الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

تفسير قوله تعالى والبدن جعلناها لكم من شعائر الله لكم فيها خير فاذكروا اسم الله عليها صواف

جزء التالي صفحة
السابق

أعلى أنواع الهدي

قال الله (تعالى): والبدن جعلناها لكم من شعائر الله لكم فيها خير فاذكروا اسم الله عليها صواف فإذا وجبت جنوبها فكلوا منها وأطعموا القانع والمعتر كذلك سخرناها لكم لعلكم تشكرون لن ينال الله لحومها ولا دماؤها [ ص: 4986 ] ولكن يناله التقوى منكم كذلك سخرها لكم لتكبروا الله على ما هداكم وبشر المحسنين .

[ ص: 4987 ] "البدن "؛ جمع "بدنة "؛ وهي تطلق على البدنة من الإبل؛ وسميت كذلك؛ لبدانتها؛ وسمنها؛ وضخامتها؛ ولا تطلق إلا على الإبل؛ وتعطى البقرة حكمها؛ فتجزئ عن سبعة؛ كما تجزئ البدنة; لأنهما متقاربتان في الحجم؛ وما يؤخذ منهما من لحم؛ والبدن من شعائر الله؛ أي أن سوقها في الحج من شعائر الله؛ وهي جمع "شعيرة "؛ وهي العبادة المعلمة التي يجمع فيها بين البينة؛ والإعلام بمناسك الحج; وذلك لأن أيام الحج كلها أيام إعلام؛ وإشعار بمناسك الحج؛ يلتقي فيها المظهر الإعلامي؛ وتقوى القلوب؛ فهي باعتبارها؛ وكون العبد قائما في ضيافة الله؛ واستشعار عظمته وجلاله في كل عمل من أعماله؛ وطاعته؛ وتكبيره؛ وإهلاله؛ وترتيبه؛ في كل هذا تقوى القلوب; ولأنها مظهر حسي؛ كانت شعيرة معلمة كالقيام؛ والقراءة؛ والركوع؛ والسجود؛ شعائر معلمة; ولأنها مناجاة العبد لربه؛ كان فيها تقوى القلوب.

فاذكروا اسم الله عليها صواف وفي قراءة: "صوافن "؛ و "صواف "؛ جمع "صافة "؛ و "الصافة "؛ هي من رفعت إحدى يديها بالفعل لئلا تضطرب؛ والمعنى: اذكر اسم الله (تعالى) عند إعدادها للذبح؛ و "صافنة "؛ كـ "صافة "؛ في المعنى.

والذي أراه أن تصف النوق صفوفا عند ذبحها؛ بحيث تكون مقدمة للذبح في صفوف متتالية؛ بعضها وراء بعض؛ وذلك فيه روعة في المظهر؛ وظهور للمشعر؛ وقد جاء في مفردات الراغب الأصفهاني : فاذكروا اسم الله عليها صواف أي: مصطفة؛ و "صففت كذا ": جعلته على صف واحد؛ قال (تعالى): على سرر مصفوفة

فكلوا منها وأطعموا القانع [ ص: 4988 ] والمعتر "وجبت جنوبها "؛ أي: سقطت ذبيحة؛ بعد ذكر اسم الله (تعالى)؛ فكلوا منها وأطعموا القانع والمعتر "القانع "؛ من "القناعة "؛ وهو الفقير الراضي الذي لا يسأل الناس إلحافا؛ و "المعتر "؛ "افتعل "؛ من "عر "؛ وهو الذي يكشف فقره؛ ولا يستره؛ ويطلب من الناس؛ ولا يمتنع عن السؤال؛ والإعطاء لهؤلاء صدقة مبرورة؛ وقدم عليها أكله هو لكيلا يحسب الناس أنه لا يصح أن يأكل؛ كذلك سخرناها لكم أي أنها مسخرة لكم؛ تقضون عليها حوائجكم؛ وتنقلكم في هذه الصحراء المحرقة؛ وكما يقول الناس: الجمل سفينة الصحراء؛ إنه ينقل الأحمال في الصحراء؛ كما تنقل السفينة الأحمال من إقليم إلى إقليم؛ على متن البحار؛ و "سخرها "؛ معناها زللها لكم؛ لتكون في منافعكم؛ والكاف للتشبيه؛ أي أن الإبل كما أن الله جعلها من شعائر الله قد سخرها لكم؛ لعلكم تشكرون أي: رجاء أن تشكروا الله (تعالى) على أنعمه التي أنعمها عليكم؛ ولا تكفروها؛ لئن شكرتم لأزيدنكم ولئن كفرتم إن عذابي لشديد

وإن هذا كله لخير العباد؛ ولإعلان المناسك؛ ولا يعود على ذات الله (تعالى) العلية منها شيء.

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث