الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

تفسير قوله تعالى ذلك ومن يعظم حرمات الله فهو خير له عند ربه وأحلت لكم الأنعام

جزء التالي صفحة
السابق

تعظيم مناسك الحج

قال الله (تعالى): ذلك ومن يعظم حرمات الله فهو خير له عند ربه وأحلت لكم الأنعام إلا ما يتلى عليكم فاجتنبوا الرجس من الأوثان واجتنبوا قول الزور [ ص: 4977 ] حنفاء لله غير مشركين به ومن يشرك بالله فكأنما خر من السماء فتخطفه الطير أو تهوي به الريح في مكان سحيق ذلك ومن يعظم شعائر الله فإنها من تقوى القلوب لكم فيها منافع إلى أجل مسمى ثم محلها إلى البيت العتيق ولكل أمة جعلنا منسكا ليذكروا اسم الله على ما رزقهم من بهيمة الأنعام فإلهكم إله واحد فله أسلموا وبشر المخبتين الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم والصابرين على ما أصابهم والمقيمي الصلاة ومما رزقناهم ينفقون

ذلك ومن يعظم حرمات الله فهو خير له عند ربه وأحلت لكم الأنعام إلا ما يتلى عليكم فاجتنبوا الرجس من الأوثان واجتنبوا قول الزور "ذلك "؛ الإشارة هنا إلى الحج؛ الذي أذن به خليل الله إبراهيم؛ وتكون "ذلك "؛ خبرا لمبتدإ محذوف؛ تقديره: "الحج هو ذلك "؛ لأن الآيات السابقة أشارت إلى أركانه وواجباته؛ إذ أشارت إلى الوقوف بعرفة أول الأيام العشرة؛ وأشارت إلى الطواف بالبيت؛ وأشارت إلى محرمات الإحرام؛ والتحلل؛ وحدت كل شعيرة من شعائره؛ ووقتت لها في ميقاتها المعلوم؛ ثم حثت الآية الكريمة على المحافظة على حرمات الحج؛ فلا يتحلل قبل ميقاته لمن أحرم بالحج؛ على حسب ما نوى من حج؛ وعمرة؛ أو أحدهما؛ ووقت تحلله من إحرامه؛ فقال: ومن يعظم حرمات الله الواو عاطفة على جملة "ذلك "؛ الدالة على التعريف الموجز للحج؛ والإشارة إلى أركانه؛ ومحرماته؛ وأوقاته؛ و "يعظم "؛ معناها: يعطها [ ص: 4978 ] حقها من الإعظام والإكبار؛ فلا ينتهك موانع الإحرام؛ ويؤدي الأركان في مواعيدها؛ ولا يرفث؛ ولا يفسق؛ ولا يجادل في الحج؛ كما قال (تعالى) في كتابه الكريم: الحج أشهر معلومات فمن فرض فيهن الحج فلا رفث ولا فسوق ولا جدال في الحج ؛ و "الحرمات "؛ جمع "حرمة "؛ وهو ما لا يحل انتهاكه مما حرمه الله (تعالى) في الحج؛ من بعد الإحرام؛ وهو فرض الحج عليه؛ وقد روي عن زيد بن أسلم أنه قال: حرمات الحج خمس: الكعبة الحرام؛ والمسجد الحرام؛ والبلد الحرام؛ والشهر الحرام؛ وما حرمه الله (تعالى) على المحرم بعد فرضه الحج على نفسه .

فهو خير له عند ربه هذا جواب الشرط؛ "ومن يعظم حرمات الله "؛ والفاء واقعة في جواب الشرط؛ وهو قوله: فهو خير له عند ربه فيها تأكيد الخيرية - أولا - بذكر ضمير الفصل "هو " و- ثانيا - بتخصيص الخيرية "له "; لأنه قام بمناسك الحج؛ أدى موجباتها؛ وبعد عن موانعها؛ وقام بحق ضيافة الله (تعالى) حق قيامه؛ وتعاون مع المسلمين؛ وتعرف بهم؛ وذلك خير له؛ ولكل المؤمنين؛ و- ثالثا -: بأن أضاف الخيرية بأنها "عند ربه "؛ الكالئ له؛ والحامي.

وقد ذكر الحرمات مضافة إلى ذي العزة والجلال؛ حضا على صيانتها؛ وتكريمها؛ ومراعاتها حق رعايتها؛ وأحل ما أحل؛ وحرم ما حرم؛ وإن الحج لا يكون خيرا إلا إذا طهرت النفوس من الآثام؛ واتجهت إلى الديان وحده؛ لا شريك له; ولذا قال (تعالى) - عاطفا على ما قبله -: وأحلت لكم الأنعام الإضافة هنا بيانية؛ أي: البهيمة التي هي الأنعام؛ أي أنها من النعم؛ التي أنعم الله بها عليكم؛ فتحريمها بغير تحريم الله (تعالى) كفر بنعمته؛ واستباحتها بغير إباحة الله (تعالى) كفر بنعمته أيضا; ولذا قال (تعالى): إلا ما يتلى عليكم وما تلي هو ما جاء في سورة "البقرة "؛ و "الأنعام "؛ و "المائدة "؛ وآخرها ما جاء في "المائدة "؛ فقد قال (تعالى): حرمت عليكم [ ص: 4979 ] الميتة والدم ولحم الخنزير وما أهل لغير الله به والمنخنقة والموقوذة والمتردية والنطيحة وما أكل السبع إلا ما ذكيتم وما ذبح على النصب وأن تستقسموا بالأزلام ذلكم فسق اليوم يئس الذين كفروا من دينكم فلا تخشوهم واخشون اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا فمن اضطر في مخمصة غير متجانف لإثم فإن الله غفور رحيم

هذا ما أحل؛ وهذا ما استثني من الحلال؛ وذكرت بهائم الأنعام؛ وإحلالها في هذا المقام لمناسبة الهدي؛ ووجوبه؛ والأكل منه؛ وإن المشركين؛ كما أشرنا؛ أحلوا ما حرم الله؛ فأكلوا ما أهل به لغير الله؛ من أوثانهم؛ وحرموا ما أحل الله (تعالى) في تحريم السائبة والوصيلة والحام؛ ونسبوا التحريم إلى الله (تعالى)؛ وذلك زور في القول؛ والإهلال لغير الله والذبح على النصب؛ والاستقسام بالأزلام؛ كل ذلك من الوثنية؛ أو الكذب على الله (تعالى); ولذلك جاء من بعد النهي عن الوثنية؛ وقول الزور؛ فقال - عز من قائل -: فاجتنبوا الرجس من الأوثان واجتنبوا قول الزور "الرجس ": هو الشيء القذر؛ والقذارة هنا معنوية؛ وليست حسية; لأن النفس والعقل يقذران بتقديس الأحجار وعبادتها; لأنها تنزيل للفكر؛ وضلال في العقل؛ وافتئات على الله - جل جلاله -؛ و "الأوثان "؛ جمع "وثن "؛ وهو ما يعبد من تماثيل؛ وأصله من "وثن الشيء "؛ أي: أقامه في مقامه؛ فسمي الوثن كذلك لأنه يركز في مقامه؛ وهو بطبعه جماد لا يتحرك إلا بمحرك؛ و "من "؛ في قوله (تعالى): من الأوثان بيانية؛ أي: اجتنبوا الرجس؛ وهو الأوثان؛ ففي الكلام بيان بعد إبهام؛ وهو يمكن المعنى في النفس؛ و "اجتنبوا "؛ معناها: ابتعدوا كل الابتعاد؛ وهو أبلغ في النهي؛ وكان النهي عن الأوثان في هذا المقام; لأن الله أحل بهيمة الأنعام؛ إلا الميتة؛ وما يشبهها؛ وما أهل لغير الله به؛ وقد استباحوا ما أهل به للأصنام؛ وما ذبح على النصب؛ واستقسموا بالأزلام؛ فلا حج لمن كان كذلك؛ ولا خير له في حجه. [ ص: 4980 ] وعطف الله (تعالى) الأمر باجتناب قول الزور على اجتناب الأوثان; لأنهم كانوا يحرمون على أنفسهم بعض بهائم الأنعام؛ وينسبون التحريم إلى الله؛ كاذبين مزورين؛ ولا حج لهؤلاء؛ ولا خير لهم في تعظيمهم بعض مناسك الحج; لأن الخير يكون لمن قام بالواجب؛ وأبعد موانع القربى إلى الله (تعالى).

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث