الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

زكاة الحملان والفصلان والعجاجيل

جزء التالي صفحة
السابق

( قوله : ولو عجل ذو نصاب لسنين أو لنصب صح ) أما الأول فلأنه أدى بعد سبب الوجوب فيجوز لسنة ولسنين كما إذا كفر بعد الجرح ، وأما الثاني فلأن النصاب الأول هو الأصل في السببية ، والزائد عليه تابع له قيد بقوله : ذو نصاب ; لأنه لو عجل قبل أن يملك تمامه ثم تم الحول على النصاب لا يجوز ، وفيه شرطان آخران أن لا ينقطع النصاب في أثناء الحول ، وأن يكون كاملا في آخره فتفرع على الأول أنه لو عجل ومعه نصاب ثم هلك كله ثم استفاد فتم الحول على النصاب لم يجز المعجل بخلاف ما إذا بقي في يده منه شيء ، وعلى الثاني ما لو عجل شاة من أربعين وحال الحول ، وعنده تسعة وثلاثون فإن كان صرفها إلى الفقراء فالمعجل نفل بخلاف ما إذا أدى بعد الحول إلى الفقير وانتقص النصاب بأدائه فإن الزكاة واجبة ، وإن كانت قائمة في يد الساعي فالصحيح وقوعها زكاة فلا يستردها ; لأن الدفع إلى المصدق لا يزيل ملكه عن المدفوع ، ولا فرق بين السوائم والنقود في هذا ، ولا فرق بين أن تكون الزكاة في يد الساعي حقيقة أو استهلكها أو أنفقها على نفسه قرضا أو أخذها الساعي من عمالته ; لأنه كقيام العين حكما بخلاف ما إذا صرفها الساعي إلى الفقراء أو إلى نفسه ، وهو فقير فإنه كصرفها بنفسه فلا يجوز المعجل كما لو ضاعت من يد الساعي قبل الحول ، ووجدها بعده فلا زكاة ، وللمالك أن يستردها فلو لم يستردها حتى دفعها الساعي إلى الفقراء لم يضمن إلا إن كان المالك نهاه ثم اعلم أن وقوعها زكاة فيما إذا أخذها الساعي من عمالته إنما هو في غير السوائم أما في السوائم فلا تقع زكاة لنقصان النصاب ، ويستردها المالك ، ويضمن الساعي قيمتها لو باعها ويكون الثمن له ، وإنما كان كذلك في السائمة ; لأنها لما خرجت عن ملك المعجل بذلك السبب فحين تم الحول يصير ضامنا بالقيمة ، والسائمة لا يكمل نصابها بالدين بخلاف نصاب الدراهم لأنه يكمل بالدين ، وهذا كله إذا لم يستفد قدر ما عجل ، ولم ينتقص ما عنده ، فإن استفاد صار المؤدى زكاة في الوجوه كلها من وقت التعجيل ، وإلا يلزم هنا كون الدين زكاة عن العين في بعض الوجوه ، ولا يجب عليه زكاة المستفاد وإن انتقص ما في يده فلا تجب في الوجوه كلها فيسترد إن كان في يد الساعي ، وإن استهلكها ، أو أكلها قرضا أو بجهة العمالة ضمن ، ولو تصدق بها على الفقراء أو نفسه ، وهو فقير لا يضمن إلا إن تصدق بها بعد الحول فيضمن عنده علم بالنقصان أو لم يعلم ، وعندهما إن علم ، وإن كان نهاه ضمن عند الكل ، وأما الفقير فلا رجوع عليه في شيء من الصور ; لأنه وقع صدقة تطوعا لو لم يجز المعجل عنها .

والحاصل أن وجوه هذه المسألة ثلاثة وكل وجه على سبعة ; لأن المعجل إما أن يكون في يد الساعي أو استهلكه أو أنفقه على نفسه قرضا أو عمالة أو صدقة أو صرفه إلى الفقراء أو ضاع من يد الساعي قبل الحول فهي إحدى وعشرون وقد علم أحكامها وبسطه في شرح الزيادات لقاضي خان والمسألة الثانية أعني ما إذا عجل لنصب بعد ملك نصاب واحد مقيدة بما إذا ملك ما عجل عنه في سنة التعجيل فلو كان عنده مائتا درهم فعجل زكاة ألف فإن استفاد مالا أو ربح حتى صارت ألفا ثم تم الحول وعنده ألف فإنه يجوز التعجيل وسقط عنه زكاة الألف ، وإن تم الحول ، ولم يستفد شيئا ثم استفاد فالمعجل لا يجزئ عن زكاتها ، فإذا تم الحول من حين الاستفادة كان عليه أن يزكي صرح به في المبسوط وأفاده الإسبيجابي والكاكي [ ص: 242 ] والسغناقي وغيرهم ، وبهذا ظهر ما في فتاوى قاضي خان من أنه لو كان له خمس من الإبل الحوامل يعني الحبالى فعجل شاتين عنها وعما في بطنها ثم نتجت خمسا قبل الحول أجزأه ما عجل ، وإن عجل عما تحمل في السنة الثانية لا يجوز . ا هـ .

لأنه لما عجل عما تحمله في الثانية لم يوجد المعجل عنه في سنة التعجيل ففقد الشرط فلم يجز عما تحمله في الثانية ، وهو المراد من نفي الجواز وليس المراد نفي الجواز مطلقا لظهور أنه يقع عما في ملكه وقت التعجيل في الحول الثاني فهو تعجيل زكاة ما في ملكه لسنتين ; لأن التعيين في الجنس الواحد لغو وكذا لو كان له ألف درهم بيض ، وألف سود فعجل خمسة وعشرين عن البيض فهلكت البيض قبل تمام الحول ثم تم لا زكاة عليه في السود ويكون المخرج عنها وكذا عكسه وكذا لو عجل عن الدنانير وله دراهم ثم هلكت الدنانير كان ما عجل عن الدراهم باعتبار القيمة وكذا عكسه قيدنا بالهلاك ; لأنه لو عجل عن أحد المالين ثم استحق المال الذي عجل عنه قبل الحول لم يكن المعجل عن الباقي وكذا لو استحق بعد الحول لأن في الاستحقاق عجل عما لم يملكه فبطل تعجيله كذا في فتاوى قاضي خان وبما ذكرناه اندفع ما في فتح القدير من الاعتراض على الفرع الأول المنقول من الفتاوى كما لا يخفى وقيدنا بكون الجنس متحدا ; لأنه لو كان له خمس من الإبل وأربعون من الغنم فعجل شاة عن أحد الصنفين ثم هلك لا يكون عن الآخر ولو كان له عين ودين فعجل عن العين فهلكت قبل الحول جاز عن الدين ، وإن هلكت بعده لا يقع عنه ، والدراهم والدنانير وعروض التجارة جنس واحد بدليل الضم كما قدمناه وصرح به في المحيط هنا ، وفي الولوالجية وغيرها رجل عنده أربعمائة درهم فظن أن عنده خمسمائة درهم فأدى زكاة خمسمائة فله أن يحتسب الزيادة للسنة الثانية ; لأنه أمكن أن تجعل الزيادة تعجيلا ا هـ .

فقولنا فيما مضى : يشترط أن يملك ما عجل عنه في حوله يستثنى منه ما إذا عجل غلطا عن شيء يظن أنه في ملكه ، ثم اعلم أنه لو عجل زكاة ماله فأيسر الفقير قبل تمام الحول أو مات أو ارتد جاز عن الزكاة ; لأنه كان مصرفا وقت الصرف فصح الأداء إليه فلا ينتقض بهذه العوارض كذا في الولوالجية وأشار المصنف بجواز التعجيل بعد ملك النصاب إلى جواز تعجيل عشر زرعه بعد النبات قبل الإدراك أو عشر الثمر بعد الخروج قبل البلوغ ; لأنه تعجيل بعد وجود السبب ، وبعدم جوازه قبل ملك النصاب إلى عدم جواز تعجيل العشر قبل الزرع أو قبل الغرس

واختلف في تعجيله قبل النبات بعد الزرع أو بعدما غرس الشجر قبل خروج الثمرة فعند محمد لا يجوز ; لأن التعجيل للحادث لا للبذر ، ولم يحدث شيء وجوزه أبو يوسف ; لأن السبب الأرض النامية وبعد الزراعة صارت نامية ورده محمد بأن السبب الأرض النامية بحقيقة النماء فيكون التعجيل قبلها واقعا قبل السبب فلا يجوز كذا في الولوالجية ، ولا يخفى أن الأفضل لصاحب المال عدم التعجيل للاختلاف في التعجيل عند العلماء ولم أره منقولا ، والله أعلم بالصواب وإليه المرجع والمآب .

[ ص: 242 ]

التالي السابق


[ ص: 242 ] ( قوله : يستثنى منه ما إذا عجل غلطا إلخ ) قال في النهر : الظاهر أنه لا استثناء ، وأن هذا من المسألة الأولى ( قوله : بعد النبات إلخ ) سيأتي في باب العشر أن سببه الأرض النامية بالخارج حقيقة ، وأن وقته وقت خروج الزرع وظهور الثمرة عند أبي حنيفة وعند أبي يوسف وقت الإدراك ، وعند محمد عند التنقية والجذاذ ا هـ .

وبه علم أنه على قول أبي حنيفة ليس ما ذكره هنا بتعجيل بل هو أداء في وقته



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث