الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


جزء التالي صفحة
السابق

فصل وأما ( المسألة الثانية فقول السائل : قوله تعالى { وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون } إن كانت هذه اللام للصيرورة في عاقبة الأمر فما صار ذلك ؟ وإن كانت اللام للغرض لزم أن لا يتخلف أحد من المخلوقين عن عبادته ؟ وليس الأمر كذلك فما التخلص من هذا المضيق ؟

التالي السابق


فيقال : هذه اللام ليست هي اللام التي يسميها النحاة لام العاقبة والصيرورة ولم يقل ذلك أحد هنا كما ذكره السائل من أن ذلك لم يصر إلا [ ص: 187 ] على قول من يفسر ( يعبدون بمعنى يعرفون يعني المعرفة التي أمر بها المؤمن والكافر ; لكن هذا قول ضعيف وإنما زعم بعض الناس ذلك في قوله : { ولذلك خلقهم } التي في آخر سورة هود . فإن بعض القدرية زعم أن تلك اللام لام العاقبة والصيرورة : أي صارت عاقبتهم إلى الرحمة وإلى الاختلاف وإن لم يقصد ذلك الخالق وجعلوا ذلك كقوله : { فالتقطه آل فرعون ليكون لهم عدوا وحزنا } وقول الشاعر :

لدوا للموت وابنوا للخراب

وهذا أيضا ضعيف هنا لأن لام العاقبة إنما تجيء في حق من لا يكون عالما بعواقب الأمور ومصايرها فيفعل الفعل الذي له عاقبة لا يعلمها كآل فرعون فأما من يكون عالما بعواقب الأفعال ومصايرها فلا يتصور منه أن يفعل فعلا له عاقبة لا يعلم عاقبته وإذا علم أن فعله له عاقبة فلا يقصد بفعله ما يعلم أنه لا يكون فإن ذلك تمن وليس بإرادة .

وأما اللام فهي اللام المعروفة وهي لام كي ولام التعليل التي إذا حذفت انتصب المصدر المجرور بها على المفعول له وتسمى العلة الغائبة وهي متقدمة في العلم والإرادة متأخرة في الوجود والحصول وهذه العلة هي المراد المطلوب المقصود من الفعل لكن ينبغي أن يعرف أن الإرادة في كتاب الله على نوعين : [ ص: 188 ] ( أحدهما : الإرادة الكونية وهي الإرادة المستلزمة لوقوع المراد التي يقال فيها : ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن وهذه الإرادة في مثل قوله : { فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام ومن يرد أن يضله يجعل صدره ضيقا حرجا } وقوله : { ولا ينفعكم نصحي إن أردت أن أنصح لكم إن كان الله يريد أن يغويكم } وقال تعالى : { ولو شاء الله ما اقتتلوا ولكن الله يفعل ما يريد } وقال تعالى : { ولولا إذ دخلت جنتك قلت ما شاء الله لا قوة إلا بالله } وأمثال ذلك . وهذه الإرادة هي مدلول اللام في قوله : { ولا يزالون مختلفين } { إلا من رحم ربك ولذلك خلقهم } . قال السلف خلق فريقا للاختلاف وفريقا للرحمة ولما كانت الرحمة هنا الإرادة وهناك كونية وقع المراد بها فقوم اختلفوا وقوم رحموا .

وأما ( النوع الثاني : فهو الإرادة الدينية الشرعية وهي محبة المراد ورضاه ومحبة أهله والرضا عنهم وجزاهم بالحسنى كما قال تعالى : { يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر } وقوله تعالى { ما يريد الله ليجعل عليكم من حرج ولكن يريد ليطهركم وليتم نعمته عليكم } وقوله : { يريد الله ليبين لكم ويهديكم سنن الذين من قبلكم ويتوب عليكم والله عليم حكيم } { والله يريد أن يتوب عليكم ويريد الذين يتبعون الشهوات أن تميلوا ميلا عظيما } { يريد الله أن يخفف عنكم وخلق الإنسان ضعيفا } فهذه الإرادة لا تستلزم وقوع المراد إلا أن يتعلق به النوع الأول من الإرادة ولهذا كانت الأقسام أربعة : [ ص: 189 ] ( أحدها : ما تعلقت به الإرادتان وهو ما وقع في الوجود من الأعمال الصالحة فإن الله أراده إرادة دين وشرع ; فأمر به وأحبه ورضيه وأراده إرادة كون فوقع ; ولولا ذلك لما كان .

و ( الثاني : ما تعلقت به الإرادة الدينية فقط . وهو ما أمر الله به من الأعمال الصالحة فعصى ذلك الأمر الكفار والفجار فتلك كلها إرادة دين وهو يحبها ويرضاها لو وقعت ولو لم تقع .

و ( الثالث : ما تعلقت به الإرادة الكونية فقط وهو ما قدره وشاءه من الحوادث التي لم يأمر بها : كالمباحات والمعاصي فإنه لم يأمر بها ولم يرضها ولم يحبها إذ هو لا يأمر بالفحشاء ولا يرضى لعباده الكفر ولولا مشيئته وقدرته وخلقه لها لما كانت ولما وجدت فإنه ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن .

و ( الرابع : ما لم تتعلق به هذه الإرادة ولا هذه فهذا ما لم يكن من أنواع المباحات والمعاصي وإذا كان كذلك فمقتضى اللام في قوله : { وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون } هذه الإرادة الدينية الشرعية وهذه قد يقع مرادها وقد لا يقع والمعنى أن الغاية التي يحب لهم ويرضى لهم والتي أمروا بفعلها هي العبادة فهو العمل الذي خلق العباد له : أي هو الذي يحصل كمالهم وصلاحهم الذي به يكونون مرضيين محبوبين فمن لم تحصل منه هذه الغاية كان عادما لما يحب ويرضى ويراد له الإرادة الدينية التي فيها سعادته ونجاته وعادما [ ص: 190 ] لكماله وصلاحه العدم المستلزم فساده وعذابه وقول من قال : العبادة هي العزيمة [ أو ] الفطرية : فقولان ضعيفان فاسدان يظهر فسادهما من وجوه متعددة .



فصل و ( أما المسألة الثالثة : فقوله فيما ورد من الأخبار والآيات في الرضا بقضاء الله فإن كانت المعاصي بغير قضاء الله فهو محال وقدح في التوحيد وإن كانت بقضاء الله تعالى فكراهتها وبغضها كراهة وبغض لقضاء الله تعالى ؟ فيقال : ليس في كتاب الله ولا في سنة رسول الله آية ولا حديث يأمر العباد أن يرضوا بكل مقضي مقدر من أفعال العباد حسنها وسيئها ; فهذا أصل يجب أن يعتنى به ولكن على الناس أن يرضوا بما أمر الله به فليس لأحد أن يسخط ما أمر الله به قال تعالى : { فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما } وقال تعالى : { ذلك بأنهم اتبعوا ما أسخط الله وكرهوا رضوانه فأحبط أعمالهم } وقال : { ولو أنهم رضوا ما آتاهم الله ورسوله وقالوا حسبنا الله سيؤتينا الله من فضله ورسوله إنا إلى الله راغبون } وذكر الرسول هنا يبين أن الإيتاء هو الإيتاء الديني الشرعي لا الكوني القدري وقال صلى الله عليه وسلم في [ ص: 191 ] الحديث الصحيح { ذاق طعم الإيمان من رضي بالله ربا وبالإسلام دينا وبمحمد نبيا } . وينبغي للإنسان أن يرضى بما يقدره الله عليه من المصائب التي ليست ذنوبا مثل أن يبتليه بفقر أو مرض أو ذل وأذى الخلق له فإن الصبر على المصائب واجب وأما الرضا بها فهو مشروع لكن هل هو واجب أو مستحب ؟ على " قولين " لأصحاب أحمد وغيرهم : أصحهما أنه مستحب ليس بواجب .

ومن المعلوم أن أوثق عرى الإيمان الحب في الله والبغض في الله وقد أمرنا الله أن نأمر بالمعروف ونحبه ونرضاه ونحب أهله وننهى عن المنكر ونبغضه ونسخطه ونبغض أهله ونجاهدهم بأيدينا وألسنتنا وقلوبنا فكيف نتوهم أنه ليس في المخلوقات ما نبغضه ونكرهه وقد قال تعالى لما ذكر ما ذكر من المنهيات : { كل ذلك كان سيئه عند ربك مكروها } فإذا كان الله يكرهها وهو المقدر لها فكيف لا يكرهها من أمر الله أن يكرهها ويبغضها وهو القائل : { وكره إليكم الكفر والفسوق والعصيان أولئك هم الراشدون } وقال تعالى : { ذلك بأنهم اتبعوا ما أسخط الله وكرهوا رضوانه فأحبط أعمالهم } وقد قال تعالى : { فلما آسفونا انتقمنا منهم } وقال تعالى : { وغضب الله عليهم ولعنهم } وقال تعالى : { يستخفون من الناس ولا يستخفون من الله وهو معهم إذ يبيتون ما لا يرضى من القول } فأخبر أن من القول الواقع ما لا يرضاه . [ ص: 192 ] وقال تعالى : { وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم وليمكنن لهم دينهم الذي ارتضى لهم } وقال : { ورضيت لكم الإسلام دينا } وقال : { وإن تشكروا يرضه لكم } فبين أنه يرضى الدين الذي أمر به فلو كان يرضى كل شيء لما كان له خصيصة وفي الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم { أنه قال لا أحد أغير من الله أن يزني عبده أو تزني أمته } وقال : { إن الله يغار والمؤمن يغار وغيرة الله أن يأتي العبد ما حرم عليه } ولا بد في الغيرة من كراهة ما يغار منه وبغضه وهذا باب واسع .



فصل وأما " المسألة الرابعة " : فقوله إذا جف القلم بما هو كائن فما معنى قوله { ادعوني أستجب لكم } وإن كان الدعاء أيضا مما هو كائن فما فائدة الأمر به ولا بد من وقوعه ؟ فيقال : الدعاء في اقتضائه الإجابة كسائر الأعمال الصالحة في اقتضائها الإثابة وكسائر الأسباب في اقتضائها المسببات ومن قال : إن الدعاء علامة ودلالة محضة على حصول المطلوب المسئول ليس بسبب أو هو عبادة محضة لا أثر له في حصول المطلوب وجودا ولا عدما ; بل ما يحصل بالدعاء يحصل [ ص: 193 ] بدونه فهما قولان ضعيفان فإن الله علق الإجابة به تعليق المسبب بالسبب كقوله : { وقال ربكم ادعوني أستجب لكم } وفي الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم { أنه قال ما من مسلم يدعو الله بدعوة ليس فيها إثم ولا قطيعة رحم إلا أعطاه بها إحدى خصال ثلاث : إما أن يعجل له دعوته وإما أن يدخر له من الخير مثلها وإما أن يصرف عنه من الشر مثلها قالوا : يا رسول الله إذا نكثر قال الله أكثر } فعلق العطايا بالدعاء تعليق الوعد والجزاء بالعمل المأمور به وقال عمر بن الخطاب : إني لا أحمل هم الإجابة وإنما أحمل هم الدعاء فإذا ألهمت الدعاء فإن الإجابة معه وأمثال ذلك كثير

. وأيضا فالواقع المشهود يدل على ذلك ويبينه كما يدل على ذلك مثله في سائر الأسباب وقد أخبر سبحانه من ذلك ما أخبر به في مثل قوله : { ولقد نادانا نوح فلنعم المجيبون } وقوله تعالى { وذا النون إذ ذهب مغاضبا فظن أن لن نقدر عليه فنادى في الظلمات أن لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين } { فاستجبنا له ونجيناه من الغم وكذلك ننجي المؤمنين } وقوله : { أمن يجيب المضطر إذا دعاه ويكشف السوء ويجعلكم خلفاء الأرض } وقوله تعالى عن زكريا : { رب لا تذرني فردا وأنت خير الوارثين } { فاستجبنا له ووهبنا له يحيى وأصلحنا له زوجه } وقال تعالى : { فإذا ركبوا في الفلك دعوا الله مخلصين له الدين فلما نجاهم إلى البر إذا هم يشركون } وقال تعالى : { ومن آياته الجواري في البحر كالأعلام } { إن يشأ يسكن الريح فيظللن رواكد على ظهره إن في ذلك لآيات لكل صبار شكور } { أو يوبقهن بما كسبوا ويعف عن كثير } { ويعلم الذين يجادلون في آياتنا ما لهم من محيص } . فأخبر أنه إن شاء أوبقهن ; فاجتمع أخذهم بذنوبهم وعفوه عن كثير منها مع علم المجادلين في آياته أنه ما لهم من محيص ; لأنه في مثل هذا الحال يعلم المورد للشبهات في الدلائل الدالة على ربوبية الرب وقدرته ومشيئته ورحمته أنه لا مخلص له مما وقع فيه .

كقوله في الآية الأخرى : { وهم يجادلون في الله وهو شديد المحال } . فإن المعارف التي تحصل في النفس بالأسباب الاضطرارية أثبت وأرسخ من المعارف التي ينتجها مجرد النظر القياسي - الذي ينزاح عن النفوس في مثل هذه الحال - هل الرب موجب بذاته .

فلا يكون هو المحدث للحوادث ابتداء ولا يمكنه أن يحدث شيئا ولا يغير العالم حتى يدعى ويسأل ؟ وهل هو عالم بالتفصيل والإجمال . وقادر على تصريف الأحوال حتى يسأل التحويل من حال إلى حال ؟ أو ليس كذلك كما يزعمه من يزعمه من المتفلسفة وغيرهم من الضلال فيجتمع مع العقوبة والعفو من ذي الجلال علم أهل المراء والجدال أنه لا محيص لهم عما أوقع بمن جادلوا في آياته وهو شديد المحال .

وقد تكلمنا على هذا وأشباهه وما يتعلق به من المقالات والديانات في غير هذا الموضع . والمقصود هنا أن يعلم أن الدعاء والسؤال هو سبب لنيل المطلوب المسئول [ ص: 195 ] ليس وجوده كعدمه في ذلك ولا هو علامة محضة كما دل عليه الكتاب والسنة وإن كان قد نازع في ذلك طوائف من أهل القبلة وغيرهم مع أن ذلك يقر به جماهير بني آدم من المسلمين واليهود والنصارى والصابئين والمجوس والمشركين لكن طوائف من المشركين والصابئين من المتفلسفة المشائين أتباع أرسطو ومن تبعه من متفلسفة أهل الملل كالفارابي وابن سينا ومن سلك سبيلهما - ممن خلط ذلك بالكلام والتصوف والفقه ونحو هؤلاء - يزعمون أن تأثير الدعاء في نيل المطلوب كما يزعمونه في تأثير سائر الممكنات المخلوقات من القوى الفلكية والطبيعية والقوى النفسانية والعقلية فيجعلون ما يترتب على الدعاء هو من تأثير النفوس البشرية من غير أن يثبتوا للخالق سبحانه بذلك علما مفصلا أو قدرة على تغيير العالم أو أن يثبتوا أنه لو شاء أن يفعل غير ما فعل لأمكنه ذلك فليس هو عندهم قادرا على أن يجمع عظام الإنسان ويسوي بنانه وهو سبحانه هو الخالق لها ولقواها فلا حول ولا قوة إلا بالله .

وأما قوله : وإن كان الدعاء مما هو كائن فما فائدة الأمر به ولا بد من وقوعه ؟ فيقال : الدعاء المأمور به لا يجب كونا بل إذا أمر الله العباد بالدعاء فمنهم من يطيعه فيستجاب له دعاؤه وينال طلبته ويدل ذلك على أن المعلوم المقدور هو الدعاء والإجابة ومنهم من يعصيه فلا يدعو فلا يحصل ما علق بالدعاء فيدل ذلك على أنه ليس في المعلوم المقدور الدعاء ولا الإجابة فالدعاء الكائن هو [ ص: 196 ] الذي تقدم العلم بأنه كائن [ والدعاء الذي لا يكون هو الذي تقدم العلم بأنه ] لا يكون .

فإن قيل : فما فائدة الأمر فيما علم أنه يكون من الدعاء قيل الأمر هو سبب أيضا في امتثال المأمور به كسائر الأسباب فالدعاء سبب يدفع البلاء فإذا كان أقوى منه دفعه وإن كان سبب البلاء أقوى لم يدفعه لكن يخففه ويضعفه ولهذا أمر عند الكسوف والآيات بالصلاة والدعاء والاستغفار والصدقة والعتق والله أعلم .



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث