الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

تفسير قوله تعالى وإذا طلقتم النساء فبلغن أجلهن فلا تعضلوهن أن ينكحن أزواجهن إذا تراضوا بينهم بالمعروف ذلك يوعظ به

بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب
جزء التالي صفحة
السابق

وإذا طلقتم النساء فبلغن أجلهن فلا تعضلوهن أن ينكحن أزواجهن إذا تراضوا بينهم بالمعروف بعد أن بين سبحانه العواقب الوبيلة التي تترتب على الإمساك ضرارا ، وما فيه من ظلم للرجل والمرأة معا ، أخذ يبين حكمه سبحانه في ظلم آخر يقع بالنساء وعاقبته وبيلة للمجتمع ، فقال سبحانه : وإذا طلقتم النساء فبلغن أجلهن فلا تعضلوهن أن ينكحن أزواجهن

[ ص: 800 ] بلوغ الأجل هنا هو بلوغ أقصى العدة ، فالبلوغ هنا غير البلوغ في الآية السابقة ، إذ الأول كان للمقارنة والمشارفة ، وهنا للانتهاء والسياق هو الذي عين معنى البلوغ في الأول كما بينا ، وهو الذي عين معنى البلوغ الثاني ، إذ إن العقد المعبر عنه بقوله تعالى : أن ينكحن أزواجهن يدل على أن المراد هو انتهاء العدة ; إذ لا يتصور النكاح وهو العقد الذي يكون من طرفين إلا بعد انتهاء العدة ; ولذا قال الشافعي رضي الله عنه في هذه الآية والتي سبقتها : ( دل سياق الكلامين على اختلاف البلوغين ) .

والعضل معناه هنا المنع الظالم ، وأصله بمعنى الحبس والتضييق مع الألم ، ومنه : عضلت الدجاجة إذا تعلقت بها بيضتها فلم تخرج منها ، وعضل المرأة يمنعها من الزواج من غير مبرر فيه حبس لها وتضييق عليها ، وإرهاق لنفسها ولحسها .

وإن النساء اللائي يطلقن يتعرضن لظلم المطلقين ، فيحاول المطلقون أن يرهقوهن من أمرهن عسرا ، بأن يمنع كل مطلق من طلقها من أن تتزوج من غيره ، خصوصا إذا كان صاحب سطوة باغية ، أو كان ذا جبروت طاغية ; وتلك نزعة جاهلية ، لا يقرها عرف ولا شرع ولا عقل ، ويتعرض أولئك المطلقات لظلم ذويهن ، فقد يردن العودة إلى أزواجهن ، ويتراضين معهم على ذلك ، ولكن يقف الولي محاجزا ، حاسبا أن ذلك مهانة له ولها ، كما فعل بعض الناس في عصر النبي - صلى الله عليه وسلم - ; وقد ترتضي المطلقة رجلا زوجا لها ، عفا في عرضه ، تقيا في دينه فيملأ نفسها ; ولكن لا يرتضيه أولياؤها لأمر لا ينقص من قدره ، كفقر أو نحوه ، فيمنعونها من ذلك الزواج ! [ ص: 801 ] في كل هذه الصور يكون عضل المرأة ، وحبسها والتضييق عليها في ذات نفسها ; فنهى الله سبحانه وتعالى عن ذلك في قوله تعالى : وإذا طلقتم النساء فبلغن أجلهن فلا تعضلوهن أن ينكحن أزواجهن

وقد قال بعض العلماء : إن الخطاب للمطلقين ليمتنعوا عن تلك العنجهية الجاهلية ; وقال بعضهم الخطاب للأولياء لكيلا يحولوا بين النساء وبين الزواج ممن يردن من غير سبب ومبرر ، سواء أكان الزوج الذي ارتضته هو المطلق السابق أم كان غيره .

ونحن نرى أن الخطاب عام لكل المؤمنين ممن يقع في دائرتهم ذلك ، فهو يعم المطلقين ، ويعم الأولياء ، ويعم غيرهم ممن يتصلون بهم ، ويعم أولياء الأمر الذين بيدهم الهيمنة على الأمور ، والتعميم بهذا الشكل يدل على التكافل بين آحاد الأمة ، ووجوب التعاون بينهم في منع كل ظلم ، وخصوصا ما يقع على الضعفاء ، وما يمس الحرية الشخصية في أدق ما تتجه إليه ، ولا شيء يهم المرأة أكثر من اختيار زوجها ، ولا عقد أمس بالوجدان من عقد الزواج ، ولا اتفاق أكبر خطرا في الحياة من ذلك الاتفاق ; فالظلم فيه خطير بمقدار ما له من خطر وشأن .

غير أن المرأة ليست لها الحرية المطلقة في اختيار من تشاء من الأزواج ، بل إن رضاها مقيد بالمعقول والمشروع ; ولذا قيد التراضي بقوله : إذا تراضوا بينهم بالمعروف أي بالأمر الذي تسير عليه العقول ، ويجري به العرف ، ويقره العقل ، ولم يكن ثمة سبب للاعتراض ، فليس من المعقول أن يطلق اختيارها ويحترم إذا اختارت لمجرد الهوى العارض ، سواء أكان كفئا لها أم لم يكن كفئا ; ولذلك سوغ أبو حنيفة للولي أن يعترض إن تزوجت بغير كفء ، فهو قد أطلق حريتها ، ولكن إن أساءت الاختيار كان للولي الاعتراض ، وغير أبي حنيفة أشركوا الولي معها في الاختيار حتى لا تضل ، ولكن نهاهم القرآن عن أن يمتنعوا من غير سبب معقول ، وإلا كان ذلك عضلا ، ولها أن ترفع الأمر إلى القاضي صاحب الشأن ليرفع ظلم الأولياء .

[ ص: 802 ] وهنا نكتة بلاغية نشير إليها ; ذلك أن الله سبحانه وتعالى عبر عن الذين يختارهم النساء ويمنعن عنهم ظلما بالأزواج مع أن الزواج لم يتم ، للإشارة إلى الحقيقة المقررة الثابتة ، وهو أن من يقع اختيارها عليه ، ويتراضيان عليه بالمعروف ، ولم يكن الزواج بينهما فيه ما يشينها أو يشين أسرتها هو الذي ينبغي أن يكون ازدواجها به ، وهو في حكم الفطرة زوجها ، وعلى الأولياء ألا يعاندوا حكم الفطرة ، بل عليهم أن ينفذوه ويقروه ، ولا يصح لأحد أن يعارضه .

ذلك يوعظ به من كان منكم يؤمن بالله واليوم الآخر ذلك القول الحكيم ، والأمر الكريم يذكر الله به تذكيرا يرق معه قلب المؤمن وتخشع نفسه ، ويوجل قلبه إذا كان يؤمن بالله واليوم الآخر ; ذلك لأن الإيمان بالله ، والإحساس بعظمته وكبريائه ، يمنع الظالم من أن يظلم ، ولا يظلم الظالم إلا وهو في غفلة عن الله ، ولو أحس بأن الله محاسبه ، وأنه يأخذ الظالم بظلمه ، وأن دعوة المظلوم ليس بينها وبين الله حجاب ، ما استمر في ظلمه ، ولا استرسل في غيه ، ولكنه يكون حال ظلمه في غفوة عن الإيمان ، ونسيان للواحد الديان وهو القاهر فوق كل شيء .

والإيمان باليوم الآخر من شأنه أن يحس معه المؤمن بالحساب والعقاب الذي يرتقبه ، ومن شأنه أن يجعل المؤمن يستهين بالدنيا وما فيها ، ويعلم أنها ظل زائل ، وعرض حائل ، وأن الآخرة هي الباقية وإذا كان كذلك قلل من الرغبات ، وإذا قلت الرغبات ضعفت الدوافع إلى الظلم ، وخمدت نوازع الشر .

ذلكم أزكى لكم وأطهر والله يعلم وأنتم لا تعلمون ذلكم أيها المؤمنون أجمعون من غير تخصيص طائفة بالخطاب ، وهو ما شرعه الله سبحانه من أحكام خاصة بسلطان الأزواج والأولياء ، أزكى وأطهر ، والزكاة النماء ، أما أنه أزكى وأنمى ; فلأن قيام الأسرة على العدل والمودة والتراحم يؤيد في عدد الأمة فيكثر النسل ; ويزيد من قوتها ; لأن الجماعات القوية هي التي تقوم على أسرة قوية ، ولا شيء يقوي الأسرة أكثر من المودة والعدل والرحمة ; وأما أنه أطهر فلأن المرأة إذا عوملت معاملة كريمة بالحق والعدل وأطلقت حريتها في دائرة المعروف المعقول [ ص: 803 ] ولم تظلم في رغباتها العادلة ، أدى ذلك إلى الطهر والعفاف ; فإن احترام النفس صون وعفاف ، وامتهانها نقيض ذلك ; لأن النفس إذا أكرهت جمحت ، وإذا جمحت لم ترتبط برباط من الحكمة والصون والعفاف ، بل إنها إذا جمحت عميت ، فلا تدرك خيرا ولا شرا . ولقد روي أن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال : ( إن للقلوب شهوات ، وإقبالا وإدبارا ، فأتوها من قبل شهواتها وإقبالها ، فإن القلب إذا أكره عمي ) ولا عفة ولا طهر عند عماية القلوب .

ولقد قال سبحانه : ذلكم بضمير الجمع ، وغير النسق ; للإشارة إلى أن حماية المرأة من الهوان ومنع التضييق عليها في اختيار زوجها ، إن كان الاختيار في دائرة المعقول - حق على الجميع ، وفائدته للجميع .

ولقد ذيل سبحانه الآية الكريمة بقوله : والله يعلم وأنتم لا تعلمون للإشارة إلى أن شرع الله تعالى فيه النفع الدائم ، والمصلحة الحقيقية ، والنتائج المرضية; لأنه شرع من يعلم كل شيء ولا يجهل شيئا ، وليس للناس أن يتمردوا عليه ، أو يخالفوه ، أو يهونوا مخالفته في أنفسهم بدعوى أنهم يرونه في الظاهر مخالفا للظاهر من مصلحتهم ; فإن ما يدركونه مصلحة ليس بمصلحة في ذاته إذا جاء نص الشرع القاطع على خلافه ; لأن علم الإنسان قاصر ، وعلم الله وحده هو الكامل ; فلنتبع شرع الله ، ولا نحكم الهوى في نصوص الكتاب ، ولنحث التراب في وجوه الذين يحاولون مخالفة النصوص الصريحة القاطعة بدعوى أن المصلحة في خلافها ; لأنه لا توجد مصلحة قاطعة تخالف نصا قاطعا; إنما هي أوهام ، وعقول خاضعة لأزمان محكومة بالشر المتكاثف ، حتى حجب النور ; ولنقل لهم إن شرع الله هو المصلحة : والله يعلم وأنتم لا تعلمون

* * *

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث