الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

تفسير قوله تعالى حرمت عليكم أمهاتكم وبناتكم وأخواتكم وعماتكم وخالاتكم

جزء التالي صفحة
السابق

بعد ذلك بين سبحانه وتعالى المحرمات من الأقارب فقال تعالى:

[ ص: 1629 ] حرمت عليكم أمهاتكم وبناتكم وأخواتكم وعماتكم وخالاتكم وبنات الأخ وبنات الأخت

هذا النص الكريم لبيان تحريم أربع طوائف من القرابة، فمعنى حرمت عليكم أمهاتكم أي: حرم عليكم نكاح أمهاتكم.

والطوائف الأربع أولاهن: الأمهات والجدات؛ لأن الأمهات يراد بهن الأصول، إذ الأم تطلق على الأصل، كما قال تعالى: وعنده أم الكتاب ويصح أن يراد من الأمهات الصلبيات، ولكن يثبت تحريم الجدات بطريق الأولى؛ لأنه إذا كانت العمة والخالة حراما، فأولى أن تكون الجدة حراما؛ لأن الأم هي طريق الوصول في القرابة إلى هؤلاء، وقد أجمع المسلمون على تحريم الجدات.

والطائفة الثانية: الفروع من النساء، وذلك ثبت بقوله تعالى: " وبناتكم " بالعطف على " أمهاتكم " ، وقد ثبت تحريم البنات بالنص، وبقية الفروع من النساء ثبت تحريمهن بالأولى؛ لأن النص يحرم بنت الأخ وبنت الأخت، وإذا كانت بنت الأخ والأخت حراما، فأولى بالتحريم بنت البنت وبنت الابن؛ لأن البنت أقرب من الأخت.

والابن أقرب من الأخ، فأولادهما أولى بالتحريم، وقد انعقد الإجماع على تحريم الفروع من النساء مهما تكن طبقتهن.

والطائفة الثالثة: فروع الأبوين، وهن الأخوات، وبنات الإخوة والأخوات، وثبت تحريمهن بقوله تعالى: " وأخواتكم " ثم قوله تعالى: وبنات الأخ وبنات الأخت وذلك يشمل الأخوات شقيقات أو لأب أو لأم، كما يشمل فروع الإخوة والأخوات جميعا؛ لأن كلمة ( بنات الإخوة والأخوات) تشمل كل الفروع على سبيل المجاز؛ ولأن التحريم يثبت بالأولى؛ لأن عمة الجد حرام بالنص فأولى بالتحريم بنت ابن الأخ، وبنت بنت الأخ أو الأخت؛ لأنهن أقرب، وقد انعقد الإجماع على تحريمهن. [ ص: 1630 ] والطائفة الرابعة: العمات والخالات، وقد ثبت التحريم بقوله تعالى: وعماتكم وخالاتكم بالعطف على الأمهات من حيث التحريم، والعمات والخالات، يشملن عمات الأب والأم وخالات الأب والأم، وعمات الجد والجدة، وخالات الجد والجدة؛ لأن هؤلاء يطلق عليهن عرفا اسم العمة والخالة، واللغة لا تمنع ذلك، وقد انعقد الإجماع على ذلك. والنص على تحريم العمة والخالة، والاقتصار على ذلك يدل على أنه لا يكون تحريما لبنت العم وبنت الخال والخالة، أيا كانت طبقة العمومة والخئولة، فبنت عم الأب حلال، وبنت خال الجد حلال أيضا.

وإن هؤلاء المحرمات قد ثبت تحريمهن في الشرائع السماوية كلها؛ لأن تحريمهن مشتق من الفطرة، وفي الزواج بهن إيجاد نسل غير قوي؛ لأن التجارب العلمية أثبتت أن التلاقح بين سلائل مختلفة الأرومة ينتج نسلا قويا، والتلاقح بين حيوانات متحدة الأرومة ينتج نسلا ضعيفا، وعلى ذلك يكون التزاوج بين القرابة القريبة منتجا نسلا ضعيفا. ولقد ضعف آل السائب؛ لأنهم كانوا لا يتزاوجون إلا فيما بينهم، فقال لهم الإمام عمر : ( قد أضويتم يا آل السائب فانكحوا النوابغ ) . وإن الزواج من القرابة القريبة يفسد علاقة القرابة والعواطف الشريفة التي تربط بينهم، فعلاقة الأمومة والبنوة والأخوة والعمومة والخئولة يفسدها الزواج بما يكون بين الزوجين من مباسطات أو منافرات أحيانا، والحياة الزوجية على القبض والبسط، والرضا والسخط، والمداعبة والهجر أحيانا، وكل ذلك يفسد القرابة.

وأمهاتكم اللاتي أرضعنكم وأخواتكم من الرضاعة الأم الرضاعية هي التي أرضعته، والأخت الرضاعية هي التي أرضعتها أمه، أو رضعت من ظئر رضع هو منها، أو بعبارة عامة التقيا على ثدي واحدة، ولا يشترط أن تكون الرضاعة من لبنه أو لبنها، بل إن كل من ترضع ولدا تحرم عليه بناتها جميعا صغيرة أو كبيرة.

وقد قرر جمهور الفقهاء أنه يعتبر من الأخوات الرضاعيات كل من رضعت من امرأة أبيه إذا كان اللبن الذي رضعته كان أبوه هو السبب فيه. وهذه العلاقة [ ص: 1631 ] الرضاعية نشأت من قبل أبيه لا من قبل أمه، فمن رضعت من لبن أخيه لأبيه أو أخته لأبيه تعد أختا رضاعية له.

والأمهات الرضاعيات يشملن الأم التي أرضعته وجداته اللائي كانت العلاقة بينه وبينهن رضاعية، في أي طبقة من الطبقات، سواء كن جدات رضاعيات له من جهة أبيه أم من جهة أمه.

وإنه يلاحظ أنه لا يحرم بالرضاعة الأمهات والأخوات فقط، بل البنات والعمات والخالات، وبنات الأخ والأخت، وإن نزلت درجاتهن في القرابة. وقد فهم كثيرون من المفسرين تحريم هذا كله من الآية الكريمة؛ وذلك لأنه سبحانه وتعالى لما سمى المرضع أما، وابنة المرضع أختا، فقد نبه بذلك إلى أنه أجرى الرضاعة مجرى النسب، ففهم بفحوى الخطاب باقي المحرمات رضاعا اللائي يعتبرن نظيرا للقريبات، وإنه قد نص على تحريم الأخت رضاعا، وليست الأخت أقرب من بنت البنت الرضاعية، فتحرم عليه بالأولى، ولقد جاءت السنة موضحة ذلك المعنى، فقد روي أنه لما طلب إليه عليه الصلاة والسلام أن يتزوج ابنة عمه حمزة قال: " لا تحل لي، إنها ابنة أخي من الرضاعة، ويحرم من الرضاعة ما يحرم من النسب " وروي أن عائشة كانت قد رضعت من امرأة أبي القعيس، فجاء أخوه أفلح يستأذن عليها، فقالت: أرضعتني امرأة أخيه، فلا آذن له، حتى أستأذن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فلما ذكرت ذلك لرسول الله قال: " ائذني له فإنه عمك تربت يداك " ؛ وذلك لأنها لما رضعت من امرأة أخيه على ولد أخيه اعتبر أبا رضاعيا لها، فيكون هو عمها. [ ص: 1632 ] والرضاعة المحرمة عند مالك وأبي حنيفة هي كل مقدار قل أو كثر، وعند الشافعي وأحمد لا يحرم إلا خمس رضعات مشبعات ليمكن أن يكون الولد جزءا ممن أرضعته؛ إذ يكون قد أخذ منها غذاء يوم كامل. ولا بد أن تكون الرضاعة في الصغر، لقوله عليه الصلاة والسلام: " إنما الرضاعة من المجاعة " وذلك يكون في السنتين الأوليين من حياة المولود، ولذا قال سبحانه: والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين وقال أبو حنيفة : إن الرضاعة المحرمة هي ما تكون في الثلاثين شهرا التي أعقبت الولادة.

والحكمة من التحريم بالرضاعة أن المولود يتكون جسمه من جسم التي أرضعته فيكون جزءا منها، كما هو جزء من أمه، التي حملته، وإذا كانت هذه غذته بدمها في بطنها، فتلك غذته بلبنها في حجرها، وربما تكون مدة الإقامة في حجرها أطول كثيرا من مدة الحمل، فكان لا بد أن يثبت لهذه الأم الرضاعية ما يثبت للأم النسبية من حرمة وكرامة، وإن تكريم المرضعات بذلك التحريم الذي يكون للأمهات الحقيقيات يشجع النساء على الرضاعة، فلا يضيع الأطفال الذين فقدوا أمهاتهم، وفي هذا التحريم فوق ذلك تنبيه إلى أن يتخير الآباء من يرضعن أولادهم؛ لأنهم إذا علموا أن أولادهم ستتكون أجزاؤهم ممن يرضعنهم تخيروهن من ذوات الأجسام القوية، والدماء النقية التي لا يدنسها مرض ينتقل بالوراثة، ولقد كان العرب والسلف الصالح يتخيرون مراضع أولادهم لهذه المعاني.

وأمهات نسائكم وربائبكم اللاتي في حجوركم من نسائكم اللاتي دخلتم بهن هذه النصوص تعرضت للمحرمات بسبب المصاهرة، وهي تتم ما ابتدأه سبحانه [ ص: 1633 ] بقوله تعالى؛ ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء التي تعرضنا لذكر أحكامها في ابتداء القول في المحرمات، وهذه النصوص شملت ثلاث طوائف.

أولاها: ( أمهات نسائكم) وأمهات من كانت زوجة للشخص يكن حراما سواء أكن أمهات صلبيات أم جدات، فيشمل النص كل الجدات، لما ذكرنا من أن كلمة الأمهات تشمل الجدات، ولإجماع الفقهاء على ذلك، ولبيان النبي - صلى الله عليه وسلم -.

وأما من عقد عليها وافترق تحرم عليه، سواء أدخل بها أم لم يدخل؛ لأن الأم توحش صدر ابنتها إذا تزوجت من مطلقها، ولأن الأم لا يليق بها أن تتطلع إلى الزواج ممن كان زوج ابنتها، ولو لم يدخل بها، فإن ذلك مخل بكرامة الأمومة وشرفها وحنانها، وهو سبيل لقطع رحمها، وشيوع ذلك يؤدي إلى الفساد.

والطائفة الثانية بينها الله- تعالى- بقوله: وربائبكم اللاتي في حجوركم من نسائكم اللاتي دخلتم بهن فإن لم تكونوا دخلتم بهن فلا جناح عليكم

والربيبة هي ابنة الزوجة؛ لأن الزوج في أكثر الأحوال يربها أي يربيها ويعطف عليها، وهي في غالب الأحوال تكون في حجره، أي في بيته وتحت رعايته، فقوله تعالى: اللاتي في حجوركم كناية عن الرعاية والحياطة والعطف، وغيرها من أنواع البر التي يحوط بها أولاد زوجته من غيره إن كان رجلا عطوفا كريما، وهذا الوصف جار مجرى العادة، والتعبير فيه مجازي لبيان قبح من يتزوج بنات امرأته، وقد اشترط للتحريم أن يكون قد دخل بزوجته التي افترق عنها، وأراد أن يتزوج ابنتها، ولذلك صرح سبحانه وتعالى للذي دخل بالأم وافترق عنها وأراد الزواج بالبنت، إذ قال سبحانه: فإن لم تكونوا دخلتم بهن فلا جناح عليكم أي: لا إثم عليكم في أن تعقدوا عليهن، وإن المعاني التي من أجلها حرم الزواج بالأم عند العقد على البنت ليست قوية في حال التزوج بالبنت بعد الافتراق عن الأم، فالأم لها من الحنان والعطف والشفقة ما يجعلها تغفر لابنتها تزوجها ممن كان زوجها إذا لم يكن دخول؛ ولأن البنت ليس [ ص: 1634 ] فيها من الكرامة والاحترام والشرف ما للأم الرءوم العطوف، لذلك اشترط في التحريم الدخول بها.

والحكمة في التحريم واضحة؛ لأنه لو كانت الإباحة، فيباح للرجل أن يطلق الأم المدخول بها ويتزوج ابنتها، ويطلق البنت ويتزوجها، لأدى ذلك إلى إلى تقطيع الأرحام بين الأم والبنت، ولأدى إلى التضييق في الأسرة، فلا يباح للرجل أن يضم إليه أولاد امرأته، ولا يباح له أن يعطف على بناتها، ويؤويهن عنده إن كن في حاجة إلى إيواء، خشية أن يؤدي ذلك إلى الرغبة في الزواج بواحدة منهن.

والطائفة الثالثة بين سبحانه وتعالى تحريمها بقوله: وحلائل أبنائكم الذين من أصلابكم (والحلائل جمع حليلة وهي الزوجة التي تحل، والأبناء يشملون الأولاد من الطبقة الأولى والطبقات الأخرى، وقد انعقد الإجماع على ذلك، فمن كانت زوجة ابنه أو ابن ابنه أو ابن بنته لا تحل له لأنها كانت حليلة لأحد هؤلاء، والتحريم ثابت سواء أدخل بها فرعه أم لم يدخل، وقوله تعالى: " من أصلابكم " - معناها من ظهوركم، وكان في ذكر كلمة " أبنائكم " ما قد يغني عن ذكر " أصلابكم " ، ولكنها ذكرت ليخرج الذين يتبنون، فقد كان العرب يعتبرون المتبنى ولدا له كل حقوق الأولاد، ويحرمون على أنفسهم الزواج من أزواج التبني، وقد سماهم القرآن أدعياء، ولذلك قال الله تعالى: ما جعل الله لرجل من قلبين في جوفه وما جعل أزواجكم اللائي تظاهرون منهن أمهاتكم وما جعل أدعياءكم أبناءكم ذلكم قولكم بأفواهكم والله يقول الحق وهو يهدي السبيل ادعوهم لآبائهم هو أقسط عند الله فإن لم تعلموا آباءهم فإخوانكم في الدين ومواليكم وليس عليكم جناح فيما أخطأتم به ولكن ما تعمدت قلوبكم وكان الله غفورا رحيما

ومن أجل إباحة الزواج بمن كانت زوجة المتبنى أمر الله نبيه بأن يتزوج امرأة زيد بعد أن يطلقها؛ لأنه كان متبنى للنبي - صلى الله عليه وسلم - في الجاهلية، ولذا قال سبحانه عند الأمر بزواجها: فلما قضى زيد منها وطرا زوجناكها لكي لا يكون على المؤمنين حرج في أزواج أدعيائهم إذا قضوا منهن وطرا وكان أمر الله مفعولا

[ ص: 1635 ] وأن تجمعوا بين الأختين إلا ما قد سلف هذا نوع جديد من التحريم المؤقت، وهو ألا يجمع الرجل بين امرأة وأختها في عصمته، فلا يصح أن يتزوج أخت زوجته، وهي في عصمته، أو يكون قد افترق عنها وعدتها لم تنته، فإن ذلك حرام؛ لأنه يؤدي إلى قطع الرحم بينهما، ومثل الجمع بين الأختين الجمع بين المرأة وعمتها والمرأة وخالتها وابنة أخيها وابنة أختها، وقد ثبت تحريم الجمع بين هؤلاء لقول النبي - صلى الله عليه وسلم - فيما رواه أبو هريرة : " لا تنكح المرأة على عمتها، ولا على خالتها، ولا المرأة على ابنة أخيها، ولا ابنة أختها " ، وزاد في بعض الروايات: " إنكم إن فعلتم ذلك قطعتم أرحامكم " ، وقد انعقد إجماع من يعتد بإجماعهم على ذلك. وقد قال بعض المفسرين: إن تحريم الجمع بين هؤلاء يثبت من نص القرآن في قوله تعالى: وأن تجمعوا بين الأختين ؛ ذلك لأن التحريم لخشية إيحاش قلب الأختين بالعداوة، ويكون بينهما ما بين الضرائر من مبادلة الأذى، وإن ذلك أظهر في الجمع بين المرأة وخالتها أو عمتها، فأولى أن يكون التحريم في الجمع بينهما، ولأن العمة والخالة بمنزلة الأم.

إلا ما قد سلف إن الله كان غفورا رحيما يظهر أن هذا كان يقع من العرب في الجاهلية، ومنهم بعض الذين آمنوا، ولذلك بين الله سبحانه أن ذلك موضع [ ص: 1636 ] عفو الله تعالى، ولذا قال سبحانه: إلا ما قد سلف والاستثناء هنا منقطع، و " إلا " بمعنى " لكن " والمعنى: لكن ما قد سلف منكم في جاهليتكم قبل ذلك التحريم موضع عفو الله تعالى؛ وذلك لأن الله- تعالى- غفور رحيم، فقوله تعالى: إن الله كان غفورا رحيما في موضع التعليل لعفو الله في هذا الاستثناء المنقطع، والمعنى أن الله يعفو؛ لأنه سبحانه وتعالى كان وما زال غفارا للذنوب رحيما بعباده، ومن رحمته بعباده ألا يعذبهم من غير نذير، وألا يؤاخذهم على ما اكتسبوا إلا بعد بيان واضح، وإن كان العقل يدرك حسن الأشياء وقبحها، والله سبحانه وتعالى بكل شيء عليم.

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث