الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


ومما ينبغي التفطن له أن الله سبحانه قال في كتابه : { قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله } قال طائفة من السلف ادعى قوم على عهد النبي صلى الله عليه وسلم أنهم يحبون الله فأنزل الله هذه الآية { قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله } الآية . فبين سبحانه أن محبته توجب اتباع الرسول وأن اتباع الرسول يوجب محبة الله للعبد وهذه محبة امتحن الله بها أهل دعوى محبة الله فإن هذا الباب تكثر فيه الدعاوى والاشتباه ; ولهذا يروى عن ذي النون المصري أنهم تكلموا في مسألة المحبة عنده فقال : اسكتوا عن هذه المسألة لئلا تسمعها النفوس فتدعيها .

وقال بعضهم من عبد الله بالحب وحده . فهو زنديق ومن عبد الله بالخوف وحده فهو حروري ومن عبده بالرجاء وحده فهو مرجئ ومن عبده بالحب والخوف والرجاء فهو مؤمن موحد وذلك لأن الحب المجرد تنبسط النفوس فيه حتى تتوسع في أهوائها إذا لم يزعها وازع الخشية لله حتى قالت اليهود والنصارى { نحن أبناء الله وأحباؤه } ويوجد في مدعي المحبة من مخالفة الشريعة ما لا يوجد في أهل الخشية ولهذا قرن الخشية بها في قوله : [ ص: 82 ] { هذا ما توعدون لكل أواب حفيظ }

{ من خشي الرحمن بالغيب وجاء بقلب منيب }

{ ادخلوها بسلام ذلك يوم الخلود } .

وكان المشايخ المصنفون في السنة يذكرون في عقائدهم مجانبة من يكثر دعوى المحبة والخوض فيها من غير خشية لما في ذلك من الفساد الذي وقع فيه طوائف من المتصوفة وما وقع في هؤلاء من فساد الاعتقاد والأعمال أوجب إنكار طوائف لأصل طريقة المتصوفة بالكلية حتى صار المنحرفون صنفين . صنف يقر بحقها وباطلها وصنف ينكر حقها وباطلها كما عليه طوائف من أهل الكلام والفقه . والصواب إنما هو الإقرار بما فيها وفي غيرها من موافقة الكتاب والسنة والإنكار لما فيها وفي غيرها من مخالفة الكتاب والسنة .

وقال تعالى : { قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله ويغفر لكم ذنوبكم } فاتباع سنة رسوله صلى الله عليه وسلم وشريعته باطنا وظاهرا هي موجب محبة الله كما أن الجهاد في سبيله وموالاة أوليائه ومعاداة أعدائه هو حقيقتها كما في الحديث : { أوثق عرى الإيمان الحب في الله والبغض في الله } [ ص: 83 ] وفي الحديث . { من أحب لله وأبغض لله وأعطى لله ومنع لله فقد استكمل الإيمان } . وكثير ممن يدعي المحبة هو أبعد من غيره عن اتباع السنة وعن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والجهاد في سبيل الله ويدعي مع هذا أن ذلك أكمل لطريق المحبة من غيره لزعمه أن طريق المحبة لله ليس فيه غيرة ولا غضب لله وهذا خلاف ما دل عليه الكتاب والسنة ولهذا في الحديث المأثور . { يقول الله تعالى يوم القيامة أين المتحابون بجلالي ؟ اليوم أظلهم في ظلي يوم لا ظل إلا ظلي } فقوله أين المتحابون بجلال الله تنبيه على ما في قلوبهم من إجلال الله وتعظيمه مع التحاب فيه وبذلك يكونون حافظين لحدوده دون الذين لا يحفظون حدوده لضعف الإيمان في قلوبهم وهؤلاء الذين جاء فيهم الحديث { حقت محبتي للمتحابين في وحقت محبتي للمتجالسين في وحقت محبتي للمتزاورين في وحقت محبتي للمتباذلين في } والأحاديث في المتحابين في الله كثيرة .

وفي الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم من حديث أبي هريرة رضي الله عنه { سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله إمام عادل وشاب نشأ في عبادة الله ورجل قلبه معلق بالمسجد إذا خرج منه حتى يرجع إليه ورجلان تحابا في الله اجتمعا وتفرقا عليه ورجل تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه ورجل ذكر الله خاليا ففاضت عيناه ورجل دعته امرأة [ ص: 84 ] ذات منصب وجمال فقال : إني أخاف الله رب العالمين } . وأصل المحبة هو معرفة الله سبحانه وتعالى ولها أصلان :

( أحدهما : وهو الذي يقال له محبة العامة لأجل إحسانه إلى عباده وهذه المحبة على هذا الأصل لا ينكرها أحد فإن القلوب مجبولة على حب من أحسن إليها وبغض من أساء إليها والله سبحانه هو المنعم المحسن إلى عبده بالحقيقة فإنه المتفضل بجميع النعم وإن جرت بواسطة ; إذ هو ميسر الوسائط ومسبب الأسباب ولكن هذه المحبة في الحقيقة إذا لم تجذب القلب إلى محبة الله نفسه فما أحب العبد في الحقيقة إلا نفسه وكذلك كل من أحب شيئا لأجل إحسانه إليه فما أحب في الحقيقة إلا نفسه .

وهذا ليس بمذموم بل محمود . وهذه المحبة هي المشار إليها بقوله صلى الله عليه وسلم { أحبوا الله لما يغذوكم به من نعمه وأحبوني لحب الله وأحبوا أهلي بحبي } والمقتصر على هذه المحبة هو لم يعرف من جهة الله ما يستوجب أنه يحبه إلا إحسانه إليه وهذا كما قالوا : إن الحمد لله على " نوعين " : " حمد " هو شكر وذلك لا يكون إلا على نعمته . و " حمد " هو مدح وثناء عليه ومحبة له وهو بما يستحقه لنفسه سبحانه [ ص: 85 ] فكذلك الحب فإن الأصل الثاني فيه هو محبته لما هو له أهل وهذا حب من عرف من الله ما يستحق أن يحب لأجله وما من وجه من الوجوه التي يعرف الله بها مما دلت عليه أسماؤه وصفاته إلا وهو يستحق المحبة الكاملة من ذلك الوجه حتى جميع مفعولاته إذ كل نعمة منه فضل وكل نقمة منه عدل ولهذا استحق أن يكون محمودا على كل حال ويستحق أن يحمد على السراء والضراء وهذا أعلى وأكمل وهذا حب الخاصة .

وهؤلاء هم الذين يطلبون لذة النظر إلى وجهه الكريم ويتلذذون بذكره ومناجاته ويكون ذلك لهم أعظم من الماء للسمك حتى لو انقطعوا عن ذلك لوجدوا من الألم ما لا يطيقون وهم السابقون كما في صحيح مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه قال { مر النبي صلى الله عليه وسلم بجبل يقال له : حمدان فقال : سيروا هذا حمدان سبق المفردون قالوا : يا رسول الله من المفردون ؟ قال الذاكرون الله كثيرا والذاكرات } وفي رواية أخرى قال : { المستهترون بذكر الله يضع الذكر عنهم أثقالهم فيأتون الله يوم القيامة خفافا } والمستهتر بذكر الله يتولع به ينعم به كلف لا يفتر منه .

وفي حديث هارون بن عنترة عن أبيه عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : { قال موسى يا رب أي عبادك أحب إليك ؟ قال الذي يذكرني ولا ينساني قال : أي عبادك أعلم ؟ قال : الذي يطلب علم الناس إلى علمه ليجد كلمة تدله على [ ص: 86 ] هدى أو ترده عن رديء قال أي عبادك أحكم ؟ قال : الذي يحكم على نفسه كما يحكم على غيره ويحكم لغيره كما يحكم لنفسه } فذكر في هذا الحديث الحب والعلم والعدل وذلك جماع الخير . ومما ينبغي التفطن له أنه لا يجوز أن يظن في باب محبة الله تعالى ما يظن في محبة غيره مما هو من جنس التجني والهجر والقطيعة لغير سبب ونحو ذلك مما قد يغلط فيه طوائف من الناس حتى يتمثلون في حبه بجنس ما يتمثلون به في حب من يصد ويقطع بغير ذنب أو يبعد من يتقرب إليه وإن غلط في ذلك من غلط من المصنفين في رسائلهم حتى يكون مضمون كلامهم إقامة الحجة على الله بل لله الحجة البالغة .

وقد ثبت في الصحيحين عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : { يقول الله تعالى : من ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي ومن ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير منه ومن تقرب إلي شبرا تقربت إليه ذراعا ومن تقرب إلي ذراعا تقربت إليه باعا ومن أتاني يمشي أتيته هرولة } . وفي بعض الآثار يقول الله تعالى : { أهل ذكري أهل مجالستي وأهل شكري أهل زيارتي وأهل طاعتي أهل كرامتي وأهل معصيتي لا أؤيسهم من رحمتي وإن تابوا فأنا حبيبهم } - لأن الله يحب التوابين - { وإن لم يتوبوا فأنا طبيبهم أبتليهم بالمصائب حتى أطهرهم من المعائب } . [ ص: 87 ] وقد قال تعالى { ومن يعمل من الصالحات وهو مؤمن فلا يخاف ظلما ولا هضما } قالوا : الظلم أن يحمل عليه سيئات غيره والهضم أن ينقص من حسنات نفسه .

وقال تعالى : { وما ظلمناهم ولكن كانوا أنفسهم يظلمون } وفي الحديث الصحيح عن أبي ذر رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : { يقول الله تعالى : يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرما فلا تظالموا يا عبادي كلكم ضال إلا من هديته فاستهدوني أهدكم يا عبادي كلكم جائع إلا من أطعمته فاستطعموني أطعمكم . يا عبادي كلكم عار إلا من كسوته فاستكسوني أكسكم يا عبادي إنكم تذنبون بالليل والنهار وأنا أغفر الذنوب ولا أبالي فاستغفروني أغفر لكم يا عبادي إنكم لن تبلغوا ضري فتضروني ولن تبلغوا نفعي فتنفعوني يا عبادي لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أتقى قلب رجل واحد منكم ما زاد ذلك في ملكي شيئا يا عبادي لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أفجر قلب رجل واحد منكم ما نقص ذلك من ملكي شيئا يا عبادي لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم اجتمعوا في صعيد واحد فسألوني فأعطيت كل واحد منهم مسألته ما نقص ذلك من ملكي إلا كما ينقص المخيط إذا غمس في البحر يا عبادي إنما هي أعمالكم أحصيها لكم ثم أوفيكم إياها فمن وجد خيرا فليحمد الله ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه }

. ومن ذلك ما رواه البخاري في صحيحه عن شداد بن أوس قال : { قال [ ص: 88 ] رسول الله صلى الله عليه وسلم سيد الاستغفار أن يقول العبد : اللهم أنت ربي لا إله إلا الله أنت خلقتني وأنا عبدك وأنا على عهدك ووعدك ما استطعت أعوذ بك من شر ما صنعت أبوء لك بنعمتك علي وأبوء بذنبي فاغفر لي فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت . من قالها إذا أصبح موقنا بها فمات في يومه دخل الجنة ومن قالها إذا أمسى موقنا بها فمات من ليلته دخل الجنة } . فالعبد دائما بين نعمة من الله يحتاج فيها إلى شكر وذنب منه يحتاج فيه إلى الاستغفار وكل من هذين من الأمور اللازمة للعبد دائما فإنه لا يزال يتقلب في نعم الله وآلائه ولا يزال محتاجا إلى التوبة والاستغفار .

ولهذا كان سيد ولد آدم وإمام المتقين محمد صلى الله عليه وسلم يستغفر في جميع الأحوال . وقال صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح الذي رواه البخاري : { أيها الناس توبوا إلى ربكم فإني لأستغفر الله وأتوب إليه في اليوم أكثر من سبعين مرة } وفي صحيح مسلم أنه قال { إنه ليغان على قلبي وإني لأستغفر الله في اليوم مائة مرة } { وقال عبد الله بن عمر : كنا نعد لرسول الله صلى الله عليه وسلم في المجلس الواحد يقول رب اغفر لي وتب علي إنك أنت التواب الغفور مائة مرة } . [ ص: 89 ] ولهذا شرع الاستغفار في خواتيم الأعمال . قال تعالى : { والمستغفرين بالأسحار } وقال بعضهم : أحيوا الليل بالصلاة فلما كان وقت السحر أمروا بالاستغفار وفي الصحيح { أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا انصرف من صلاته استغفر ثلاثا وقال : اللهم أنت السلام ومنك السلام تباركت يا ذا الجلال والإكرام } وقال تعالى : { فإذا أفضتم من عرفات فاذكروا الله عند المشعر الحرام } إلى قوله : { واستغفروا الله إن الله غفور رحيم } وقد أمر الله نبيه بعد أن بلغ الرسالة وجاهد في الله حق جهاده وأتى بما أمر الله به مما لم يصل إليه أحد غيره فقال تعالى { إذا جاء نصر الله والفتح }

{ ورأيت الناس يدخلون في دين الله أفواجا }

{ فسبح بحمد ربك واستغفره إنه كان توابا } .

ولهذا كان قوام الدين بالتوحيد والاستغفار كما قال الله تعالى : { الر كتاب أحكمت آياته ثم فصلت من لدن حكيم خبير } .

{ ألا تعبدوا إلا الله إنني لكم منه نذير وبشير }

{ وأن استغفروا ربكم ثم توبوا إليه يمتعكم متاعا حسنا } الآية . وقال تعالى : { فاستقيموا إليه واستغفروه } وقال تعالى : { فاعلم أنه لا إله إلا الله واستغفر لذنبك وللمؤمنين والمؤمنات } .

ولهذا جاء في الحديث { يقول الشيطان أهلكت الناس بالذنوب وأهلكوني بلا إله إلا الله والاستغفار } وقد قال يونس { لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين } وكان النبي صلى الله عليه وسلم { إذا ركب دابته يحمد الله ثم يكبر ثلاثا ويقول : لا إله إلا أنت سبحانك ظلمت نفسي فاغفر لي } وكفارة المجلس التي كان يختم بها المجلس { سبحانك اللهم وبحمدك أشهد أن لا إله إلا أنت أستغفرك وأتوب إليك } والله أعلم وصلى الله على محمد وسلم .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث