الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

تفسير قوله تعالى والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء ولا يحل لهن أن يكتمن ما خلق الله في أرحامهن

جزء التالي صفحة
السابق

والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء ولا يحل لهن أن يكتمن ما خلق الله في أرحامهن إن كن يؤمن بالله واليوم الآخر وبعولتهن أحق بردهن في ذلك إن أرادوا إصلاحا ولهن مثل الذي عليهن بالمعروف وللرجال عليهن درجة والله عزيز حكيم

* * *

أشارت الآيات السابقة إلى أمثل السبل لاختيار الزوج ، وهو أن يكون أساس الاختيار الدين والتقوى والخلق ، لا المال والنسب ، ولأمة مؤمنة خير من مشركة ولو أعجبتكم

ثم أشارت الآيات أيضا إلى حسن العشرة الواجبة ، ولطف المودة الواصلة ، وبينت أن العلاقة بين الزوجين طهر لا دنس فيه ، ونظافة لا رجس معها يستوي في ذلك الحس والمعنى ، والمخبر والمظهر .

وأوجبت أن تكون العلاقة قائمة على العدل من غير ضرار ولا ظلم ، وبينت الحكم في الظلم الواقع إن استمر عليه مرتكبه ، ووثق إصراره بيمين يحلفها ، [ ص: 755 ] وذكرت أن القطع في هذه الحال أولى من الوصل ، والإنهاء أولى من البقاء لأن بقاء الحياة الزوجية في هذه الحال استمرار للظلم ، وبقاء للإثم ، ولا منفعة ترجى ، ولا جدوى تلتمس ; ولذلك قرر الله سبحانه وتعالى حكمه الصارم وهو الطلاق القاطع لهذا الظلم المستمر .

ولقد بينت بعد ذلك هذه الآية الكريمة التي تلوناها ، والتي سنتكلم في معناها حكم الطلاق ، وفصلت أحواله ومراته الآيات من بعدها .

وقبل أن نخوض في معنى هذه الآية الكريمة ، والإشارة إلى دقائق ألفاظها ومعانيها ، نقرر أن شريعة القرآن شرعت الزواج عقدا أبديا في أصل شرعته ; لأنه شرع لمعان وأغراض لا تتحقق إلا مع البقاء والدوام ، فقد شرع لإقامة الأسرة ، وتنظيم الحياة بين الرجل والمرأة ، وإنجاب النسل ، والقيام على تربيته وتهذيبه والسير به في مدارج الحياة ، وتلك أغراض لا تكون على الوجه الأكمل إلا إذا استمرت الحياة الزوجية موصولة موثقة بروابط من المودة والأخلاق والشرع إلى أن يقضي الله قضاءه . ذلك حكم الشرع ، وهو سنة الوجود ، وهو أكثر أحوال الزواج بين بني الإنسان ، لا يختلف في ذلك شرقي عن غربي ولا مسلم عن مسيحي .

والإسلام هو دين المبادئ السامية ، يبين المثل العليا ويدعو الناس إليها ، فهو يشير إلى المثل السامي في الزواج في مثل قوله تعالى : ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجا لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة ورحمة إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون وبقوله سبحانه وتعالى في العلاقة الزوجية : هن لباس لكم وأنتم لباس لهن

ولكن الإسلام مع دعوته إلى تلك المثل العالية في العلاقة الزوجية يعترف بالحقائق الواقعة ويعالجها ، ويطب لها ، ليأخذ النفوس إلى السير في طريق الكمال ، فإن عجزت أو انبتت في الطريق عالج ذلك العجز .

وكذلك عالج الأمر في شأن الزواج فشرعه أبديا ، ولكن الشرط في استمراره أن يكون الوداد هو الرابطة الواصلة ، وأن تلك الرابطة قد تتقطع أسبابها وتنفر [ ص: 756 ] القلوب بعد مودتها ، وتنفصم عروتها ، فهل يبقى المثل السامي للزواج وهو الاستمرار ولا يلتفت إلى النفرة المستحكمة والعداوة المسيطرة ، ونيران البغضاء الملتهبة ; لذلك اتجه الإسلام إلى علاج تلك الأدواء القائمة والطب لها ، فلم يكتف بالمثل العليا يعلنها ويدعو إليها ، بل اعترف بالواقع وعالجه ، وطب للأسقام ، فكان دين الحقائق الثابتة ، والسمو النفسي .

والنزاع بين الزوجين أمر يقع ، مهما يكن الزوجان ، ومهما تكن درجة كمالهما ، وقد كان نساء النبي - صلى الله عليه وسلم - يختلفن معه في الشأن الذي يربط بينهما ، بمطالبته بما ليس عنده ، وكان النبي - صلى الله عليه وسلم - الأسوة الحسنة لقومه وأمته في أخلاقه ومعاملته لأهله ، في الغضب والرضا ، وفي الوفاق وفي الخلاف ، ولكن أنى يكون للناس أخلاق النبيين ، والوحي ينزل عليهم من السماء ، ونفوسهم علت إلى الملكوت الأعلى ولقد كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يقول : " خيركم خيركم لأهله ، وأنا خيركم لأهلي " .

ولقد دعا الإسلام إلى إصلاح ما بين الزوجين إن ابتدأت العلاقة بينهما تسير في غير طريق المودة ; ولذا قال تعالى : وإن امرأة خافت من بعلها نشوزا أو إعراضا فلا جناح عليهما أن يصلحا بينهما صلحا والصلح خير وأحضرت الأنفس الشح وإن تحسنوا وتتقوا فإن الله كان بما تعملون خبيرا

ودعا الزوجين من له بهما صلة أن يتدخلوا عند الشقاق بينهما أو عند خوفه ، بأن يحكموا حكمين عند خوف الشقاق وتوقع النزاع ; ولذا قال تعالى : وإن خفتم شقاق بينهما فابعثوا حكما من أهله وحكما من أهلها إن يريدا إصلاحا يوفق الله بينهما إن الله كان عليما خبيرا

وإذا تعذر الإصلاح ولم يمكن التوفيق وصار الأمر نيرانا ، ولم يكن سلاما كان لا بد من التفريق ; ولذا قال سبحانه : وإن يتفرقا يغن الله كلا من سعته وكان الله واسعا حكيما

[ ص: 757 ] لا بد إذن من التفريق بينهما ; لأن عقد الزواج أصبح غير صالح للبقاء ، ولكن من الذي يملك التفريق ; لا شك أنهما إن اتفقا عليه وقع الطلاق ، ولا ضير في ذلك ما دام لم يكن في نوبة غضب جامحة ، ولم يكن لأمر عارض ، فيجب الاحتياط لذلك ما أمكن الاحتياط .

هذا إذا لم يتفقا فهل يقع الطلاق بإرادة منفردة من غير حكم قضائي ; لقد قال بعض الذين يظنون أن في ذلك صلاحا أنهما إن لم يتفقا على الطلاق لا يقع إلا بأمر القضاء ، وإن ذلك القول له وجهته لو كانت كل أمور الأسرة يجري فيها التقاضي ، ويسوغ فيها الإعلان ، وأن تتكشف أسرارها بين الناس ، ولكن الأمور بين الزوجين لا تجري فيها البينات ، وهي مستورة بستر الله لا يسوغ إعلانها ، وليس من مصلحة المجتمع إظهار العيوب الخاصة فيها .

وهب أن السبب المسوغ للطلاق هو النفرة الشديدة فكيف يمكن إثباتها ; إنها لا تعرف إلا من صاحبها ; لذلك لم يكن الطلاق في الإسلام في عامة أحواله بيد القضاء ، بل جرى الأمر فيه على أن يكون بيد الزوج إن كان هو الراغب ، وبيد القضاء إن كانت هي الراغبة فيه .

وهنا يرد سؤالان : أولهما : لماذا كان بيد الزوج مطلقا وبيد الأخرى مقيدا؟

والثاني : ألا يخشى ألا تكون النفرة مستحكمة ، ويطلق الزوج لنوبة غضب جامحة ، وتحت تأثير هوج ليست فيه إرادة مستقيمة ؟

والجواب عن السؤال الأول : أن الزوج تكلف في سبيل الزواج مالا كثيرا ، وسيعقب الطلاق تكليفات مالية أخرى ، فوق ما يحمله الزواج الجديد من أعباء جديدة ، فكل هذا يدفعه إلى التأني والتروي فلا يندفع وراء هوى جامح إلا إذا إيفت مشاعره ، وفسدت مداركه ، أما المرأة فعكس ذلك ، فلو كان الطلاق بيدها من غير تدخل قضاء لاندفعت وراء هواها جامحة ، ولكان في ذلك ظلم شديد على الرجل بضياع ماله ، وتكليفه بأعباء مالية جديدة فكان لا بد أن يتدخل القضاء ليعرف أكان [ ص: 758 ] الزوج ظالما فيذوق وبال أمره بضياع ماله ، وهدم الحياة الزوجية التي أقامها على الظلم ، أو ليعرف أن الزوجة ظالمة بالنشوز فيقضي بالطلاق ، ويكلفها المغارم المالية التي غرمها الزوج في سبيل الزواج كما هو مذهب مالك ; وليس السبيل لمعرفة الحق في الأمر هو الإثبات بالبينات فقط ، إنما هو الإثبات بتحكيم الحكمين من أهلها وأهله .

وأما الجواب عن السؤال الثاني ، وهو الخاص بألا تقع الحياة الزوجية تحت تأثير الغضب الجامح ، فقد احتاط الشارع الإسلامي لأمر ذلك الغضب في الطلاق بأحكام شرعها قبل الطلاق وبعده :

( أ ) فهو أولا : فرض أمر الحكمين والإصلاح ما أمكن الإصلاح إذا كان شقاق بين الزوجين كما أشرنا من قبل .

( ب ) وأوجب ثانيا : أن يكون الطلاق في وقت لا تكون المرأة فيه على حال تسوغ النفرة ، إلا إذا كانت مستحكمة ، فمنع الطلاق في حال الحيض ومنع الطلاق في الطهر الذي دخل بها فيه ، وظواهر السنة أن يكون الطلاق في هذه الأحوال باطلا .

( جـ ) واحتاط الشارع الإسلامي ثالثا بالنسبة للزوج المدخول بها وهي التي قامت معها الحياة الزوجية فعلا ، فلم يسوغ أن يكون الطلاق في هذه الحال باتا ، فلم يسوغه إلا واحدة ، ولم يسوغه إلا رجعيا في أثناء العدة .

( د ) واحتاط الشارع رابعا : فجعل للزوج الحق في مراجعة زوجته من غير عقد جديد ولا مهر جديد مدة طويلة تقارب نحو ثلاثة أشهر ، فإذا مضت هذه المدة الطويلة ، مع الإصرار والباب مفتوح وتدخل أهل الخير بينهما محتمل ، فإن ذلك يكون دليلا على استحكام النفرة ، وإن القلوب قد تشعب ودها ، ولم يعد من الصالح بقاء الحياة الزوجية في ظلها .

[ ص: 759 ] ( هـ ) واحتاط الشارع الإسلامي خامسا فسوغ لهما أن يستأنفا حياة زوجية جديدة ، إن عادت القلوب النافرة ، واستقامت على الحق ، وندم كل واحد على ما فرط منه في جنب صاحبه .

فإن تكرر الطلاق من بعد ، تكررت الاحتياطات السابقة ، فإن كانت الثالثة فهي التحريم المؤقت ، حتى تكون التجربة القاسية بزواجها من رجل آخر زواجا صحيحا للدوام والبقاء وقيام العشرة الزوجية الجديدة ثم انتهائها بأي سبب من أسباب الإنهاء الشرعية الصحيحة ، فإنها بعد ذلك تحل لزوجها الأول ، وقد صقلته التجربة وصقله البعد ، والله عليم بذات الصدور .

ولقد سقنا هذا القول في مقدمة تفسير هذه الآيات الكريمة المشتملة على أحكام الطلاق ، لأن ذلك القول خلاصتها ، وهو مرماها ، ولنضع الأحجار في أفواه الذين يعيبون أحكام الطلاق في القرآن ، وهي أحكام قد اشتقت من الفطرة وطبيعة الحياة الزوجية ، والاحتياط لها ما أمكن الاحتياط ولم يكن شيء منها معروفا من قبل ، ولم يصل العقل البشري لأدق منها وأحكم من بعد ; إنها شريعة اللطيف الخبير .

والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء التربص معناه : التأني والانتظار ، وقد قال بعض العلماء أنه مقلوب التصبر ، فهو تكلف الأناة ، وتكلف الانتظار مع صعوبة الاحتمال ، كما هو الشأن في أمر الصبر والتصبر ، وسواء أصح ذلك القول أم لم يصح ، فالتصبر والتربص متلاقيان في المعنى ، ومتشابهان في اللفظ .

والتعبير " يتربصن " يدل على الأمر ، وهو الطلب اللازم المؤكد ، وإن كانت الصيغة في ظاهرها صيغة خبرية ، وقد قرر الخبراء بالبيان العربي أن أوكد الصيغ دلالة على اللزوم الموثق : الصيغ الخبرية التي تساق للطلب ، مثل والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين لمن أراد أن يتم الرضاعة ومثل هذه الآية الكريمة التي نتكلم في معناها ، ولكن مع ذلك لماذا كان النسق البياني [ ص: 760 ] السامي في أن يجيء الأمر في هذا المقام بتلك الصيغة الخبرية ، فيكون معنى يتربصن : ليتربصن ؟ .

والجواب عن ذلك من عدة وجوه :

أولها : الإشارة إلى أن ذلك التربص يجب أن يكون من ذات نفس المطلقة ، لأنه هو الذي يليق بكرامتها ، ويتفق مع فطرتها ، فإن كانت الرغبة تدفعها إلى الزواج العاجل السريع إن كان الزوج الجديد كفئا ، فإن الكرامة توجب عليها الانتظار والتريث ، فلا يليق بالحرة الكريمة أن تنتقل بين الأزواج انتقالا سريعا ، لا فاصل فيه بين الزوجين .

وثانيها : أن نداء الفطرة يوجب عليها الانتظار لتستبرئ رحمها ، حتى إذا كان حمل نسب لأبيه ولا يتنازعه الأزواج ، فهن إذا انتظرن وامتنعن عن الزواج هذه المدة فكأن ذلك من أنفسهن لا من أمر فوقهن ، وكأن ذلك إلزام الفطرة قبل أن يكون إلزام الشرع .

وثالثها : الإشارة إلى أن الأمر بالتربص أجيب وحصل التربص فعلا ، فالتعبير بصيغة الخبر إشارة إلى الأمر والتنفيذ معا .

وإن من أبلغ الإشارات السامية الإتيان بكلمة بأنفسهن في الإلزام بالتربص ، فإن فيها الإشارة إلى ما في معنى التربص من الصيانة لأنفسهن عن الابتذال والاحتفاظ بكرامتهن . ولقد قال الزمخشري : في ذكر " الأنفس " تهييج لهن على التربص وزيادة بعث ; لأن فيه ما يستنكفن منه ، فيحملهن على أن يتربصن ، وذلك أن أنفس النساء طوامح إلى الرجال ، فأمرن أن يقمعن أنفسهن ، ويغلبنها على الطموح ويجبرنها على التربص .

ولماذا كانت تلك الإشارات المتعددة على المرأة ; لأن التربص لا يعرف إلا من جانبها ، فمداه لا يعرف إلا منها ، فكان ذلك التشديد النفسي ، لتتغلب على أهوائها ولا تقول إلا حقا .

[ ص: 761 ] وقد كانت مدة التربص بحكم القرآن الكريم هي ثلاثة قروء ، والقروء جمع قرء ، بضم القاف وفتحها ، وقد اتفق علماء اللغة على أن كلمة القرء تطلق على الحيضة وعلى المرة من الطهر الذي يكون بين الحيضتين ، وأصل معنى القرء بمعنى الجمع عند بعض علماء اللغة ، ووافقهم الشافعي ، ولكن خالف في ذلك أبو عمر بن عبد البر ، وقال : أن القرء مهموز لا مقصور ، والذي يكون بمعنى الجمع مأخوذ من قريت لا من قرأت ، ولكن علماء اللغة على غير ما قاله ابن عبد البر .

والقرء كما يطلق في أصل معناه على الجمع ، يطلق على الانتقال والخروج من حال إلى حال ، فيطلق على الانتقال من الحيض إلى الطهر ، ومن الطهر إلى الحيض .

ويطلق القرء أيضا بمعنى الوقت ، وهو المعنى الذي جرى فيه الاشتراك وهو وقت الطهر ، أو وقت الحيض .

هذا هو الأصل اللغوي لكلمة " قرء " ، وقد اتفق علماء اللغة على أنه يجوز إطلاقه على مدة الحيضة ، وعلى مدة الطهر ، ولكن اختلف مفسرو السلف في المراد بالقرء في الآية : أهو مدة الطهر بين الحيضتين ، أم هو مدة الحيضة ؟ فعمر وعلي وابن مسعود وأبو موسى الأشعري ، ومجاهد وقتادة وعكرمة والسدي وغيرهم على أن المراد في الآية مدة الحيضة ، وبهذا أخذ فقهاء العراق ، وعلى رأسهم أبو حنيفة ، ثم جاء على ذلك الرأي من بعد أحمد بن حنبل .

وقالت عائشة رضي الله عنها ، وعبد الله بن عمر ، وزيد بن ثابت ، والزهري وغيرهم : إن المراد بالقرء مدة الطهر بين الحيضتين ، وبهذا أخذ فقهاء الحجاز ، وعلى رأسهم إمام دار الهجرة مالك رضي الله عنه ، ثم جاء من بعده الشافعي ، ونهج هذا المنهاج .

وقد حاول كل واحد من الفريقين المختلفين من الفقهاء ، أن يلتمس من آي القرآن ومن السنة ما يؤيد مذهبه ، ويوضح تفسيره ، وقد استدل الحنفية والحنابلة في تفسير القرء بالحيضة بأدلة ، منها : [ ص: 762 ] ( أ ) أن " النبي - صلى الله عليه وسلم - فسر القرء بمعنى الحيض ، وذكر ذلك في عدة مواضع ، فقد قال النبي - صلى الله عليه وسلم - : " دعي الصلاة أيام أقرائك " . ولا شك أن المراد في هذا الحديث الحيض ; لأنه الذي تفسد الصلاة فيه ، وأيضا فإن فاطمة بنت أبي حبيش شكت إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الدم فقال لها - صلى الله عليه وسلم - : " إنما ذلك عرق ، فانظري إذا أتى قرؤك ; فلا تصلي ، وإذا مر القرء فتطهري ثم صلي من القرء إلى القرء " .

وفوق ذلك فقد قدر عمر على جمع من الصحابة ووافقوه ولم يعرف لهم مخالف عدة الأمة بالحيض دليلا على أنهم فهموا القرء حيضة ; لأن عدة الأمة من جنس عدة الحرة ، وإن كانت نصفها ، فكان لا بد أن يكون المراد من القرء من الآية الحيض في نظرهم .

( ب ) وإن الدليل على أن المراد بالقرء في تقدير العدة هو الحيض لا الطهر أن القرآن الكريم جعل الأساس في تقدير العدة بالأقراء كون المعتدة حائضا أو غير حائض ، فكان الأساس هو الحيض ، فقد قال تعالى : واللائي يئسن من المحيض من نسائكم إن ارتبتم فعدتهن ثلاثة أشهر وإذا كان الحيض هو الأساس في تقدير الأقراء ، فلا بد أن تكون الأقراء هي الحيضات .

( ج ) وإن الغرض الأول من العدة لا يتحقق إلا بالحيض ; لأن الغرض براءة الرحم ، وذلك لا يتحقق إلا بالحيض ، ولأن الحيض هو الأساس للطهر الذي يتخلل الحيضتين ، فكأن الأنسب للسياق البياني أن تقدر العدة بالحيضات لا بالأطهار التي تتخللها ، وفوق هذا أننا لو قدرناها بالأطهار لكانت العدة دون الثلاثة إن احتسبنا الطهر الذي حصل فيه ، وتكون أكثر من الثلاثة إن لم تحتسبه ، وإن احتسبنا الأقراء بالحيضات كانت الأقراء ثلاثة ما دام هو طلاق السنة الذي لا يكون إلا في طهر . وهو المفروض شرعا .

[ ص: 763 ] ثم فوق كل ذلك إن الذي يتفق مع معنى الجمع الذي هو في معنى القرء هو الحيض ; لأنه دليل الامتلاء والاجتماع الكامل ، فهو الفيض بعد أن امتلأ الإناء .

هذه حجج الحنفية والحنابلة الذين قرروا أن القرء هو الحيض في الآية : وأن العدة تقدر بالحيضات ، لا بالأطهار التي تتخللها .

أما الشافعية والمالكية ومن سلك مسلكهم ، فقد قالوا في الأحاديث السابقة إنها إن صحت تكون دليلا على أن الحيض تطلق عليه كلمة قرء ، ولا مشاحة في ذلك وليست دليلا على أنه المراد في الآية الكريمة ، وأما قول عمر إن عدة الأمة حيضتان ، فهو سير على رأيه في تفسير القرء بالحيضة ، ولا يدفع رأي صحابي برأي صحابي مثله بل يختار أقواهما ، والاستدلال بآية واللائي يئسن من المحيض لا ينتج ; لأن الأقراء إذا فسرت بالطهر لا تكون إلا لذات الحيض ، إذ هو فاصل بين حيضتين .

وقد استدل هؤلاء الذين فسروا الأقراء بالأطهار بأدلة من الكتاب والسنة واللغة والرأي :

أما الكتاب والسنة فقوله تعالى : فطلقوهن لعدتهن وقد وردت السنة بأن الطلاق لا يكون في الحيض ، ولا يتصور أن يكون الطلاق في العدة مع نهي النبي - صلى الله عليه وسلم - عن الطلاق في الحيض إلا إذا فسرنا القرء بالطهر لا بالحيض .

وأما استدلالهم باللغة والرأي ، فلأن القرء معناه الجمع ، يتم في الطهر لا في الحيض ; لأن الحيض ، مؤداه أن يرخى الرحم فيخرج الدم ، فهو تفريغ لا جمع ، والجمع في الطهر .

ولأن القرء معناه في اللغة الانتقال ، فيكون المطلوب ثلاثة انتقالات ، وهي الانتقال من الطهر إلى الحيض ، ثم من الحيض إلى الطهر ، ثم من الطهر إلى الحيض وبه تتم العدة ، وذلك يقتضي أمرين : [ ص: 764 ] أولهما - أن يفسر " القرء " بالأطهار ; لأنها التي بها تتحقق الانتقالات الثلاثة ، ولا يفسر بالحيضات ، لأن بها تتحقق انتقالات أربعة لا ثلاثة .

الأمر الثاني : أنه يحتسب من الأطهار الثلاثة الطهر الذي حصلت فيه الطلقة .

وفي الحق أننا بعد ذلك الاستدلال الطويل نميل إلى رأي عمر وعلي وابن مسعود ، وهو رأي الحنفية ، لأن الأساس في تقدير العدة بالاتفاق هو الحيض ، سواء أفسرنا القرء بالطهر أم بالحيضة ، لأن الطهر زمن بين حيضتين ، والمناسب أن يكون الحيض هو وحدة التقدير ، لأنه الأمر الإيجابي في المقام ، والطهر أمر سلبي ، ولأنه المناط المفرق بين الحامل وغير الحامل ، والمفرق بين العدة بالأشهر ، والعدة بالأقراء .

وقبل أن نترك هذا المقام نشير إلى أن قوله تعالى : والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء خاص بالمعتدات من المطلقات ذوات الحيض غير الحوامل ، أما غير المطلقات وهن المتوفى عنهن أزواجهن فقد بينت عدتهن بقوله تعالى : والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا يتربصن بأنفسهن أربعة أشهر وعشرا

وأما الحوامل فقد بينت عدتهن بقوله تعالى : وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن

ومن لا يحضن ليأس من الحيض ، أو لأنهن لم يرين الحيض ، فقد ثبتت عدتهن بقوله تعالى : واللائي يئسن من المحيض من نسائكم إن ارتبتم فعدتهن ثلاثة أشهر واللائي لم يحضن

ولا يحل لهن أن يكتمن ما خلق الله في أرحامهن أودع الله أحشاء المرأة أمانات ناط بها أحكاما ، فكانت الأمينة على تلك الأحكام كما كانت الأمينة بمقتضى نظام الله في الكون ، على الأنساب والأولاد ، وبمقدار عظم الأمانة كان عظم التكليف ; لذلك قرر سبحانه وتعالى أنه لا يحل لهن أن يكتمن أمانة الله التي خلقها في أرحامهن من ولد لينسبنه إلى غير أبيه ، فإن ذلك خيانة للأمانة وكذب على الله ، [ ص: 765 ] وافتراء على الحق ، وكذلك لا يكتمن ما خلق في أرحامهن من دم تلفظه الأرحام بعد أن خلقه الله سبحانه وتعالى فيها ، وذلك لتطول العدة ويمتد الإنفاق ، كما كان يفعل ذلك كثيرات من نساء هذا العصر ، مما اضطر الحكومة أن تمنع سماع دعوى نفقة المعتدة لأكثر من سنة ميلادية ، ولا يزلن مع ذلك يكتمن ما خلق الله في أرحامهن ! ! .

وعبر الله سبحانه وتعالى عن الدم والولد بأنه ما خلق الله في أرحامهن للإشارة إلى أن الكتمان كذب على الله ، ونفي لخلقه وتكوينه ، وفي ذلك مضاعفة الجرم وعظم الإثم ، وذلك فوق أن هذا التعبير عام شامل كامل لموضوعي الإنكار والكتمان وهما الحمل والحيض .

وقد قرن سبحانه وتعالى النهي عن الكتمان بقوله تعالى : إن كن يؤمن بالله واليوم الآخر للحث على عدم الكتمان ، والإخبار بما خلق الله ، لتستقيم الأحكام ، وتتقرر الحقوق ، وفي ذلك تعظيم لأمر الكتمان ، بأنه ينافي الإيمان ، لأن الإيمان يبعث على الصدق ، ويدعو إلى المحافظة على الأمانة ، وليس من المحافظة على أمانة الله ووديعته جحودها وكتمانها ، وما ترتب على ذلك من ضياع الحقوق التي تعلقت بها ، والاستهانة بأحكام الله سبحانه وتعالى التي ناطها بها ، وأي مؤمنة ترضى لنفسها أن تعاند أحكام الله ، وتخون أمانته ، وتجحد وديعته ! ! .

وفوق ذلك في هذه الجملة السامية تهديد ووعيد ، باليوم الآخر ، وما يكون فيه من عذاب شديد ، ثم ما يكون فيه من إظهار ما كتم ، وكشف ما أسر ، وإظهار ما أخفي .

هذا وقبل أن نترك الكلام في هذا الكلم الحكم نقرر أن الفقهاء مجتمعين قرروا أن القول قول المرأة في الإخبار عن عدتها ، ابتداء وانتهاء ، ولكن قرروا مع ذلك أمدا ينتهي للكتب الفقهية ، فإننا لا نمس من أقوال الفقهاء إلا ما له صلة بفهم ألفاظ القرآن الكريم والله سبحانه وتعالى بكل شيء محيط .

[ ص: 766 ] وبعولتهن أحق بردهن في ذلك إن أرادوا إصلاحا في هذه الجملة السامية بيان لبعض المقاصد الشرعية التي أرادها الشارع الحكيم من شرعية العدة ، وهو أن يكون لدى المطلق فرصة مراجعة نفسه ، بعد أن تكون قد ذهبت عنه نوبة الألم التي أدت إلى الفراق ، وقد تكون سحابة صيف تقشعت ، وعارضا قد زال ، وفي هذا بيان لعلاج الله سبحانه وتعالى لنفوس المطيقين ، إذ جعل لهم وقت التربص من جانب المرأة ، وقت تروية وتدبر من جانب الرجل ، وفرصة لائحة لمن يريد الإصلاح من الأهل والعشيرة ، وكل من يهمهم أمر الزوجين ، وما كان بينهما من ثمرة لهذا الزواج ، والبعولة هم الأزواج ، قال فيه الزمخشري : إنه جمع بعل على وزن فعول ، ولكن ألحقت به التاء ، وجوز أن تكون مصدرا على وزن فعولة أريد به الجمع ، أو يكون الكلام على حذف مضاف تقديره أهل بعولة .

وتسمية المطلق بعلا ، بعد أن أوقع الطلاق فعلا ، دليل على أن الطلاق الرجعي الذي تجوز فيه المراجعة لا تنفصم به عرى الزوجية ، بل تستمر قائمة ، ويعتبر المطلق زوجا ، وتعتبر المطلقة زوجا أيضا ، وكذا يتوارثان إذا مات أحدهما والعدة قائمة .

وفي اعتبار كل مطلقة زوجة إذا كان الطلاق الأول أو الثاني وهي ذات عدة ما دام الطلاق من غير فداء بالمال - إشارة إلى أن الطلاق الأول والثاني رجعي دائما ما دام إلى عدة ، ومن غير فداء ، وهو مذهب الجمهور من الفقهاء ، فقد قرروا أن ذلك حكم الشارع ، وأنه لا يسوغ للمطلق أن يجعل بائنا ما اعتبره الشارع رجعيا ، وخالف في ذلك الحنفية وقالوا : إنه يسوغ للمطلق أن يجعل الطلاق بائنا ولو كان بعد الدخول ودون الثالثة ومن غير فداء ، لأن الرجعة حقه فله أن يسقطها .

ولكن الجمهور يرون أن الشارع الذي أعطى الزوج حق الطلاق هو الذي قيد ذلك التقييد فالرجعة ليست حقا مطلقا للزوج ولكنها فرصة ، وقيد في الطلاق ، فلا يرفع القيد ، ولا يزيل الرخصة التي رخصها الله سبحانه وتعالى له ، ونظم بها أمر [ ص: 767 ] الطلاق ، ولكنه يستطيع ألا ينتفع بها من غير أن يسقطها ، فإنها لتدارك ما فاته ، إن جمحت به نفسه ، فنطق بالطلاق ثم تبين خطؤه .

وإن تسمية المطلق زوجا أو بعلا فهم منه فقهاء الحنفية أن الطلاق الرجعي لا يزيل الحقوق الزوجية ما دامت العدة قائمة ، والتربص فيها لازما ; ولذلك لا يعتبرون الرجعة إعادة للزواج ، أو في معنى إنشائه ، بل يعتبرونها استدامة لأحكام الزواج واستمرارا له ; لأنه لم يزل ما دامت العدة قائمة ; ولذلك لا يعتبرون الدخول بها حراما قبل النطق بالرجعة ، ويعتبرون الدخول نفسه رجعة ، وفهموا أن الرد في قوله تعالى : أحق بردهن معناه الاستدامة والاستمرار على أحكام الزواج .

ولكن الشافعية فهموا أن الرجعة ليست استدامة لأحكام الزواج ، ولكنها إعادة له ; ولذا لم يسوغوا الدخول قبل النطق بالرجعة ، والدخول لا يعتبر رجعة لأنه قبل النطق بها حرام ، والحرام لا يكون سببا لنعمة الحلال .

والرجعة عمل من جانب الزوج وحده ، وليس فيها مهر جديد ، ولا تعتبر عقدا يحتاج إلى رضا المرأة ، وقد اشترط بعض الشافعية والحنابلة الإشهاد عليها لقوله تعالى : وأشهدوا ذوي عدل منكم وكان ذلك القول الكريم بعد بيان الطلاق والرجعة ، والحنفية استحسنوا الشهادة في الرجعة القولية ولم يوجبوها .

وقد قيد الله سبحانه وتعالى جواز الرجعة بقوله تعالى : إن أرادوا إصلاحا أي أن الرجل لا يسوغ له أن يفكر في الرجعة إلا إذا حاول إصلاح حاله ، وتقويم معوج نفسه ، وحملها على الاستقامة في المعاملة ، والعمل على خير الأسرة ، وإبعاد الغضب عن أن يكون حكما في الحياة الزوجية ، كما يحاول أخذ زوجه بالرفق ، والتقويم بالموعظة الحسنة ، وتقريبها بالمودة الواصلة ، مع الإرشاد الحكيم ، والإعراض عن البهتان ، وتجنيبها الزلات ، وسياسة الأسرة على أسس قويمة من الرحمة ولطف العشرة ، والحزم الصادق ، من غير إرهاق ، ومن غير إعنات ، وتعجبني كلمة حكيمة قالها عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه فقد قال : ( يعجبني الرجل يكون في أهله كالصبي ، فإذا التمسوا ما عنده وجدوه رجلا ) .

[ ص: 768 ] فإن راجع الرجل زوجه وهو على هذه النية فقد اختار الطريقة المثلى ، وسيكون التوفيق من الله ، وإن راجعها في نوبة رضا غير مدركة ، ولم يفكر في الأمر فعسى الله أن يحدث أمرا ، وإن راجعها على نية الكيد والأذى والمضارة فهو إثم عند الله ، والله عزيز حكيم .

ولهن مثل الذي عليهن بالمعروف وللرجال عليهن درجة هذا هو القانون العادل الشامل ، نطق به القرآن الكريم منذ أربعة عشر قرنا ، وقد شرعه الإسلام في وقت لم يعترف أي قانون من قوانين العالم بأن للمرأة أي حق من حقوق ، وفرضت عليها القوانين في العصور الغابرة كل الواجبات ، فجاء الإسلام ووضع تلك القاعدة العادلة ، وهي أن الحقوق يجب أن تكون متكافئة مع الواجبات ، فما على الإنسان من واجبات يكافئ ما له من حقوق ، وما من حق إلا تعلق به واجب ، فإذا كان للرجل سلطان في البيت وعلى المرأة واجب الطاعة ، فلها حق ، وهو العدل . . وإذا كانت المرأة قارة في البيت قائمة بشئونه ، وفرض عليها ذلك الواجب فلها حق الإنفاق . . وإذا كان عليها أن تعد البيت إعدادا حسنا بمقتضى العرف فلها حق المهر . . وإذا كان عليها أن تؤنس زوجها ، فعليه ألا يوحشها ، وقد أدرك ذلك المعنى الجليل ، وهو التساوي بين الحقوق والواجبات الصحابة الأولون ، حتى أن ابن عباس كان يقول : ( إني لأتزين لامرأتي كما تتزين لي ) .

وإن التساوي بين الحقوق والواجبات ليس مقصورا على ما بين الرجل والمرأة ، بل إنه قانون شامل سنه الإسلام وأيده العقل ، وبه يقوم العدل ، فقد جعل الواجب على المرء بمقدار ما له من حق ، وعلى هذا السنن المستقيم جعل الإسلام عقوبة العبد نصف عقوبة الحر ، لأن الرق الذي أسقط بعض حقوق الآدمية ، أسقط أيضا بعض واجباتها .

وليس معنى أن الواجبات على المرأة مساوية للحقوق التي لها على الرجل أن المرأة مساوية للرجل من كل الوجوه ، فإن الإسلام قرر فقط تساوي الحقوق والواجبات ، بالنسبة لها وليس لذلك علاقة بشأن المساواة بينها وبين الرجل في نوع [ ص: 769 ] الحقوق والواجبات ، ولكي لا يفهم أحد هذا المعنى قال الله سبحانه وتعالى : وللرجال عليهن درجة فالرجل ليس مساويا للمرأة ، وليست المرأة مساوية الرجل ; لأن قانون المساواة يوجب أولا تحقق المماثلة ، ومن البداهة أنه لا مماثلة بينهما ، فهما وإن كانا من جنس واحد إلا أنهما نوعان متقابلان غير متماثلين ، وإن كان كلاهما متمما للآخر ، ومن ازدواجهما يتكامل النوع الإنساني ، ويسير في مدارج الكمال .

وإذا كانت الأسرة لا تتكون إلا من ازدواج هذين العنصرين ، فلا بد أن يشرف على تهذيب الأسرة ، ويقوم على تربية ناشئتها وتوزيع الحقوق والواجبات فيها أحد العنصرين ، وقد نظر الإسلام إلى هذا الأمر نظرة عادلة فوجد الرجل أملك لزمام نفسه ، وأقدر على ضبط حسه ، ووجده الذي أقام البيت بماله وأن انهياره خراب عليه ، فجعل له الرياسة ; ولذا قال سبحانه : الرجال قوامون على النساء بما فضل الله بعضهم على بعض وبما أنفقوا من أموالهم

هذه هي الدرجة التي جعلها الإسلام للرجل ، وهي درجة تجعل له حقوقا ، وتجعل عليه واجبات أكثر ، فهي موائمة كل المواءمة لصدر النص الكريم فإذا كان للرجل فضل درجة ، فعليه فضل واجب .

ويلاحظ أن الله سبحانه وتعالى قيد المماثلة بين حقوق المرأة وواجباتها بالمعروف ، كما قيدها بما للرجال من درجة تضاعف واجباتهم ، والتقييد بالمعروف معناه التقييد بالأمر الذي لا تستنكره العقول ، بل تقره وترضاه ، ويتعارفه العقلاء ، فلا يطالب الرجل بخدمة البيت كما تطالب بها المرأة .

فعلى المرأة أن تقوم بواجباتها ، وتطالب بحقوقها بالنسبة لنفسها ولأولادها في دائرة العقل ، والعرف المستمد من قضايا الحق والعدل ، وإلف العقول والفضلاء ; لأنه لا يستقيم أمر الأسرة بغير ذلك التقييد العادل ، وذلك التوزيع الحكيم .

ولقد ختم الله سبحانه وتعالى الآية الكريمة بقوله تعالى : والله عزيز حكيم وفي ذلك دلالة على ثلاثة أمور : [ ص: 770 ] أولها - أن تلك المماثلة بين الحقوق والواجبات في الحقوق الزوجية بل في كل شئون الاجتماع الإنساني ، هي مقتضى الحكمة الإلهية والعدل الرباني ، وإن ذلك أقصى ما تصل إليه المعاملة الإنسانية من سمو .

ثانيها - إن الله سبحانه وتعالى القاهر القادر العزيز هو الذي أعز المرأة بعد ذلها ، وأعطاها حقوقها بعد هضمها ، وليس لها أن تطلب العزة من غير شرع الله فهو الملجأ والمعاذ لكل ذي حق مهضوم ، وقد أعلاها بعد خفض ، وكرمها بعد المهانة ، فما يسوغ لامرأة مسلمة من بعد أن تتمرد على حكم العزيز الحكيم ، وإن حكمته اقترنت بعزته ، فما للرجل من درجة هو مقتضى الحكمة ، والله بكل شيء محيط .

ثالثها - إشعار الرجل بأن الله فوقه ، وهو القادر القوي الغالب ، وهو المعز المذل ، الحكم العدل اللطيف الخبير ، فإن تجاوز الرجل شرعه ، وعدا ما حده له الكبير المتعال ، أخذه الله أخذ عزيز مقتدر ، وناله عقابه وحرم من ثوابه . تلك شريعة الله العادلة ، فليتدبرها الذين يشتطون في القول والعمل ، وليعلموا أن القرآن أول صوت سجل حقوق المرأة المعقولة كاملة إن في ذلك لذكرى لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد

* * *

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث