الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب
جزء التالي صفحة
السابق

[ ص: 271 ] سئل شيخ الإسلام الإمام العلامة تقي الدين أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام ابن تيمية رضي الله عنه عن " العقل " الذي للإنسان هل هو عرض ؟ وما هي " الروح " المدبرة لجسده ؟ هل هي النفس ؟ وهل لها كيفية تعلم ؟ وهل هي عرض أو جوهر ؟ وهل يعلم مسكنها من الجسد ؟ ومسكن العقل ؟ .

التالي السابق


فأجاب : الحمد لله رب العالمين . " العقل " في كتاب الله وسنة رسوله وكلام الصحابة والتابعين وسائر أئمة المسلمين هو أمر يقوم بالعاقل سواء سمي عرضا أو صفة ليس هو عينا قائمة بنفسها سواء سمي جوهرا أو جسما أو غير ذلك . وإنما يوجد التعبير باسم " العقل " عن الذات العاقلة التي هي جوهر قائم بنفسه في كلام طائفة من المتفلسفة الذين يتكلمون في العقل والنفس ويدعون ثبوت عقول عشرة كما يذكر ذلك من يذكره من أتباع أرسطو أو غيره من المتفلسفة المشائين . ومن تلقى ذلك عنهم من المنتسبين إلى الملل .

وقد بسط الكلام على هؤلاء في غير هذا الموضع وبين أن ما يذكرونه [ ص: 272 ] من العقول والنفوس والمجردات والمفارقات والجواهر العقلية لا يثبت لهم منه إلا نفس الإنسان وما يقوم بها من العلوم وتوابعها ; فإن أصل تسميتهم لهذه الأمور مفارقات هو مأخوذ من مفارقة النفس البدن بالموت وهذا أمر صحيح فإن نفس الميت تفارق بدنه بالموت وهذا مبني على أن النفس قائمة بنفسها تبقى بعد فراق البدن بالموت منعمة أو معذبة وهذا مذهب أهل الملل من المسلمين وغيرهم وهو قول الصحابة والتابعين لهم بإحسان وسائر أئمة المسلمين وإن كان كثير من أهل الكلام يزعمون أن النفس هي الحياة القائمة بالبدن .

ويقول بعضهم : هي جزء من أجزاء البدن
كالريح المترددة في البدن أو البخار الخارج من القلب .

ففي الجملة النفس المفارقة للبدن بالموت ليست جزءا من أجزاء البدن ولا صفة من صفات البدن عند سلف الأمة وأئمتها . وإنما يقول هذا وهذا من يقوله من أهل الكلام المبتدع المحدث من أتباع الجهمية والمعتزلة ونحوهم . والفلاسفة المشاءون يقرون بأن النفس تبقى إذا فارقت البدن ; لكن يصفون النفس بصفات باطلة فيدعون أنها إذا فارقت البدن كانت عقلا . والعقل عندهم هو المجرد عن المادة وعلائق المادة والمادة عندهم هي الجسم وقد يقولون : هو المجرد عن التعلق بالهيولى والهيولى في لغتهم هو بمعنى المحل . ويقولون : المادة والصورة .

[ ص: 273 ] والعقل عندهم جوهر قائم بنفسه لا يوصف بحركة ولا سكون ولا تتجدد له أحوال ألبتة .

فحقيقة قولهم أن النفس إذا فارقت البدن لا يتجدد لها حال من الأحوال لا علوم ولا تصورات . ولا سمع ولا بصر ولا إرادات . ولا فرح وسرور ولا غير ذلك مما قد يتجدد ويحدث بل تبقى عندهم على حال واحدة أزلا وأبدا كما يزعمونه في العقل والنفس . ثم منهم من يقول : إن النفوس واحدة بالعين . ومنهم من يقول : هي متعددة . وفي كلامهم من الباطل ما ليس هذا موضع بسطه .

وإنما المقصود التنبيه على ما يناسب هذا الموضع : فهم يسمون ما اقترن بالمادة التي هي الهيولى وهي الجسم في هذا الموضع نفسا كنفس الإنسان المدبرة لبدنه . ويزعمون أن للفلك نفسا تحركه كما للناس نفوس لكن كان قدماؤهم يقولون : إن نفس الفلك عرض قائم بالفلك كنفوس البهائم وكما يقوم بالإنسان الشهوة والغضب لكن طائفة منهم كابن سينا وغيره زعموا أن النفس الفلكية جوهر قائم بنفسه كنفس الإنسان وما دامت نفس الإنسان مدبرة لبدنه سموها نفسا فإذا فارقت سموها عقلا ; لأن العقل عندهم هو المجرد عن المادة وعن علائق المادة . وأما النفس فهي المتعلقة بالبدن تعلق التدبير والتصريف .

[ ص: 274 ] وأصل تسميتهم هذه مجردات هو مأخوذ من كون الإنسان يجرد الأمور العقلية الكلية عن الأمور الحسية المعينة فإنه إذا رأى أفرادا للإنسان كزيد وعمرو عقل قدرا مشتركا بين الأناسي وبين الإنسانية الكلية المشتركة المعقولة في قلبه . وإذا رأى الخيل والبغال والحمير وبهيمة الأنعام وغير ذلك من أفراد الحيوان عقل من ذلك قدرا كليا مشتركا بين الأفراد وهي الحيوانية الكلية المعقولة . وإذا رأى مع ذلك الحيوان والشجر والنبات عقل من ذلك قدرا مشتركا كليا وهو الجسم النامي المغتذي وقد يسمون ذلك النفس النباتية . وإذا رأى مع ذلك سائر الأجسام العلوية الفلكية والسفلية العنصرية عقل من ذلك قدرا مشتركا كليا هو الجسم العام المطلق وإذا رأى ما سوى ذلك من الموجودات عقل من ذلك قدرا مشتركا كليا وهو الوجود العام الكلي الذي ينقسم إلى جوهر وعرض وهذا الوجود هو عندهم موضوع " العلم الأعلى " الناظر في الوجود ولواحقه وهي " الفلسفة الأولى " و " الحكمة العليا " عندهم .

وهم يقسمون الوجود : إلى جوهر وعرض والأعراض يجعلونها " تسعة أنواع " هذا هو الذي ذكره أرسطو وأتباعه يجعلون هذا من جملة المنطق ; لأن فيه المفردات التي تنتهي إليها الحدود المؤلفة وكذلك من سلك سبيلهم ممن صنف في هذا الباب كابن حزم وغيره .

وأما ابن سينا وأتباعه فقالوا : " الكلام في هذا لا يختص بالمنطق " [ ص: 275 ] فأخرجوها منه وكذلك من سلك سبيل ابن سينا كأبي حامد والسهروردي المقتول والرازي والآمدي وغيرهم . وهذه هي " المقولات العشر " التي يعبرون عنها بقولهم : الجوهر . والكم . والكيف . والأين . ومتى والإضافة والوضع والملك وأن يفعل وأن ينفعل وقد جمعت في بيتين وهي :

زيد الطويل الأسود ابن مالك في داره بالأمس كان متكي     في يده سيف نضاه فانتضا
فهذه عشر مقولات سوا

وأكثر الناس من أتباعه وغير أتباعه أنكروا حصر الأعراض في تسعة أجناس وقالوا : إن هذا لا يقوم عليه دليل . ويثبتون إمكان ردها إلى ثلاثة وإلى غير ذلك من الأعداد . وجعلوا الجواهر " خمسة أنواع " : الجسم والعقل والنفس والمادة والصورة .

فالجسم جوهر حسي والباقية جواهر عقلية ; لكن ما يذكرونه من الدليل على إثبات الجواهر العقلية إنما يدل على ثبوتها في الأذهان لا في الأعيان .

وهذه التي يسمونها " المجردات العقلية " ويقولون : الجواهر تنقسم إلى ماديات ومجردات فالماديات القائمة بالمادة وهي الهيولى وهي الجسم والمجردات هي المجردات عن المادة وهذه التي يسمونها المجردات أصلها هي هذه الأمور [ ص: 276 ] الكلية المعقولة في نفس الإنسان كما أن المفارقات أصلها مفارقة النفس البدن وهذان أمران لا ينكران ; لكن ادعوا في صفات النفس وأحوالها أمورا باطلة وادعوا أيضا ثبوت جواهر عقلية قائمة بأنفسها ويقولون فيها : العاقل والمعقول والعقل شيء واحد كما يقولون : مثل ذلك في رب العالمين . فيقولون : هو عاقل ومعقول وعقل وعاشق ومعشوق وعشق ولذيذ وملتذ ولذة .

ويجعلون الصفة عين الموصوف ويجعلون كل صفة هي الأخرى فيجعلون نفس العقل الذي هو العلم نفس العاقل العالم ونفس العشق الذي هو الحب نفس العاشق المحب ونفس اللذة هي نفس العلم ونفس الحب ويجعلون القدرة والإرادة هي نفس العلم فيجعلون العلم هو القدرة وهو الإرادة وهو المحبة وهو اللذة ويجعلون العالم المريد المحب الملتذ هو نفس العلم الذي هو نفس الإرادة وهو نفس المحبة وهو نفس اللذة فيجعلون الحقائق المتنوعة شيئا واحدا ويجعلون نفس الصفات المتنوعة هي نفس الذات الموصوفة ثم يتناقضون فيثبتون له علما ليس هو نفس ذاته كما تناقض ابن سينا في إشاراته . وغيره من محققيهم وبسط الكلام في الرد عليهم بموضع آخر .

والمقصود أنهم يعبرون بلفظ العقل عن جوهر قائم بنفسه ويثبتون جواهر عقلية يسمونها المجردات والمفارقات للمادة وإذا حقق الأمر عليهم لم يكن عندهم غير نفس الإنسان التي يسمونها الناطقة وغير ما يقوم بها من المعنى الذي يسمى عقلا .

[ ص: 277 ] وكان أرسطو وأتباعه يسمون " الرب " عقلا وجوهرا . وهو عندهم لا يعلم شيئا سوى نفسه ولا يريد شيئا ولا يفعل شيئا ويسمونه " المبدأ " و " العلة الأولى " لأن الفلك عندهم متحرك للتشبه به أو متحرك للشبه بالعقل فحاجة الفلك عندهم إلى العلة الأولى من جهة أنه متشبه بها كما يتشبه المؤتم بالإمام والتلميذ بالأستاذ . وقد يقول : إنه يحركه كما يحرك المعشوق عاشقه ليس عندهم أنه أبدع شيئا ولا فعل شيئا ولا كانوا يسمونه واجب الوجود ولا يقسمون الوجود إلى واجب وممكن ويجعلون الممكن هو موجودا قديما أزليا كالفلك عندهم .

وإنما هذا فعل ابن سينا وأتباعه وهم خالفوا في ذلك سلفهم وجميع العقلاء وخالفوا أنفسهم أيضا فتناقضوا ; فإنهم صرحوا بما صرح به سلفهم وسائر العقلاء من أن الممكن الذي يمكن أن يكون موجودا وأن يكون معدوما لا يكون إلا محدثا مسبوقا بالعدم .

وأما الأزلي الذي لم يزل ولا يزال فيمتنع عندهم وعند سائر العقلاء أن يكون ممكنا يقبل الوجود والعدم بل كل ما قبل الوجود والعدم لم يكن إلا محدثا وهذا مما يستدل به على أن كل ما سوى الله فهو محدث مسبوق بالعدم كائن بعد أن لم يكن كما بسط في موضعه .

لكن ابن سينا ومتبعوه تناقضوا فذكروا في موضع آخر أن الوجود ينقسم إلى : واجب وممكن . وأن الممكن قد يكون قديما أزليا لم يزل ولا يزال يمتنع [ ص: 278 ] عدمه ويقولون : هو واجب بغيره وجعلوا الفلك من هذا النوع ; فخرجوا عن إجماع العقلاء الذين وافقوهم عليه في إثبات شيء ممكن يمكن أن يوجد وألا يوجد وأنه مع هذا يكون قديما أزليا أبديا ممتنع العدم واجب الوجود بغيره فإن هذا ممتنع عند جميع العقلاء . وذلك بين في صريح العقل لمن تصور حقيقة الممكن الذي يقبل الوجود والعدم كما بسط في موضعه .

وهؤلاء المتفلسفة إنما تسلطوا على المتكلمين الجهمية والمعتزلة ومن سلك سبيلهم ; لأن هؤلاء لم يعرفوا حقيقة ما بعث الله به رسوله . ولم يحتجوا لما نصروه بحجج صحيحة في المعقول . فقصر هؤلاء المتكلمون في معرفة السمع والعقل . حتى قالوا : إن الله لم يزل لا يفعل شيئا ولا يتكلم بمشيئته ثم حدث ما حدث من غير تجدد سبب حادث وزعموا دوام امتناع كون الرب متكلما بمشيئته ثم حدث ما حدث من غير تجدد سبب حادث وزعموا دوام امتناع كون الرب متكلما بمشيئته فعالا لما يشاء ; لزعمهم امتناع دوام الحوادث ثم صار أئمتهم كالجهم بن صفوان وأبي الهذيل العلاف إلى امتناع دوامها في المستقبل والماضي فقال الجهم : بفناء الجنة والنار وقال أبو الهذيل : بفناء حركاتهما وأنهم يبقون دائما في سكون ويزعم بعض من سلك هذه السبيل أن هذا هو مقتضى العقل وأن كل ما له ابتداء فيجب أن يكون له انتهاء .

ولما رأوا الشرع قد جاء بدوام نعيم أهل الجنة كما قال تعالى : { أكلها دائم وظلها } وقال : { إن هذا لرزقنا ما له من نفاد } ظنوا أنه يجب تصديق الشرع فيما خالف فيه أهل العقل ولم يعلموا أن الحجة العقلية الصريحة لا تناقض الحجة الشرعية الصحيحة بل يمتنع تعارض الحجج الصحيحة سواء كانت عقلية أو سمعية أو سمعية وعقلية . بل إذا تعارضت حجتان دل على فساد إحداهما أو فسادهما جميعا .

وصار كثير منهم إلى جواز دوام الحوادث في المستقبل دون الماضي وذكروا فروعا عرف حذاقهم ضعفها كما بسط في غير هذا الموضع . وهو لزومهم أن يكون الرب كان غير قادر ثم صار قادرا من غير تجدد سبب يوجب كونه قادرا وأنه لم يكن يمكنه أن يفعل ولا يتكلم بمشيئته ثم صار الفعل ممكنا له بدون سبب يوجب تجدد الإمكان . وإذا ذكر لهم هذا قالوا : كان في الأزل قادرا على ما لم يزل فقيل لهم : القادر لا يكون قادرا مع كون المقدور ممتنعا بل القدرة على الممتنع ممتنعة وإنما يكون قادرا على ما يمكنه أن يفعله فإذا كان لم يزل قادرا فلم يزل يمكنه أن يفعل .

ولما كان أصل هؤلاء هذا صاروا في كلام الله على ثلاثة أقوال .

( فرقة قالت : الكلام لا يقوم بذات الرب بل لا يكون كلامه إلا مخلوقا ; لأنه إما قديم وإما حادث ويمتنع أن يكون قديما لأنه متكلم بمشيئته وقدرته والقديم لا يكون بالقدرة والمشيئة وإذا كان الكلام [ ص: 280 ] بالقدرة والمشيئة كان مخلوقا لا يقوم بذاته . إذ لو قام بذاته كانت قد قامت به الحوادث والحوادث لا تقوم به لأنها لو قامت به لم يخل منها وما لم يخل من الحوادث فهو حادث .

قالوا : إذ بهذا الأصل أثبتنا حدوث الأجسام وبه ثبت حدوث العالم . قالوا : ومعلوم أن ما لم يسبق الحادث لم يكن قبله إما معه وإما بعده . وما كان مع الحادث أو بعده فهو حادث . وكثير منهم لم يتفطن للفرق بين نوع الحوادث وبين الحادث المعين فإن الحادث المعين والحوادث المحصورة يمتنع أن تكون أزلية دائمة وما لم يكن قبلها فهو إما معها وإما بعدها وما كان كذلك فهو حادث قطعا . وهذا لا يخفى على أحد .

ولكن موضع النظر والنزاع " نوع الحوادث " . وهو أنه هل يمكن أن يكون النوع دائما فيكون الرب لا يزال يتكلم أو يفعل بمشيئته وقدرته أم يمتنع ذلك ؟ فلما تفطن لهذا الفرق طائفة قالوا : وهذا أيضا ممتنع لامتناع حوادث لا أول لها وذكروا على ذلك حججا كحجة التطبيق وحجة امتناع انقضاء ما لا نهاية له وأمثال ذلك . وقد ذكر عامة ما ذكر في هذا الباب وما يتعلق به في مواضع غير هذا الموضع ولكل مقام مقال .

وأولئك المتفلسفة لما رأوا أن هذا القول مما يعلم بطلانه بصريح العقل وأنه يمتنع حدوث الحوادث بدون سبب حادث ويمتنع كون الرب يصير فاعلا بعد [ ص: 281 ] أن لم يكن . وأن المؤثر التام يمتنع تخلف أثره عنه - ظنوا أنهم إذا أبطلوا هذا القول فقد سلم لهم ما ادعوه عن " قدم العالم " كالأفلاك وجنس المولدات ومواد العناصر وضلوا ضلالا عظيما خالفوا به صرائح العقول وكذبوا به كل رسول .

فإن الرسل مطبقون على أن كل ما سوى الله محدث مخلوق كائن بعد أن لم يكن . ليس مع الله شيء قديم بقدمه وأنه خلق السموات والأرض وما بينهما في ستة أيام . والعقول الصريحة تعلم أن الحوادث لا بد لها من محدث فلو لم تكن إلا العلة القديمة الأزلية المستلزمة لمعلولها لم يكن في العالم شيء من الحوادث . فإن حدوث ذلك الحادث عن علة قديمة أزلية مستلزمة لمعلولها ممتنع فإنه إذا كان معلولها لازما لها كان قديما معها لم يتأخر عنها فلا يكون لشيء من الحوادث سبب اقتضى حدوثه فتكون الحوادث كلها حدثت بلا محدث وهؤلاء فروا من أن يحدثها القادر بغير سبب حادث وذهبوا إلى أنها تحدث بغير محدث أصلا لا قادر ولا غير قادر . فكان ما فروا إليه شرا مما فروا منه وكانوا شرا من المستجير من الرمضاء بالنار .

واعتقد هؤلاء أن المفعول المصنوع المبتدع المعين كالفلك يقارن فاعله أزلا وأبدا لا يتقدم الفاعل عليه تقدما زمانيا وأولئك قالوا : بل المؤثر التام يتراخى عنه أثره ثم يحدث الأثر من غير سبب اقتضى حدوثه فأقام الأولون الأدلة العقلية الصريحة على بطلان هذا كما أقام هؤلاء الأدلة العقلية الصريحة [ ص: 282 ] على بطلان قول الآخرين ولا ريب أن قول هؤلاء أهل المقارنة أشد فسادا ومناقضة لصريح المعقول . وصحيح المنقول من قول أولئك أهل التراخي .

و ( القول الثالث الذي يدل عليه المعقول الصريح ويقر به عامة العقلاء ودل عليه الكتاب والسنة وأقوال السلف والأئمة لم يهتد له الفريقان : وهو أن المؤثر التام يستلزم وقوع أثره عقب تأثره التام لا يقترن به ولا يتراخى كما إذا طلقت المرأة فطلقت . وأعتقت العبد فعتق . وكسرت الإناء فانكسر وقطعت الحبل فانقطع فوقوع العتق والطلاق ليس مقارنا لنفس التطليق والإعتاق بحيث يكون معه ولا هو أيضا متراخ عنه بل يكون عقبه متصلا به . وقد يقال هو معه ومفارق له باعتبار أنه يكون عقبه متصلا به كما يقال : هو بعده متأخر عنه باعتبار أنه إنما يكون عقب التأثير التام ولهذا قال تعالى : { إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون } فهو سبحانه يكون ما يشاء تكوينه فإذا كونه كان عقب تكوينه متصلا به لا يكون مع تكوينه في الزمان ولا يكون متراخيا عن تكوينه بينهما فصل في الزمان ; بل يكون متصلا بتكوينه كاتصال أجزاء الحركة والزمان بعضها ببعض .

وهذا مما يستدل به على أن كل ما سوى الله حادث كائن بعد أن لم يكن وإن قيل مع ذلك بدوام فاعليته ومتكلميته وهذه الأمور مبسوطة في غير هذا الموضع .

[ ص: 283 ] و ( المقصود هنا أن هذا هو أصل من قال القرآن محدث ومن قال إن الرب لم يقم به كلام ولا إرادة بل ولا علم بل ولا حياة ولا قدرة ولا شيء من الصفات . فلما ظهر فساد هذا القول شرعا وعقلا قالت طائفة ممن وافقتهم على أصل مذهبهم : هو لا يتكلم بمشيئته وقدرته بل كلامه أمر لازم لذاته كما تلزم ذاته الحياة ثم منهم من قال : هو معنى واحد لامتناع اجتماع معان لا نهاية لها في آن واحد وامتناع تخصيصه بعدد دون عدد وقالوا : ذلك المعنى هو الأمر بكل مأمور والخبر عن كل مخبر عنه إن عبر عنه بالعربية كان قرآنا وإن عبر عنه بالعبرية كان توراة وإن عبر عنه بالسريانية كان إنجيلا . وقالوا : إن الأمر والنهي صفات للكلام لا أنواع له . فإن معنى " آية الكرسي " و " آية الدين " و { قل هو الله أحد } و { تبت يدا أبي لهب } معنى واحد .

فقال جمهور العقلاء لهم : تصور هذا القول يوجب العلم بفساده وقالوا لهم : موسى سمع كلام الله كله أو بعضه . إن قلتم كله لزم أن يكون قد علم علم الله . وإن قلتم بعضه فقد تبعض . وقالوا لهم : إذا جوزتم أن تكون حقيقة الخبر هي حقيقة الأمر وحقيقة النهي عن كل منهي عنه . والأمر بكل مأمور به هو حقيقة الخبر عن كل مخبر عنه فجوزوا أن تكون حقيقة العلم هي حقيقة القدرة وحقيقة القدرة هي حقيقة الإرادة . فاعترف حذاقهم بأن هذا لازم لهم لا محيد لهم عنه ولزمهم إمكان أن تكون حقيقة الذات هي حقيقة الصفات وحقيقة الوجود الواجب هي حقيقة الوجوب الممكن والتزم ذلك طائفة منهم فقالوا : [ ص: 284 ] الوجود واحد وعين الوجود الواجب القديم الخالق هو عين الوجود الممكن المخلوق المحدث .

وهذا أصل قول القائلين بوحدة الوجود كابن عربي الطائي وابن سبعين وأتباعهما كما بسط في مواضع .

ومن هؤلاء القائلين بأنه لا يتكلم بمشيئته وقدرته مع قيام الكلام به من قال : كلامه المعين حروف وأصوات معينة قديمة أزلية لم تزل ولا تزال . وزعموا أن كلا من القرآن والتوراة والإنجيل حروف وأصوات قديمة أزلية لم تزل ولا تزال فقال لهم جمهور العقلاء : معلوم بالاضطرار أن الباء قبل السين والسين قبل الميم فكيف يكونان معا أزلا وأبدا ومعلوم أن الصوت المعين لا يبقى زمانين فكيف يكون أزليا لم يزل ولا يزال .

فقالت ( الطائفة الثالثة - ممن سلك مسلك أولئك المتكلمين - بل نقول إنه يتكلم بمشيئته وقدرته كلاما قائما بذاته كما دل على ذلك الكتاب والسنة وإجماع السلف والأئمة وإن لزم من ذلك قيام الحوادث به فلا محذور في ذلك لا شرعا ولا عقلا بل هذا لازم لجميع طوائف العقلاء وعليه دلت النصوص الكثيرة وأقوال السلف والأئمة . ونقول : إنه يتكلم بمشيئته وقدرته بالقرآن العربي وأنه نادى موسى بصوت سمعه موسى كما دلت على ذلك النصوص وأقوال السلف لكن نقول إنه لم يكن في الأزل متكلما ويمتنع أن [ ص: 285 ] يكون لم يزل متكلما بمشيئته وقدرته لأن ذلك يستلزم حوادث لا أول لها . وهو أصل هؤلاء .

فقيل لهم : معلوم أن الكلام صفة كمال لا صفة نقص وأن من يتكلم بمشيئته وقدرته أكمل ممن لا يكون قادرا على الكلام بمشيئته وقدرته . وحينئذ فمن لم يزل متكلما بمشيئته أكمل ممن صار قادرا على الكلام بعد أن كان لا يمكنه أن يتكلم .

وقالوا لهم : إذا قلتم تكلم بعد أن كان الكلام ممتنعا من غير أن يكون هناك سبب أوجب تجدد قدرته وتجدد إمكان الكلام له قلتم إنه لم يزل غير قادر على الكلام ولم يزل الكلام غير ممكن له ثم صار قادرا يمكنه أن يتكلم بمشيئته من غير حدوث شيء وهذا مخالفة لصريح العقل وسلب لصفات الكمال عن الباري وجعله مثل المخلوق الذي صار قادرا على الكلام بعد أن لم يكن قادرا عليه .

والسلف والأئمة نصوا على أن الرب تعالى لم يزل متكلما إذا شاء وكما شاء كما نص على ذلك عبد الله بن المبارك وأحمد بن حنبل وغيرهم من أئمة الدين وسلف المسلمين وهم الذين قالوا بأن القرآن كلام الله منزل غير مخلوق . لم يقل أحد منهم أنه لا يتكلم بمشيئته وقدرته . ولا قال أحد منهم إنه مخلوق بائن [ ص: 286 ] عنه . ولا قال أحد منهم إنه صار متكلما أو قادرا على الكلام بعد أن لم يكن كذلك . وقد بسطت هذه الأمور في موضع آخر .

و ( المقصود أن هذه الأقوال التي قالها هؤلاء المتكلمون من الجهمية والمعتزلة والكلابية والكرامية والسالمية ومن وافقهم من المتأخرين الذين انتسبوا إلى بعض الأئمة الأربعة وخالفوا بها إجماع السلف والأئمة وما جاء به الكتاب والسنة وخالفوا بها صريح المعقول الذي فطر الله عليه عباده هي التي سلطت أولئك المتفلسفة الدهرية عليهم لكن قول الفلاسفة أعظم فسادا في المعقول والمنقول .

تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث