الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

فصل السالكين إلى الله محض الإرادة والمحبة من غير اعتبار بالأمر والنهي

بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب

ومن هؤلاء من يظن أن الحق إذا وهبه حالا يتصرف به وكشفا لم يحاسبه على تصرفه به وهذا بمنزلة من يظن أنه إذا أعطاه ملكا لم يحاسبه على تصرفه فيه وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم { اللهم لا مانع لما أعطيت ولا معطي لما منعت ولا ينفع ذا الجد منك الجد } فبين أنه مع أنه المعطي المانع فلا ينفع المجدود جده إنما ينفعه الإيمان والعمل الصالح .

فهذا أصل عظيم ضل بالخطأ فيه خلق كثير حتى آل الأمر بكثير من هؤلاء إلى أن جعلوا أولياء الله المتقين يقاتلون أنبياءه ويعاونون أعداءه وأنهم مأمورون بذلك وهو أمر شيطاني قدري ولهذا يقول من يقول منهم : إن الكفار لهم خفراء من أولياء الله كما للمسلمين خفراء من أولياء الله ويظن كثير منهم أن أهل الصفة قاتلوا النبي صلى الله عليه وسلم في بعض المغازي فقال : { يا أصحابي تخلوني وتذهبون عني } فقالوا : نحن مع الله من كان مع الله كنا معه .

ويجوزون قتال الأنبياء وقتلهم كما قال شيخ مشهور منهم كان بالشام لو قتلت سبعين نبيا ما كنت مخطئا فإنه ليس في مشهدهم لله محبوب مرضي مراد إلا ما وقع فما وقع فالله يحبه ويرضاه وما لم يقع فالله لا يحبه ولا يرضاه [ ص: 350 ] والواقع هو تبع القدر لمشيئة الله وقدرته فما شاء كان وما لم يشأ لم يكن فهم من غلب كانوا معه ; لأن من غلب كان القدر معه ، والمقدور عندهم هو محبوب الحق فإذا غلب الكفار كانوا معهم وإذا غلب المسلمون كانوا معهم وإذا كان الرسول منصورا كانوا معه وإذا غلب أصحابه كانوا مع الكفار الذين غلبوهم .

وهؤلاء الذين يصلون إلى هذا الحد غالبهم لا يعرف وعيد الآخرة ; فإن من أقر بوعيد الآخرة وأنه للكفار لم يمكنه أن يكون معاونا للكفار مواليا لهم على ما يوجب وعيد الآخرة ; لكن قد يقولون بسقوطه مطلقا وقد يقولون بسقوطه عمن شهد توحيد الربوبية وكان في هذه الحقيقة القدرية ; وهذا يقوله طائفة من شيوخهم كالشيخ المذكور وغيره . فلهذا يوجد هؤلاء الذين يشهدون القدر المحض وليس عندهم غيره إلا ما هو قدر أيضا - من نعيم أهل الطاعة ، وعقوبة أهل المعصية - لا يأمرون بالمعروف ولا ينهون عن المنكر ولا يجاهدون في سبيل الله بل ولا يدعون الله بنصر المؤمنين على الكفار بل إذا رأى أحدهم من يدعوا ، قال الفقير أو المحقق أو العارف ما له يفعل الله ما يشاء وينصر من يريد ; فإن عنده أن الجميع واحد بالنسبة إلى الله وبالنسبة إليه أيضا ; فإنه ليس له غرض في نصر إحدى الطائفتين لا من جهة ربه فإنه لا فرق على رأيه عند الله تعالى بينهما ولا من جهة نفسه فإن حظوظه لا تنقص باستيلاء الكفار ; بل كثير منهم تكون [ ص: 351 ] حظوظه الدنيوية مع استيلاء الكفار والمنافقين والظالمين أعظم فيكون هواه أعظم .

وعامة من معهم من الخفراء هم من هذا الضرب فإن لهم حظوظا ينالونها باستيلائهم لا تحصل لهم باستيلاء المؤمنين . وشياطينهم تحب تلك الحظوظ المذمومة وتغريهم بطلبهم وتخاطبهم الشياطين بأمر ونهي وكشف يظنونه من جهة الله وأن الله هو أمرهم ونهاهم وأنه حصل لهم من المكاشفة ما حصل لأولياء الله المتقين ويكون ذلك كله من الشياطين وهم لا يفرقون بين الأحوال الرحمانية والشيطانية ; لأن الفرق مبني على شهود الفرق من جهة الرب تعالى وعندهم لا فرق بين الأمور الحادثة كلها من جهة الله تعالى إنما هو مشيئة محضة تناولت الأشياء تناولا واحدا فلا يحب شيئا ولا يبغض شيئا .

ولهذا يشترك هؤلاء في جنس السماع الذي يثير ما في النفوس من الحب والوجد والذوق ; فيثير من قلب كل أحد حبه وهواه وأهواؤهم متفرقة ; فإنهم لم يجتمعوا على محبة ما يحبه الله ورسوله ; إذ كان محبوب الحق - على أصل قولهم - هو ما قدره فوقع وإذا اختلفت أهواؤهم في الوجد اختلفت أهواء شياطينهم فقد يقتل بعضهم بعضا بشياطينه ; لأنها أقوى من شياطين ذاك وقد يسلبه ما معه من الحال الذي هو التصرف والمكاشفة الحاصلة له بسبب شياطينهم ; فتكون شياطينه هربت من شياطين ذلك فيضعف أمره ; ويسلب حاله ; كمن كان ملكا له أعوان فأخذت أعوانه ; فيبقى ذليلا لا ملك له . [ ص: 352 ]

فكثير من هؤلاء كالملوك الظلمة الذين يعادي بعضهم بعضا : إما مقتول ; وإما مأسور ; وإما مهزوم . فإن منهم من يأسر غيره فيبقى تحت تصرفه ; ومنهم من يسلبه غيره فيبقى لا حال له ; كالملك المهزوم ; فهذا كله من تفريع أصل الجهمية الغلاة في الجبر في القدر . وإنما يخلص من هذا كله من أثبت لله محبته لبعض الأمور وبغضه لبعضها ; وغضبا من بعضها ; وفرحا ببعضها وسخطا لبعضها كما أخبرت به الرسل ونطقت به الكتب وهذا هو الذي يشهد : أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله ويعلم أن التوحيد الذي بعثت به الرسل أن يعبد الله وحده لا شريك له فيعبد الله دون ما سواه .

وعبادته تجمع كمال محبته وكمال الذل له كما قال تعالى : { وأنيبوا إلى ربكم وأسلموا له } فينيب قلبه إلى الله ويسلم له ويتبع ملة إبراهيم حنيفا { ومن أحسن دينا ممن أسلم وجهه لله وهو محسن واتبع ملة إبراهيم حنيفا واتخذ الله إبراهيم خليلا } . ويعلم أن ما أمر الله ورسوله به فإن الله يحبه ويرضاه وما نهى عنه فإنه يبغضه وينهى عنه ويمقت عليه ويسخط على فاعله فصار يشهد الفرق من جهة الحق تعالى .

ويعلم أن الله تعالى يحب أن يعبد وحده لا شريك له ، ويبغض من يجعل له أندادا يحبونهم كحب الله وإن كانوا مقرين بتوحيد الربوبية كمشركي [ ص: 353 ] العرب وغيرهم وأن هؤلاء القدرية الجبرية الجهمية أهل الفناء في توحيد الربوبية حقيقة قولهم من جنس قول المشركين الذين قالوا : { لو شاء الله ما أشركنا ولا آباؤنا ولا حرمنا من شيء } قال الله تعالى : { كذلك كذب الذين من قبلهم حتى ذاقوا بأسنا قل هل عندكم من علم فتخرجوه لنا إن تتبعون إلا الظن وإن أنتم إلا تخرصون } { قل فلله الحجة البالغة فلو شاء لهداكم أجمعين } .

فإن هؤلاء المشركين لما أنكروا ما بعثت به الرسل من الأمر والنهي وأنكروا التوحيد الذي هو عبادة الله وحده لا شريك له وهم يقرون بتوحيد الربوبية وأن الله خالق كل شيء ما بقي عندهم من فرق من جهة الله تعالى بين مأمور ومحظور . فقالوا : { لو شاء الله ما أشركنا ولا آباؤنا ولا حرمنا من شيء } وهذا حق ; فإن الله لو شاء أن لا يكون هذا لم يكن ; لكن أي فائدة لهم في هذا هذا غايته أن هذا الشرك والتحريم بقدر ولا يلزم إذا كان مقدورا أن يكون محبوبا مرضيا لله ولا علم عندهم بأن الله أمر به ولا أحبه ولا رضيه بل ليسوا في ذلك إلا على ظن وخرص .

فإن احتجوا بالقدر فالقدر عام لا يختص بحالهم . وإن قالوا : نحن نحب هذا ونسخط هذا فنحن نفرق الفرق الطبيعي لانتفاء الفرق من جهة الحق قال : لا علم عندكم بانتفاء الفرق من جهة الله تعالى والجهمية المثبتة للشرع تقول : بأن الفرق الثابت هو أن التوحيد [ ص: 354 ] قرن به النعيم ، والشرك قرن به العذاب وهو الفرق الذي جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم وهو عندهم يرجع إلى علم الله بما سيكون وإخباره بل هؤلاء لا يرجع الفرق عندهم إلى محبة منه لهذا وبغض لهذا .

وهؤلاء يوافقون المشركين في بعض قولهم لا في كله كما أن القدرية من الأمة - الذين هم مجوس الأمة - يوافقون المجوس المحضة في بعض قولهم لا في كله وإلا فالرسول قد دعاهم إلى عبادة الله وحده لا شريك له وإلى محبة الله دون ما سواه وإلى أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما والمحبة تتبع الحقيقة فإن لم يكن المحبوب في نفسه مستحقا أن يحب لم يجز الأمر بمحبته فضلا عن أن يكون أحب إلينا من كل ما سواه .

وإذا قيل " محبته " محبة عبادته وطاعته قيل محبة العبادة والطاعة فرع على محبة المعبود المطاع وكل من لم يحب في نفسه لم تحب عبادته وطاعته ولهذا كان الناس يبغضون طاعة الشخص الذي يبغضونه ولا يمكنهم مع بغضه محبة طاعته إلا لغرض آخر محبوب مثل عوض يعطيهم على طاعته فيكون المحبوب في الحقيقة هو ذلك العوض فلا يكون الله ورسوله أحب إليهم مما سواهما إلا بمعنى أن العوض الذي يحصل من المخلوقات أحب إليهم من كل شيء .

ومحبة ذلك العوض مشروط بالشعور به فما لا يشعر به تمتنع محبته . فإذا قيل : هم قد وعدوا على محبة الله ورسوله بأن يعطوا أفضل محبوباتهم المخلوقة [ ص: 355 ] قيل : لا معنى لمحبة الله ورسوله عندكم إلا محبة ذلك العوض ، والعوض غير مشعور به حتى يحب وإذا قيل : بل إذا قال : من قال : لا يحب غيره إلا لذاته المعنى : أنك إذا أطعتني أعطيتك أعظم ما تحبه صار محبا لذلك الآمر له .

قيل : ليس الأمر كذلك بل يكون قلبه فارغا من محبة ذلك الآمر وإنما هو معلق بما وعده من العوض على عمله كالفعلة الذين يعملون من البناء والخياطة والنساجة وغير ذلك ما يطلبون به أجورهم فهم قد لا يعرفون صاحب العمل أو لا يحبونه ولا لهم غرض فيه إنما غرضهم في العوض الذي يحبونه . وهذا أصل قول الجهمية والقدرية والمعتزلة الذين ينكرون محبة الله تعالى ولهذا قالت المعتزلة ومن اتبعها من الشيعة ; إن معرفة الله وجبت لكونها لطفا في أداء الواجبات العقلية فجعلوا أعظم المعارف تبعا لما ظنوه واجبا بالعقل وهم ينكرون محبة الله والنظر إليه فضلا عن لذة النظر .

وابن عقيل لما كان في كثير من كلامه طائفة من كلام المعتزلة سمع رجلا يقول : اللهم إني أسألك لذة النظر إلى وجهك . فقال : يا هذا هب أن له وجها أفتتلذذ بالنظر إليه وهذا اللفظ مأثور عن النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الذي رواه النسائي وغيره عن عمار عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال في الدعاء : { اللهم بعلمك الغيب وقدرتك على الخلق أحيني ما كانت الحياة خيرا لي وتوفني إذا كانت الوفاة خيرا لي اللهم إني أسألك خشيتك في الغيب والشهادة ، وأسألك كلمة الحق في الغضب والرضا وأسألك القصد في الفقر والغنى وأسألك نعيما لا ينفد وأسألك قرة عين لا تنقطع وأسألك [ ص: 356 ] الرضا بعد القضاء وبرد العيش بعد الموت وأسألك لذة النظر إلى وجهك الكريم والشوق إلى لقائك من غير ضراء مضرة ولا فتنة مضلة اللهم : زينا بزينة الإيمان واجعلنا هداة مهتدين } .

وقد روي هذا اللفظ من وجه آخر عن النبي صلى الله عليه وسلم - أظنه من رواية زيد بن ثابت - ومعناه في الصحيح من حديث صهيب عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : { إذا دخل أهل الجنة الجنة نادى مناد ; يا أهل الجنة إن لكم عند الله موعدا يريد أن ينجزكموه . فيقولون : ما هو ؟ ألم يبيض وجوهنا ويثقل موازيننا ويدخلنا الجنة ويجرنا من النار ؟ قال : فيكشف الحجاب فينظرون إليه فما أعطاهم شيئا أحب إليهم من النظر إليه وهي الزيادة } يعني قوله : { للذين أحسنوا الحسنى وزيادة }

. فقد أخبر أنه ليس فيما أعطوه من النعيم أحب إليهم من النظر وإذا كان النظر إليه أحب الأشياء إليهم علم أنه نفسه أحب الأشياء إليهم وإلا لم يكن النظر أحب أنواع النعيم إليهم ; فإن محبة الرؤية تتبع محبة المرئي وما لا يحب ولا يبغض في نفسه لا تكون رؤيته أحب إلى الإنسان من جميع أنواع النعيم . و " في الجملة " فإنكار الرؤية والمحبة والكلام - أيضا - معروف من كلام الجهمية والمعتزلة ومن وافقهم . والأشعرية ومن تابعهم يوافقونهم على [ ص: 357 ] نفي المحبة ويخالفونهم في إثبات الرؤية ولكن الرؤية التي يثبتونها لا حقيقة لها .

وأول من عرف عنه في الإسلام أنه أنكر أن الله يتكلم وأن الله يحب عباده : " الجعد بن درهم " . ولهذا أنكر أن يكون اتخذ الله إبراهيم خليلا أو كلم موسى تكليما فضحى به خالد بن عبد الله القسري وقال : ضحوا أيها الناس تقبل الله ضحاياكم فإني مضح بالجعد بن درهم إنه زعم أن الله لم يتخذ إبراهيم خليلا ولم يكلم موسى تكليما تعالى الله عما يقوله الجعد علوا كبيرا . ثم نزل فذبحه . وأما " الصوفية " فهم يثبتون المحبة بل هذا أظهر عندهم من جميع الأمور وأصل طريقتهم إنما هي الإرادة والمحبة وإثبات محبة الله مشهور في كلام أوليهم وآخريهم كما هو ثابت بالكتاب والسنة واتفاق السلف .

والمحبة جنس تحته أنواع كثيرة فكل عابد محب لمعبوده : فالمشركون يحبون آلهتهم كما قال الله تعالى : { ومن الناس من يتخذ من دون الله أندادا يحبونهم كحب الله والذين آمنوا أشد حبا لله } وفيه قولان .

( أحدهما ) : يحبونهم كحب المؤمنين لله .

و ( الثاني ) : يحبونهم كما [ ص: 358 ] يحبون الله ; لأنه قد قال : { والذين آمنوا أشد حبا لله } فلم يمكن أن يقال : إن المشركين يعبدون آلهتهم كما يعبد الموحدون الله بل كما يحبون - هم - الله ; فإنهم يعدلون آلهتهم برب العالمين . كما قال : { ثم الذين كفروا بربهم يعدلون } وقال : { تالله إن كنا لفي ضلال مبين } { إذ نسويكم برب العالمين } .

وقد قال : بعض من نصر القول الأول في الجواب عن حجة ( القول الثاني ) قال : المفسرون : قوله : { والذين آمنوا أشد حبا لله } أي أشد حبا لله من المشركين لآلهتهم . فيقال لا : ما قاله هؤلاء المفسرون مناقض لقولك فإنك تقول : إنهم يحبون الأنداد كحب المؤمنين لله وهذا يناقض أن يكون المؤمنون أشد حبا لله من المشركين لأربابهم فتبين ضعف هذا القول وثبت أن المؤمنين يحبون الله أكثر من محبة المشركين لله ولآلهتهم ; لأن أولئك أشركوا في المحبة والمؤمنون أخلصوها كلها لله .

و ( أيضا فقوله ) : { كحب الله } أضيف فيه المصدر إلى المحبوب المفعول وحذف فاعل الحب فإما أن يراد كما يحب الله - من غير تعيين فاعل - فيبقى عاما في حق الطائفتين وهذا يناقض قوله : { والذين آمنوا أشد حبا لله } وإما أن يراد كحبهم لله ولا يجوز أن يراد كما يحب غيرهم لله إذ ليس في الكلام ما يدل على هذا بخلاف حبهم فإنه قد دل عليه قوله : { ومن الناس من يتخذ من دون الله أندادا يحبونهم كحب الله } فأضاف الحب المشبه إليهم [ ص: 359 ] فكذلك الحب المشبه لهم إذ كان سياق الكلام يدل عليه .

إذا قال : يحب زيدا كحب عمرو أو يحب عليا كحب أبي بكر أو يحب الصالحين من غير أهله كحب الصالحين من أهله أو قيل : يحب الباطل كحب الحق أو يحب سماع المكاء والتصدية كحب سماع القرآن وأمثال ذلك لم يكن المفهوم إلا أنه هو المحب للمشبه والمشبه به وأنه يحب هذا كما يحب هذا لا يفهم منه أنه يحب هذا كما يحب غيره هذا إذ ليس في الكلام ما يدل على محبة غيره أصلا .

والمقصود أن المحبة تكون لما يتخذ إلها من دون الله ، وقد قال تعالى : { أفرأيت من اتخذ إلهه هواه وأضله الله على علم } فمن كان يعبد ما يهواه فقد اتخذ إلهه هواه فما هويه [ هويه ] إلهه فهو لا يتأله من يستحق التأله بل يتأله ما يهواه وهذا المتخذ إلهه هواه له محبة كمحبة المشركين لآلهتهم ، ومحبة عباد العجل له وهذه محبة مع الله لا محبة لله وهذه محبة أهل الشرك .

والنفوس قد تدعي محبة الله وتكون في نفس الأمر محبة شرك تحب ما تهواه وقد أشركته في الحب مع الله وقد يخفى الهوى على النفس فإن حبك الشيء يعمي ويصم . وهكذا الأعمال التي يظن الإنسان أنه يعملها لله وفي نفسه شرك قد خفي [ ص: 360 ] عليه وهو يعمله : إما لحب رياسة وإما لحب مال وإما لحب صورة ولهذا { قالوا : يا رسول الله الرجل يقاتل شجاعة وحمية ورياء فأي ذلك في سبيل الله ؟ فقال : من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله }

. فلما صار كثير من الصوفية النساك المتأخرين يدعون المحبة ولم يزنوها بميزان العلم والكتاب والسنة دخل فيها نوع من الشرك واتباع الأهواء والله تعالى قد جعل محبته موجبة لاتباع رسوله . فقال { قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله } وهذا لأن الرسول هو الذي يدعو إلى ما يحبه الله وليس شيء يحبه الله إلا والرسول يدعو إليه وليس شيء يدعو إليه الرسول إلا والله يحبه فصار محبوب الرب ومدعو الرسول متلازمين بل هذا هو هذا في ذاته وإن تنوعت الصفات .

فكل من ادعى أنه يحب الله ولم يتبع الرسول فقد كذب ليست محبته لله وحده بل إن كان يحبه فهي محبة شرك فإنما يتبع ما يهواه كدعوى اليهود والنصارى محبة الله فإنهم لو أخلصوا له المحبة لم يحبوا إلا ما أحب فكانوا يتبعون الرسول فلما أحبوا ما أبغض الله مع دعواهم حبه كانت محبتهم من جنس محبة المشركين .

وهكذا أهل البدع فمن قال : إنه من المريدين لله المحبين له وهو لا يقصد [ ص: 361 ] اتباع الرسول والعمل بما أمر به وترك ما نهى عنه فمحبته فيها شوب من محبة المشركين واليهود والنصارى بحسب ما فيه من البدعة . فإن البدع التي ليست مشروعة وليست مما دعا إليه الرسول لا يحبها الله فإن الرسول دعا إلى كل ما يحبه الله فأمر بكل معروف ونهى عن كل منكر .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث