الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

باب ما يفسد الصوم وما لا يفسده

جزء التالي صفحة
السابق

( قوله : أو احتلم أو أنزل بنظر ) أي لا يفطر لحديث السنن { لا يفطر من قاء ، ولا من احتلم ، ولا من احتجم } ولأنه لم يوجد الجماع صورة لعدم الإيلاج حقيقة ، ولا معنى لعدم الإنزال عن شهوة المباشرة ; ولهذا ذكرالولوالجي في فتاويه بأن من جامع في رمضان قبل الصبح فلما خشي أخرج فأنزل بعد الصبح لا يفسد صومه ، وهو بمنزلة الاحتلام لوجود صورة الجماع معنى قالوا الصائم إذا عالج ذكره حتى أمنى يجب عليه القضاء ، وهو المختار كذا في التجنيس والولوالجية وبه قال عامة المشايخ كذا في النهاية

واختار أبو بكر الإسكاف أنه لا يفسد وصححه في غاية البيان بصيغة : والأصح عندي قول أبي بكر لعدم الصورة والمعنى ، وهو مردود ; لأن المباشرة المأخوذة في معنى الجماع أعم من كونها مباشرة الغير أولا بأن يراد مباشرة هي سبب الإنزال سواء كان ما بوشر مما يشتهى عادة أو لا ولهذا أفطر بالإنزال في فرج البهيمة والميتة وليسا مما يشتهى عادة وأما ما نقل عن أبي بكر من عدم الإفطار بالإنزال في البهيمة فقال الفقيه أبو الليث : إن هذا القول زلة منه وهل يحل الاستمناء بالكف خارج رمضان إن أراد الشهوة لا يحل لقوله عليه السلام { ناكح اليد ملعون } ، وإن أراد تسكين الشهوة يرجى أن لا يكون عليه وبال كذا في الولوالجية وظاهره أنه في رمضان لا يحل مطلقا أطلق في النظر فشمل ما إذا نظر إلى وجهها أو فرجها كرر النظر أو لا وقيد به ; لأنه لو قبلها بشهوة فأنزل فسد صومه لوجود معنى الجماع بخلاف ما إذا لم ينزل حيث لا يفسد لعدم المنافي صورة ومعنى ، وهو محمل قوله أو قبل بخلاف الرجعة والمصاهرة ; لأن الحكم هناك أدبر على السبب على ما يأتي إن شاء الله - تعالى -

واللمس والمباشرة والمصافحة والمعانقة كالقبلة ، ولا كفارة عليه ; لأنها تفتقر إلى كمال الجناية لما بينا أن الغالب فيها العقوبة ; لأن الكفارة لجبر الفائت ، وهو قد حصل فكانت زاجرة فقط ولهذا تندرئ بالشبهات ، ولا بأس بالقبلة إذا أمن على نفسه الجماع والإنزال ، ويكره إذا لم يأمن ; لأن عينه ليس بمفطر وربما يصير فطرا بعاقبته فإن أمن اعتبر عينه وأبيح له ، وإن لم يأمن اعتبر عاقبته ويكره له والمباشرة كالقبلة في ظاهر الرواية وعن محمد أنه كره المباشرة الفاحشة واختار في فتح القدير رواية محمد ; لأنها سبب غالب للإنزال ، وجزم بالكراهة من غير ذكر خلاف الولوالجي في فتاويه ويشهد للتفصيل المذكور في القبلة الحديث من ترخيصه للشيخ ونهيه الشاب ، والتقبيل الفاحش كالمباشرة الفاحشة ، وهو أن يمضغ شفتيها كذا في معراج الدراية وقيدنا بكونه قبلها ; لأنها لو قبلته ووجدت لذة الإنزال ، ولم تر بللا فسد صومها عند أبي يوسف خلافا لمحمد وكذا في وجوب الغسل كذا في المعراج والمراد باللمس اللمس بلا حائل فإن مسها وراء الثياب فأمنى فإن وجد حرارة جلدها فسد ، وإلا فلا ولو مست زوجها فأنزل لم يفسد صومه

وقيل : إن تكلف له فسد كذا في المعراج أيضا ، وفي الذخيرة ولو مس فرج بهيمة فأنزل لا يفسد صومه بالاتفاق ، وفي الفتاوى الظهيرية فإن عملت المرأتان عمل الرجال من الجماع في رمضان إن أنزلتا فعليهما القضاء ، وإن لم ينزلا فلا غسل ، ولا قضاء وأشار إلى أنه لو أصبح جنبا لا يضره كذا في المحيط ( قوله أو ادهن أو احتجم أو اكتحل أو قبل ) أي لا يفطر ; لأن الادهان غير مناف للصوم ، ولعدم وجود المفطر صورة ومعنى والداخل من المسام لا من المسالك فلا ينافيه كما لو اغتسل بالماء البارد ، ووجد برده في كبده ، وإنما كره أبو حنيفة الدخول في الماء والتلفف بالثوب المبلول لما فيه من إظهار الضجر في إقامة العبادة لا ; لأنه قريب من الإفطار كذا في فتح القدير

وقال أبو يوسف : لا يكره ذلك كذا في المعراج وكذا [ ص: 294 ] الاحتجام غير مناف أيضا ، ولما روينا من الحديث ، وهو مكروه للصائم إذا كان يضعفه عن الصوم أما إذا كان لا يخافه فلا بأس كذا في غاية البيان وكذا الاكتحال ، وأطلقه فأفاد أنه لا فرق بين أن يجد طعمه في حلقه أو لا وكذا لو بزق فوجد لونه في الأصح ; لأن الموجود في حلقه أثره لا عينه كما لو ذاق شيئا ، وكذا لو صب في عينه لبن أو دواء مع الدهن فوجد طعمه ، أو مرارته في حلقه لا يفسد صومه كهذا في الظهيرية ، وفي الولوالجية والظهيرية : ولو مص الهليلج وجعل يمضغها فدخل البزاق حلقه ، ولا يدخل عينها في جوفه لا يفسد صومه فإن فعل هذا بالفانيد أو السكر يلزمه القضاء والكفارة ، وفي مآل الفتاوى لو أفطر على الحلاوة فوجد طعمها في فمه في الصلاة لا تفسد صلاته وأما القبلة فقد تقدم الكلام عليها

( قوله أو دخل حلقه غبار أو ذباب ، وهو ذاكر لصومه ) يعني لا يفطر ; لأن الذباب لا يستطاع الامتناع عنه فشابه الدخان والغبار لدخولهما من الأنف إذا طبق الفم قيد بما ذكر ; لأنه لو وصل لحلقه دموعه أو عرقه أو دم رعافه أو مطر أو ثلج فسد صومه لتيسر طبق الفم وفتحه أحيانا مع الاحتراز عن الدخول ، وإن ابتلعه متعمدا ألزمته الكفارة ، واعتبار الوصول إلى الحلق في الدمع ونحوه مذكور في فتاوى قاضي خان ، وهو أولى مما في الخزانة من تقييد الفساد بوجدان الملوحة في الأكثر من قطرتين ونفي الفساد في القطرة والقطرتين ; لأن القطرة يجد ملوحتها فلا معول عليه ، والتعليل في المطر بما ذكرنا أولى مما في الهداية والتبيين من التعليل بإمكان أن تأويه خيمة أو سقف فإنه يقتضي أن المسافر الذي لا يجد ما يأويه ليس حكمه كغيره وليس كذلك ، وفي الفتاوى الظهيرية : وإذا نزل الدموع من عينيه إلى فمه فابتلعها يجب القضاء بلا كفارة

وفي متفرقات الفقيه أبي جعفر إن تلذذ بابتلاع الدموع يجب القضاء مع الكفارة ، وغبار الطاحونة كالدخان ، وفي الولوالجية : الدم إذا خرج من الأسنان ودخل الحلق إن كانت الغلبة للبزاق لا يفسد صومه ، وإن كانت للدم فسد ، وكذا إن استويا احتياطا ثم قال الصائم إذا دخل المخاط أنفه من رأسه ثم استشمه ودخل حلقه على تعمد منه لا شيء عليه ; لأنه بمنزلة ريقه إلا أن يجعله على كفه ثم يبتلعه فيكون عليه القضاء ، وفي الظهيرية وكذا المخاط والبزاق يخرج من فيه أو أنفه فاستشمه واستنشقه لا يفسد صومه ، وفي فتح القدير لو ابتلع ريق غيره أفطر ، ولا كفارة عليه وليس على إطلاقه فسيأتي في آخر الكتاب في مسائل شتى أنه لو ابتلع بزاق غيره كفر لو صديقه وإلا لا أقره عليه الشارح الزيلعي

( قوله أو أكل ما بين أسنانه ) أي لا يفطر ; لأنه قليل لا يمكن الاحتراز عنه فجعل بمنزلة الريق ، ولم يقيده المصنف بالقلة مع أن الكثير مفسد موجب للقضاء دون الكفارة عند أبي يوسف خلافا لزفر لما أن الكثير لا يبقى بين الأسنان ، وهو مقدار الحمصة على رأي الصدر الشهيد أو ما يمكن أن يبتلعه من غير ريق على ما اختاره الدبوسي واستحسنه ابن الهمام وما دونه قليل ، وأطلقه فشمل ما إذا ابتلعه أو مضغه ، وسواء قصد ابتلاعه أو لا كما في غاية البيان وقيد بأكله ; لأنه لو أخرجه ثم ابتلعه فسد صومه كما لو ابتلع سمسمة أو حبة حنطة من خارج لكن تكلموا في وجوب الكفارة والمختار الوجوب كذا في فتاوى قاضي خان ، وهو الصحيح كذا في المحيط بخلاف ما لو مضغها حيث لا يفسد ; لأنها تتلاشى إلا إذا كان قدر الحمصة فإن صومه يفسد ، وفي الكافي في السمسمة قال إن مضغها لا يفسد إلا إن وجد طعمها في حلقه قال في فتح القدير ، وهذا حسن جدا فليكن الأصل في كل قليل مضغه

وصرح في المحيط بما في الكافي ، وفي الفتاوى الظهيرية : روي عن محمد أنه خرج على أصحابه يوما وسألهم عن هذه المسألة فقال : ماذا تقولون في صائم رمضان إذا ابتلع سمسمة واحدة كما هي أيفطر قالوا : لا ، قال : أرأيتم لو أكل كفا من سمسم واحدة بعد واحدة وابتلع كما هي قالوا :

[ ص: 295 ] نعم وعليه الكفارة قال بالأولى أم بالأخيرة قالوا لا بل بالأولى قال الحاكم الإمام محمد بن يوسف فعلى قياس هذه الرواية يجب القضاء مع الكفارة إذا ابتلعها كما هي ا هـ .

وتقدم أن وجوب الكفارة هو المختار وذكر قبلها ، وإذا ابتلع حبة العنب إن مضغها قضى وكفر ، وإن ابتلعها كما هي لم يكن معها ثفروقها فعليه القضاء والكفارة بالاتفاق ، وإن كان معها ثفروقها قال عامة العلماء : عليه القضاء مع الكفارة ، وقال أبو سهيل : لا كفارة عليه ، وهو الصحيح ; لأنها لا تؤكل مع ذلك عادة وأراد بالثفروق ها هنا ما يلتزق بالعنقود من حب العنب وثقبته مسدودة به ، وإن ابتلع تفاحة روى هشام عن محمد أن عليه الكفارة ثم ما يفسد الصوم فإنه يفسد الصلاة ، وهو قدر الحمصة ، وفي البزازية أكل بعض لقمة وبقي البعض بين أسنانه فشرع فيها وابتلع الباقي لا تبطل الصلاة ما لم تبلغ ملء الفم وقدر الحمصة لا يفسد الصلاة بخلاف الصوم ( قوله أو قاء وعاد لم يفطر ) لحديث السنن { من ذرعه القيء ، وهو صائم فليس عليه القضاء ، وإن استقاء فليقض } وإنما ذكر العود ليفيد أن مجرد القيء بلا عود لا يفطر بالأولى وأطلقه فشمل ما إذا ملأ الفم أو لا ، وفيما إذا عاد وملأ الفم خلاف أبي يوسف والصحيح قول محمد لعدم وجود الصنع ولعدم وجود صورة الفطر ، وهو الابتلاع ، وكذا معناه ; لأنه لا يتغذى به بل النفس تعافه .

التالي السابق


( قوله : وإن أراد تسكين الشهوة ) أي الشهوة المفرطة الشاغلة للقلب ، وكان عزبا لا زوجة له ، ولا أمة أو كان إلا أنه لا يقدر على الوصول إليها لعذر كذا في السراج الوهاج ( قوله وعن محمد أنه كره المباشرة الفاحشة ) هي أن يعانقها ، وهما متجردان ، ويمس فرجه فرجها قال في الذخيرة : وهذا مكروه بلا خلاف ; لأن المباشرة إذا بلغت هذا المبلغ تفضي إلى الجماع غالبا ا هـ . تأمل .

( قوله : وقيل إن تكلف له فسد ) قال الرملي : ينبغي ترجيح هذا ; لأنه ادعى في سببية الإنزال تأمل

[ ص: 294 ] ( قوله : لأن القطرة يجد ملوحتها ) كذا في الفتح ثم قال : فالأولى عندي الاعتبار بوجود أن الملوحة لصحيح الحس ; لأنه لا ضرورة في أكثر من ذلك ، وما في فتاوى قاضي خان : لو دخل دمعه أو عرق جبينه أو دم رعافه حلقه فسد صومه يوافق ما ذكرناه فإنه علق بوصوله إلى الحلق ومجرد وجدان الملوحة دليل ذلك ا هـ .

قال في النهر وأقول : في الخلاصة في القطرة والقطرتين لا فطر أما في الأكثر فإن وجد الملوحة في جميع الفم واجتمع شيء كثير وابتلعه أفطر وإلا فلا ، وهذا ظاهر في تعليق الحكم على وجدان الملوحة في جميع الفم ; إذ لا شك أن القطرة والقطرتين ليسا كذلك ، وعليه يحمل ما في الخانية فتدبر ا هـ .

وفي الإمداد عن المقدسي القطرة لقلتها لا يجد طعمها في الحلق لتلاشيها قبل الوصول إليه ( قوله : لما أن الكثير لا يبقى ) قال في النهر : ممنوع إذ قدر المفطر مما يبقى ، ومن ثم قال الشارح المراد بما بين الأسنان القليل ا هـ . فليتأمل .

[ ص: 295 ] ( قوله : وإن كان معها تفروقها إلخ ) قال في السراج ينبغي أن يقال : إن وصل تفروقها إلى الجوف أولا أن لا تجب الكفارة ، وإن وصل اللب أولا تجب الكفارة ( قوله : وأراد بالتفروق ها هنا إلخ ) قال الرملي عن القاموس : التفروق بالضم قمع الثمرة أو ما يلتزق به قمعها جمعه تفاريق .



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث