين وافقوهم على وجوب الابتداء خالفوهم في الانتهاء وقالوا لها ابتداء وليس لها انتهاء . و ( الطائفة الثالثة قالت ليس لها ابتداء ولا انتهاء . والأقوال الثلاثة معروفة في طوائف المسلمين .

والمقصود هنا : أن الجواب يحصل على التقديرين ; فمن جوز أن لا يكون لها نهاية في الابتداء جوز تسلسل الحوادث وقال : هذا تسلسل في الآثار والشروط ; لا تسلسل في العلل والمؤثرات والممتنع إنما هو الثاني دون الأول [ ص: 155 ] وقال : إنه لا يقوم دليل على امتناع الثاني كما يقول ذلك طوائف من متقدمي أهل الكلام ومتأخريهم ومتقدمي أهل الحديث ومتأخريهم . ومن أوجب أن يكون لها ابتداء . قال في حدوث العلة ما يقوله في حدوث المفعول إذ لا فرق بينهما في هذا المعنى .

ومن الأجوبة الحاصرة أن يقال : خلق الله إما أن يجوز تعليله أو لا فإن لم يجز تعليله كان هذا هو التقرير الأول . وعلى هذا التقدير فلا يسمى هذا عبثا وإذا سماه المسمي عبثا لم تكن تسميته عبثا قدحا فيما تحقق فإنا نتكلم على تقدير امتناع التعليل وإذا كان التعليل ممتنعا وجب القول به ولو سماه المسمي بأي شيء سماه وإن جاز تعليله فلا يخلو إما أن يجوز تعليله بعلة حادثة وإما أن لا يجوز ; فإن قيل لا يجوز ذلك لزم كون العلة قديمة وامتنع على هذا التقدير قدم المعلول ; فإنا نتكلم على تقدير جواز تعليل المفعول الحادث بعلة قديمة وإن قيل : يجوز تعليله بعلة حادثة أمكن القول بذلك .

ثم إما أن يقال : يجوز تعليل الحوادث بعلة متناهية للفاعل لئلا يلزم أن يقوم به شيء حادث يجب أن يقوم به لحكمة وإن كانت مقدورة مرادة له فإن قيل بالأول لزم كون العلة الحادثة منفصلة عنه ولزم على هذا كون الفاعل يحدث الحوادث بعد أن لم تكن لعلة حادثة بغيره من غير حدوث سبب يوجب أول الحوادث ولا قيام لحادث بالمحدث . وإن قيل : بل لا يجوز أن [ ص: 156 ] يحدث الحوادث لغير معنى يعود إليه بل يجب أن يقوم به ما هو السبب والحكمة في حدوث الحوادث فإنه يجب القول بذلك .

ثم إما أن يقال : هذا يستلزم التسلسل أو لا يستلزمه فإن قيل لا يستلزمه لم يكن التسلسل لازما فاندفع المحذور وإن قيل إن التسلسل لازم لم يكن التسلسل على هذا التقدير محذورا ; لأن التقدير أنه يجوز تعليل أفعاله بعلة حادثة . وأن ذلك يستلزم التسلسل .

ومن المعلوم أن الأمر الجائز لا يستلزم ممتنعا ; فإنه لو استلزم ممتنعا لكان ممتنعا بغيره وإن كان جائزا بنفسه والتقدير أنه جائز جوازا مطلقا لا امتناع فيه . وما كان جائزا جوازا مطلقا لا امتناع فيه لم يلزمه ما يمتنع ثبوته فيكون التسلسل على هذا التقدير غير ممتنع .

فهذا جواب عن السؤال من غير التزام قول بعينه بل نبين أنه ليس في نفس الأمر محذورا ولكن السؤال مبني على ست مقدمات لزوم العبث وأنه منتف ولزوم قدم المفعول وأنه منتف ولزوم التسلسل وأنه منتف .

فصاحب القول الأول يقول : لا أسلم أنه يلزم العبث وصاحب القول الثاني يقول : لا أسلم أنه يلزم قدم المفعول وصاحب القول الثالث يقول : [ ص: 157 ] لا أسلم أنه يلزم التسلسل أو يقول لا أسلم أن التسلسل في الآثار ممتنع فهذه أربع ممانعات لا بد منها . ويمتنع أن تكون كلها فاسدة بل لا بد من صحة واحد منها وأيها صح اندفع به السؤال وهو المقصود . وذلك لأن القسمة العقلية تحصر الأقسام فيما ذكر فمن توجه عنده أحد الأقسام قال به ونحن قد بسطنا الكلام على أصول هذه المسألة ولوازمها وأقوال الناس فيها في غير هذا الموضع .

والمقصود هنا الذب عن مجموع المسلمين فإن هذا السؤال مما أورده على الناس القائلون بقدم العالم وقد ذكرنا عنه أجوبة متعددة فيما كتبناه في جواب شبهة القائلين بقدم العالم .

ومن جملة أجوبتهم أن يقال : هذا السؤال ليس مختصا بحدوث العالم بل هو وارد في كل ما يحدث في الوجود من الحوادث والحدوث مشهود محسوس متفق عليه بين العقلاء . فكل ما يورده المورد على حدوث خلق السماوات والأرض يورد عليه نظيره في الحوادث المشهودة .

وقد نبهنا على جنس ما تحتج به كل طائفة من الطوائف في هذا المقام لكن استقصاء الكلام في ذلك لا تسعه هذه الأوراق ولا يحتمله هذا المقام .

[ ص: 158 ] ومن فهم ما كتب انفتح له الكلام في هذا الباب وأمكنه أن يحصل تمام الكلام في جنس هذه المسائل فإن الكلام فيها بالتدريج مقاما بعد مقام هو الذي يحصل به المقصود وإلا فإذا هجم على القلب الجزم بمقالات لم يحكم أدلتها وطرقها والجواب عما يعارضها كان إلى دفعها والتكذيب بها أقرب منه إلى التصديق بها . فلهذا يجب أن يكون الخطاب في المسائل المشكلة بطريق ذكر دليل كل قول ومعارضة الآخر له . حتى يتبين الحق بطريقه لمن يريد الله هدايته ومن لم يجعل الله له نورا فما له من نور والله يقول الحق وهو يهدي السبيل والله سبحانه أعلم وأحكم . والحمد لله رب العالمين وصلى الله على محمد وآله وصحبه وسلم .



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث